رئيس التحرير

ابراهيم العمدة يكتب عندما تتحول السلطة من شريك في الحقيقة إلى خصم للكلمة

الثلاثاء 30-12-2025 18:01

لماذا أصبح الحديث عن حرية الصحافة ضرورة لا ترفًا؟

لم يعد الحديث عن حرية الصحافة في عالم اليوم ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسيًا يُرفع عند الحاجة، بل أصبح ضرورة وجودية للدولة الحديثة، وشرطًا أساسيًا لاستقرارها الداخلي واحترامها الخارجي. فالصحافة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، ولا جماعة ضغط تعمل لحسابها الخاص، بل هي أحد الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليها فكرة الدولة نفسها، بوصفها أداة رقابة، ومنصة كشف، ووسيطًا بين السلطة والشعب.
غير أن ما نشهده في الآونة الأخيرة من تصاعد واضح في معاداة الصحافة، سواء عبر الخطاب الرسمي أو التضييق أو التشريعات، يطرح أسئلة خطيرة حول اتجاه الدولة، وحول طبيعة العلاقة التي تريد السلطة ترسيخها مع الإعلام. الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لا تُقرأ فقط في الداخل، بل تُراقب وتُحلل وتُوثق دوليًا، لتتحول إلى صورة ذهنية سلبية تُصدَّر للعالم، عن دولة تُضيّق على الكلمة، وتُجرّم النقد، وتتعامل مع الصحافة باعتبارها خطرًا لا شريكًا.
إن الدفاع عن الصحافة هنا ليس دفاعًا عن أخطاء مهنية، ولا تبريرًا لتجاوزات فردية، بل هو دفاع عن مبدأ دستوري وأخلاقي، وعن حق المجتمع في المعرفة، وحق الدولة نفسها في التصحيح قبل الانهيار.
في الدول الديمقراطية، يُنظر إلى الصحافة باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن القومي الشامل، لا نقيضًا له. فالأمن لا يعني الصمت، والاستقرار لا يعني الإخفاء، والقوة لا تعني القمع. الصحافة الوطنية الحقيقية تكشف الخلل قبل أن يستفحل، وتدق ناقوس الخطر قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات.
لكن المقلق اليوم هو التحول التدريجي في نظرة السلطة إلى الصحافة، من شريك في البناء إلى موضع اشتباه دائم. كل سؤال يصبح تهديدًا، وكل تحقيق يُصنف على أنه تشويه، وكل نقد يُفهم باعتباره تحريضًا. وبهذا المنطق، تُفرغ الصحافة من جوهرها، وتتحول إلى مجرد ناقل بيانات رسمية، لا سلطة رقابية.
هذا التحول لا يضر بالصحافة وحدها، بل يضر بالدولة نفسها، لأن السلطة التي لا تُراقَب تُخطئ أكثر، وتفسد أسرع، وتفقد ثقة شعبها تدريجيًا.
أحد أخطر آثار معاداة الصحافة هو تصدير صورة خارجية شديدة السلبية عن الدولة. ففي عصر الإعلام المفتوح، لم يعد من الممكن إخفاء الوقائع، ولا التحكم الكامل في السردية. كل إجراء ضد صحفي، وكل استدعاء، وكل حبس، وكل منع من التغطية، يتحول خلال ساعات إلى خبر دولي، وتقرير حقوقي، وتقييم جديد في مؤشرات الحريات.
كيف يمكن لدولة أن تتحدث عن الإصلاح، بينما تُضيّق على من ينقل الواقع؟
وكيف تطلب من العالم أن يصدق روايتها، بينما تمنع مواطنيها من طرح الأسئلة؟
إن استعداء الصحافة جريمة سياسية قبل أن تكون خطأ قانونيًا، لأنها تضع الدولة في مواجهة مع الرأي العام العالمي، وتضعف قدرتها على الدفاع عن نفسها.
