رئيس التحرير

من يملك مفاتيح الإنصاف .. القانون أم العدالة ؟ “قراءة نقدية في مسلسل “عين سحرية” لعصام التيجي

الإثنين 09-03-2026 15:04

بقلم / عصام التيجي

منذ أن عرف الإنسان فكرة المجتمع وهو يبحث عن إجابة لسؤال قديم يتجدد في كل عصر : من يملك مفاتيح الإنصاف ؟
هل هو القانون بنصوصه الجامدة التي تضبط حركة المجتمع ، أم العدالة بروحها الإنسانية التي تتجاوز حدود النص ؟
هذا السؤال الفلسفي العميق يعود ليطل علينا بقوة من خلال مسلسل “عين سحرية” ، الذي يطرح القضية في قالب درامي مشوق يلامس الواقع ، ويكشف مناطق شديدة التعقيد في العلاقة بين الحق والقانون .

المسلسل لا يكتفي بسرد حكاية تقليدية عن صراع الخير والشر ، بل يتوغل في منطقة رمادية حساسة ؛ تلك المنطقة التي قد يتحول فيها القانون إلى أداة في يد من يعرف كيف يلتف حول نصوصه .
فكم من مظلوم ضاع حقه لأن النص لم يسعفه ، وكم من ظالم أفلت من العقاب لأنه أتقن اللعب داخل ثغرات القانون .

وهنا يطرح العمل سؤاله الجوهري : هل كل ما هو قانوني عادل بالضرورة؟
في «عين سحرية» نرى نماذج بشرية تدرك جيدًا أن القانون ليس دائمًا مرادفًا للعدالة ، وأن من يمتلك الذكاء والدهاء قد يستخدمه لتحقيق ما يريد ، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة .

هذه الفكرة تفتح بابًا واسعًا للتأمل ؛ فالقانون في النهاية منظومة وضعها البشر ، بكل ما فيهم من نقص واحتمال الخطأ ، بينما العدالة قيمة أسمى تسعى القوانين إلى الاقتراب منها ، لكنها لا تبلغها دائمًا .

ومن هنا يبرز السؤال الأكبر : هل العدالة سماوية فقط؟
هناك من يؤمن بأن العدالة الكاملة لا تتحقق إلا في السماء ، حيث الحساب المطلق الذي لا يفلت منه أحد ، لكن التاريخ الإنساني يؤكد أيضًا أن الإنسان لم يتوقف عن محاولة تحقيق قدر من العدالة على الأرض عبر القوانين والمحاكم والمؤسسات .
غير أن هذه المحاولات تظل اجتهادات بشرية قابلة للقصور ، وهو ما يعكسه المسلسل بذكاء حين يُظهر كيف يمكن للحقيقة أن تضيع بين النصوص ، وكيف يمكن للضمير أحيانًا أن يكون أعلى من القانون .

ومن التفاصيل اللافتة في البناء الدرامي لمسلسل “عين سحرية” ذلك الاستخدام الواعي لدلالة الأسماء ، وكأن صناع العمل أرادوا أن يجعلوا الاسم مفتاحًا أوليًا لفهم الشخصية قبل أن تنطق أو تتحرك داخل الحدث .
فاسم “عادل” ، البطل المكلوم الذي جسد شخصيته الفنان الشاب عصام عمر ، ليس مجرد اختيار عابر ، بل إحالة رمزية إلى فكرة العدالة ذاتها التي يبحث عنها في تفاصيل حياته .


إنه إنسان يسير داخل عالم يبدو فيه ميزان العدالة مختلًا ، فيتحول حضوره في الحكاية إلى رحلة دائمة لاستعادة هذا التوازن المفقود .
أما شخصية “زكي” التي يقدمها الفنان باسم سمرة ، فيحمل الاسم في جذره معنى الذكاء والفطنة ، وهو ما يتجلى في طبيعة الشخصية التي تتحرك بعقل يقظ وقدرة على قراءة الخيوط الخفية للأحداث .
وكأن العمل يلمح منذ البداية إلى أن معركة العدالة لا تحتاج فقط إلى النوايا الطيبة ، بل إلى ذكاء قادر على كشف الحيل التي يتلاعب بها البعض بالقانون .

ولا يقف البعد الرمزي في العمل عند حدود الأسماء فقط ، بل يمتد إلى بنية السرد نفسها ، فالمسلسل يعتمد على لعبة كشف الحقيقة تدريجيًا ، حيث تتكشّف الوقائع طبقة بعد أخرى ، وكأن المشاهد يستخدم بالفعل “عينًا سحرية” يرى من خلالها ما لا يراه الآخرون .
هذا البناء السردي يعكس فكرة جوهرية مفادها أن الحقيقة في عالم البشر ليست دائمًا واضحة أو مباشرة ، بل تحتاج إلى صبر ووعي وقدرة على قراءة ما وراء الظاهر .

وإذا كان مضمون العمل يحمل هذا العمق الفكري ، فإن تنفيذه الفني جاء على قدر الفكرة ، فقد برزت في المسلسل عبقرية الأداء التمثيلي ، حيث استطاع الممثلون تقديم شخصيات مركبة لا تسير في خط مستقيم بين الخير والشر ، بل تتأرجح بينهما كما يفعل البشر في الواقع ، جاء الأداء صادقًا ومشحونًا بالتوتر الداخلي ، وهو ما منح الشخصيات بعدًا إنسانيًا بعيدًا عن النمطية المعتادة .

أما على مستوى الإخراج ، فقد بدا واضحًا الحس البصري للمخرج السوري السدير مسعود في توظيف الكادرات وزوايا التصوير ، فالكاميرا لم تكن مجرد أداة تسجيل ، بل عنصرًا دراميًا يشارك في الحكي ، بعض اللقطات الضيقة عكست حالة الاختناق النفسي للشخصيات ، بينما جاءت الكادرات الواسعة لتكشف اتساع الصراع وتشعبه .
كما لعب الضوء والظل دورًا مهمًا في ترسيخ الإحساس بالغموض ، وكأن العمل يهمس للمشاهد بأن الحقيقة نفسها ليست دائمًا كاملة الوضوح .
كما ساهم الإيقاع الدرامي المتوازن في الحفاظ على تشويق المشاهد دون أن يفقد العمل عمقه الفكري .

فالمسلسل لا يفرض إجابات جاهزة ، بل يطرح الأسئلة ويترك للمشاهد مساحة للتفكير : هل نثق في القانون وحده ؟ أم أن العدالة الحقيقية تحتاج إلى ضمير إنساني يقف خلف النصوص ؟

في النهاية ينجح “عين سحرية” في تذكيرنا بحقيقة بسيطة لكنها عميقة : القانون قد ينظم الحياة ، لكنه لا يضمن العدالة دائمًا .
فالإنصاف الحقيقي لا يسكن النصوص وحدها ، بل يولد حين يلتقي نص القانون بروح العدالة .
وبين ما تكتبه القوانين وما يمليه الضمير يظل السؤال مفتوحًا :
من يملك مفاتيح الإنصاف حقًا .. القانون أم العدالة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *