الكاتب الاردنى إبراهيم أبو عواد يكتب : معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر
الإثنين 02-02-2026 16:42
الاردن بقلم : إبراهيم أبو عواد
لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية ، ومَنظومةٌ لفهمِ
صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها . وفي الأدب ، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ
الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى .
في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير ، وَهُوَ حالةٌ
مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة . الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936_ 1972 ) لَمْ يَكُنْ
يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي ، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ
نَفْسِه . ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ ،
وتَبحثُ عَن العَدالة .
لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ . فالأماكنُ
المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها ، والأسماءُ التي تتلاشى ، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز ، بَلْ هِيَ
عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ ، وتَشَظِّي هُوِيَّته . والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا
فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ .
إنَّه تاريخٌ يَنْزِف ، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي .
على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي ، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر ( 1897 _
1962 ) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية ، مُحاولًا فهم أثر
العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية .
في أعماله ، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها
الحِكاياتُ الفرديةُ والجَمَاعِيَّة . التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ والذاكراتِ
المُتقاطعة ، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ الأخلاقي والاجتماعي .
يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية : تَعَدُّد الأصوات ،
الانسياب الحُر للوَعْي ، التداخل بين الماضي والحاضر . هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة
التاريخ بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه ، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا مَوضوعيًّا ، بَلْ
حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ . حياة تُعبِّر عن التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع .
مِثْل كنفاني ، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ مَلحمةً إنسانية ، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ ،
والتَّحليلِ الاجتماعيِّ العميق .
رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ بَيْنَ كنفاني وفوكنر ، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في
تعاملهما معَ التاريخ :
1_ التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي : في كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة ،
التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط ، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع
.
2_ التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة : كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون
بالعاطفة ، بَينما فوكنر يَستخدم أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ ، لكنَّ النتيجة
واحدة : جَعْل القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ .
3_ الهُوِيَّة والانتماء : في نُصوصِ الكاتبَيْن ، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة ، وهذا يُشكِّل الفردَ
، ويُحدِّد عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه .
أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في المَنَاخِ الثقافي والسياسي . كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه
أداةَ مُقَاوَمَةٍ وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم ، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي لِصِراعاتِ
الإنسانِ معَ نَفْسِه ، ومعَ الآخَرين ، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ والانعزالِ .
مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق ، بَلْ هُوَ تَجْرِبة
إنسانية وَوِجْدَانية وفِكْرية . كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ ، ويَجْعله مَحفورًا في
وِجْدانِ القارئ.
كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية ، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى
نَفْسي واجتماعي يُضيء التناقضاتِ الإنسانية . والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ أحداثًا
عابرة ، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ ، وذاكرةُ الشعب ، وجُروحُ الزمنِ التي لا تلتئم .
والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان ، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ
بالتاريخ كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة . فوكنر في جنوبِ الولايات
المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية ، وكنفاني في فِلَسْطين بعد النَّكْبَة ، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى
على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ .
يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية ، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ
المُهَجَّرِين واللاجئين ، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية ، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ
والفِقْدانِ القَسْرِيِّ .
وفي رِواياتِ فوكنر ، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات في
ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ والحربِ الأهلية .
وَيَربطُ بَيْنَ الكاتبَيْن إدراك أنَّ التاريخ لَيْسَ مُجرَّد خَلْفية للأحداث ، بَلْ قُوَّة حَيَّة تُشكِّل
الوَعْيَ، وَتَفْرِض على الأفرادِ والشُّعوبِ مُوَاجَهَتَه،وإعادة رِوايته بشكلٍ يُوازن بَيْنَ الواقعِ
والذاكرةِ، بَيْنَ الألمِ والبحثِ عَن المَعْنى.


اترك تعليقاً