أصبحت تهمة “نشر أخبار كاذبة” واحدة من أكثر التهم استخدامًا ضد الصحفيين، رغم أنها من أكثر التهم غموضًا، وأقلها تحديدًا. فالخبر الكاذب، وفق المعايير المهنية، هو خبر ثبت عدم صحته بناءً على معلومات موثقة ومتاحة. لكن كيف يمكن الحديث عن “الكذب” في ظل احتكار الدولة للمعلومة؟
الصحفي لا يملك أدوات الدولة، ولا صلاحياتها، ولا أجهزتها. هو يعمل بما يتاح له من مصادر، وتصريحات، ووثائق. فإذا أخطأ، فهناك آليات مهنية وقانونية للتصحيح والمساءلة، لا تبدأ ولا تنتهي بالحبس.
الأخطر من ذلك هو ازدواجية المعايير:
يُحاسَب الصحفي على خبر
بينما لا يُحاسَب المسؤول على تصريح
يُعاقَب الناشر
بينما لا يُسأل صانع القرار
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الجوهري:
من يحاسب الحكومة على كذبها؟
وحين يخرج مسؤول حكومي رفيع، كرئيس الوزراء، ليعلن أمام البرلمان أن الدولة ستصل إلى الاكتفاء الذاتي من الغاز في عام محدد، بل وستتحول إلى مصدر رئيسي، ثم تمر السنوات دون تحقق هذه الوعود، فإننا أمام معلومة غير صحيحة، أو على الأقل تصريح مضلل، لكن: هل يُستدعى المسؤول؟
هل يُحقق معه؟
هل يُسأل عن دقة تصريحه؟
الإجابة معروفة.
بل الأكثر تناقضًا أن المسؤول نفسه قد يتحدث عن حرية الصحافة وحقها في النقد، بينما تُتخذ بعد تصريحاته مباشرة إجراءات ضد صحفيين وكتاب، أو تُفرض قيود جديدة على التغطية، أو يُمنع الإعلاميون من دخول دواوين المحافظات.
هذه التناقضات لا تمر دون أثر، لأنها تضرب مصداقية الخطاب الرسمي في مقتل، وتجعل المواطن يشكك في كل ما يُقال.
لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث الجاد عن محاربة الأخبار الكاذبة دون وجود قانون واضح وملزم لتداول المعلومات. فهذا القانون هو الأساس الذي تُبنى عليه الشفافية، وتُقاس به المسؤولية.
غياب هذا القانون يعني أن الحكومة تملك المعلومة وتمنعها عن الصحفي ثم تعاقبه لأنه لم يحصل عليها وهذا منطق معكوس، وظلم صريح.
الصحافة تطالب بقانون تداول المعلومات منذ سنوات، ليس من باب التحدي، بل من باب الحماية، حماية للصحفي من الاتهام، وحماية للحكومة من الشائعات، حماية للمجتمع من التضليل
وفي غياب هذا القانون، فإن أي محاسبة للصحفي تصبح فاقدة للعدالة.
قانون الصحافة يتضمن بالفعل مواد واضحة تتيح:
تصحيح الخبر
نشر الرد
إلزام الجريدة بمساحة أكبر للتصحيح
وهذه أدوات حضارية، تحترم المهنة، وتحافظ على كرامة الدولة.
فلماذا يتم تجاوز هذه المواد، واللجوء مباشرة إلى الحبس والاستدعاء الأمني؟
ولماذا يتم تجاهل المطالبات الدولية المتكررة بعدم حبس الصحفيين؟
الغريب أنه يُروج أحيانًا لفكرة أن حرية الصحافة تتعارض مع أمن الدولة، وهي فكرة ثبت بطلانها تاريخيًا. فالدول التي انهارت لم تنهَر بسبب الصحافة
الدفاع عن حرية الصحافة ليس عداءً للسلطة، بل هو دفاع عن الدولة ذاتها. الدولة القوية لا تخاف من النقد، ولا تسجن الصحفي، ولا تُجرّم السؤال.
معاداة الصحافة طريق قصير إلى عزلة الدولة، وفقدان الثقة، وتآكل الشرعية.
أما احترامها، فهو استثمار طويل الأمد في الاستقرار، والسمعة، والمستقبل.
فالصحافة ليست العدو…
العدو هو الصمت.
وللحديث بقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *