رئيس التحرير

الدكتورة منى حنا عياد تكتب : نقاد العالم من وراء الشاشه

الأربعاء 26-11-2025 19:14

بقلم /دكتورة منى حنا عياد 

بعض الأشخاص الذين يعانون من فراغ قاتل، يجدون متعتهم في التدقيق في تفاصيل حياة الآخرين، في مراقبة تحركاتهم اليومية، وفي نشر السخرية على ما لا يعجبهم. يقضون ساعاتهم أمام الشاشات، يتحولون إلى نقاد متجولين، يعلقون على كل شيء وفي كل شيء، وكأن العالم كله مسرحًا مفتوحًا لنقدهم ومزحاتهم الحادة. لا شيء يرضيهم، لا الإنجازات، ولا الأخبار، ولا اللحظات البسيطة التي يسعد بها الآخرون، حياتهم فارغة، كما هو فراغ شاشاتهم، وحبهم لخوض المعارك الافتراضية يعكس فراغًا أعمق من مجرد صفحات السوشيال ميديا. كل تعليق ساخر، كل نقد لاذع، كل جدال مفتعل هو صرخة صامتة عن حياة لم تُبنى بعد، عن يوم لم يُخطط له، عن طاقات ضاعت بين مشاهد فيديو قصيرة وإعجابات بلا قيمة. إن هؤلاء، بدل أن يركزوا على تطوير أنفسهم، على وضع خطط لمستقبلهم، أو مجرد النظر في ورقة حياتهم الخاصة، يقحمون أنفسهم في حياة الآخرين، يختلسون اللحظات، يسرقون الفرص، ويتركون أثرًا من السخرية والانتقاد. ومهما حاولوا، يظل شعورهم بالفراغ ملازمًا لهم، لأنه لا شيء يمكن أن يملأ ما لم يُخلق داخليًا، ولا نجاح افتراضي يمكن أن يحل محل عمل حقيقي على الذات. أولئك الذين يحبون أن يكونوا نقاد العالم من وراء الشاشة، بحاجة إلى إعادة اكتشاف حياتهم، بحاجة لأن يخططوا، أن يركزوا على أنفسهم، أن يطوروا مهاراتهم، أن يزرعوا شيئًا حقيقيًا في أيامهم، بدلًا من استنزاف وقتهم في نقد ما لا يملكونه، أو السخرية من ما يحق للآخرين أن يعيشوه. حين ينظرون في ورقتهم الخاصة، ربما يدركون أن الحياة ليست مجرد متابعة حياة الآخرين، بل صناعة الحياة، من خلال اللحظة الحقيقية، والعمل على الذات، والتجربة الواقعية بعيدًا عن الشاشات الافتراضية. إنها دعوة لكل من يقضي يومه في حياة الآخرين، أن يتوقف قليلًا، أن يخرج من دائرة الفراغ، وأن يبدأ يومًا يكتب فيه قصة لنفسه، لا قصة لشخص آخر، قصة يملؤها الإنجاز، والعطاء، والنمو الشخصي، بعيدًا عن النقد والسخرية التي لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *