خالد صالح يكتب : في عصر الذكاء الاصطناعي.. الشائعة لم تعد كذبة بل صناعة
الخميس 12-02-2026 14:20
– لم تعد الشائعة ذلك الخبر المجهول الذي ينتقل همسًا بين الناس، بل تحولت في عصر الذكاء الاصطناعي إلى صناعة متكاملة، مدعومة بخوارزميات قادرة على إنتاج الأكاذيب بسرعة الضوء، وبجودة تضاهي الحقيقة نفسها. نحن لا نعيش فقط زمن “المعلومة السريعة”، بل زمن “المعلومة المصنّعة”.
الذكاء الاصطناعي، الذي وُلد ليخدم الإنسان ويطور أدواته، أصبح في الوقت ذاته سلاحًا مزدوج الحدين. فمن خلال تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، يمكن اليوم إنتاج فيديو لطبيب مشهور يوصي بعلاج لم يتحدث عنه قط، أو لرجل دولة يدلي بتصريح لم يقله أبدًا. ملايين يشاهدون، آلاف يصدقون، والحقيقة تقف عاجزة في طابور التصحيح.
في إحدى الوقائع الصادمة، انتشرت مقاطع مصورة لأطباء حقيقيين يروجون لمنتجات طبية مشبوهة. لاحقًا تبيّن أن تلك الفيديوهات مزيفة بالكامل، صُممت عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أعادت تشكيل ملامحهم وأصواتهم بدقة مخيفة. الخطر هنا لم يكن في الفيديو ذاته، بل في الثقة التي بُنيت عليه.
ولم تتوقف المسألة عند حدود الصورة، بل امتدت إلى الصوت. عمليات احتيال حديثة اعتمدت على استنساخ أصوات أشخاص حقيقيين لإقناع ذويهم بتحويل أموال عاجلة. صوت مألوف، نبرة قريبة، وطلب مستعجل. دقائق قليلة كانت كافية لتبخر مدخرات سنوات. هنا لم تعد الشائعة مجرد معلومة خاطئة، بل أصبحت جريمة مدعومة بتقنية فائقة الذكاء.
حتى عالم “المؤثرين” لم يسلم من هذا التحول. ظهرت حسابات لشخصيات جذابة تحصد مئات الآلاف من المتابعين، قبل أن يتضح أن أصحابها غير موجودين أصلًا، وأن صورهم وحياتهم اليومية صُنعت بالكامل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي. جمهور يتفاعل مع وهم، وثقة تُمنح لكيان افتراضي لا وجود له.
الأخطر من ذلك أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في البحث وتلخيص الأخبار قدمت معلومات غير دقيقة بصيغة واثقة وحاسمة، ما يمنح الخطأ هالة من المصداقية. عندما تُعرض المعلومة المضللة بلغة علمية هادئة، تصبح أكثر إقناعًا من الحقيقة المترددة.
لماذا أصبحت الشائعة أكثر خطورة الآن؟
لأنها اكتسبت ثلاث خصائص جديدة: السرعة الفائقة في الإنتاج، والقدرة العالية على الإقناع البصري والسمعي، وإمكانية الاستهداف الدقيق للفئات الأكثر قابلية للتأثر. لم تعد الشائعة عشوائية، بل باتت موجهة ومدروسة.
نحن أمام أزمة ثقة حقيقية. فمع كل صورة مزيفة، وكل تصريح مفبرك، تتآكل طبقة جديدة من الثقة العامة. الثقة في الإعلام، في المؤسسات، بل وحتى في أعيننا وآذاننا. وإذا كان الماضي قد عرف “حروب المعلومات”، فإن الحاضر يشهد “حروب الإدراك”.
غير أن المواجهة لا تكون برفض التكنولوجيا أو الخوف منها، بل بتطويعها لصالح الحقيقة. تطوير أدوات لكشف التزييف، سنّ تشريعات رادعة ضد الاستخدام الخبيث، وتعزيز الثقافة الرقمية لدى المواطنين، كلها خطوات ضرورية في معركة الوعي.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا، لكنه قوة تحتاج إلى ضابط أخلاقي وتشريعي. أما الشائعة، فقد وجدت في هذه القوة بيئة خصبة لتتضخم وتتمدد. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل نملك من الوعي ما يكفي لنميّز الحقيقة وسط هذا الضجيج الرقمي؟
أم سنترك الخوارزميات تعيد كتابة واقعنا كما تشاء؟


اترك تعليقاً