عبدالباسط خليل يكتب : المغترب… بين حنين الشوق ومرار الغربة التي لا يراها أحد
الأربعاء 11-02-2026 17:18
بقلم: عبدالباسط خليل
في كل مدينة تعجّ بالضوء، وفي كل شارع يعبره الغرباء،
هناك مغترب يمشي بخطواتٍ مثقَلة، ويبتسم للعالم بينما يحمل في داخله وطناً كاملاً.
المغترب ليس مجرد شخص يعيش خارج حدود بلاده؛ بل هو قلبٌ معلّق بين مكانين، وروحٌ تتكسّر في منتصف الطريق، تبحث عن دفء تشبهه ولا تجده.
الغربة ليست سفراً، ولا مغامرة كما يظن البعض؛ إنها امتحان يومي للقدرة على التحمل، ودرس قاسٍ في الصبر.
المغترب يستيقظ كل صباح على صوت مُفتعَل للقوة، يضعه مثل قناع، يخفي خلفه مرارة لا يعرف مذاقها سواه. فبين زحمة العمل وركض الأيام، هناك لحظة صامتة تستيقظ فجأة، لحظة يجرّه فيها الشوق بقوة إلى ذكرياتٍ كان يتمنى لو أنها لا تكبر كلما ابتعد.
هو يشتاق لرائحة بيت، لضحكة أمّ، لظلّ أبٍ ينتظر، لحكاية مساءٍ على مقاعد العائلة… يشتاق حتى للأشياء الصغيرة التي لم يكن يلتفت إليها يوماً، كصوت بائع الحيّ، وموعد القهوة مع صديق يعرف صمته قبل كلامه. وفي الخارج، يقف في شرفة غرفته البعيدة، ينظر إلى السماء، يحاول أن يقنع نفسه بأن المسافات مجرّد أرقام، بينما يعرف في داخله أن القلب لا يعترف بهذه المسافات.
ما لا يراه العالم هو أن المغترب يعيش وحده حروباً صامتة. يتظاهر بالقوة كي لا يقلق أهله، يخفي تعبه كي لا يقال إنه لم يتحمّل، يبتلع خوفه كي لا يسمع كلمات العتاب. كلما تحدّث عبر الهاتف، يبدأ حديثه بعبارة: «أنا بخير»، رغم أن الحقيقة غالباً عكس ذلك. هو لا يريد أن يثقل على من يحب، ولا يريد أن يعرف أحد كم مرة بكى وهو يطفئ أنوار غرفته، أو كم ليلة نام على وسادة باردة لا يسمعها أحد.
الغربة تُربّيه… لكنها أيضاً تُتعبه. تعطيه فرصاً، لكنها تسلب منه دفئاً. تجعله أقوى، لكنها تكسر شيئاً داخله كلما طال الانتظار.
ومع ذلك، يبقى المغترب صابراً. يمضي أيامه على أمل لقاء، أو إجازة قصيرة، أو حتى رسالة تحمل صوتاً اشتاق إليه. يعيش على ذكريات يصقلها الحنين، وعلى مستقبل يتمنى أن يجمعه بمن يحب. إنه رجلٌ أو امرأةٌ يواصلان الطريق رغم كل شيء، يبتسمان رغم الألم، فقط لأنهما يؤمنان أن الغربة مهما طال زمنها… فإن للعودة يوماً طعماً يشبه النجاة.
هكذا هو المغترب:
قلبٌ يُقاتل بصمت، وحنينٌ لا يهدأ، ومرارةٌ لا يشعر بها أحد… إلا هو.


اترك تعليقاً