رئيس التحرير

ناصر عبدالحفيظ يكتب مصر بين المحبة والذاكرة في ضوء رد إيران على الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي

الثلاثاء 10-03-2026 15:36

في الوجدان المصري مساحة واسعة للمحبة، ومساحة أخرى لا تقل اتساعًا للذاكرة.

فالمصريون شعب يعرف كيف يفرّق بين من تجمعه بهم روابط الأخوة والتاريخ، وبين من حمل معهم صفحات الصراع والدماء.

المصريون يحبون أهل الخليج. هذه ليست عبارة مجاملة عابرة، بل حقيقة صنعتها عقود طويلة من العلاقات الإنسانية والاقتصادية والسياسية، حيث وقف العرب إلى جوار بعضهم في أوقات الشدة قبل الرخاء. وفي الذاكرة المصرية صور كثيرة من التضامن والمواقف المشتركة التي نسجت خيطًا قويًا من الأخوة العربية.

وفي القلب المصري أيضًا مكانة خاصة لآل البيت، تلك المكانة التي لا تحتاج إلى شرح طويل، فهي متجذرة في الثقافة والروح المصرية منذ قرون. ومن بين هذه الصفحات المضيئة، ما يُروى عن دعاء السيدة زينب بنت علي لأهل مصر حين قالت:
“يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، جعل الله لكم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا.”

تلك الكلمات لم تكن مجرد دعاء عابر، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الروحية للمصريين، يرددها الناس باعتبارها رمزًا للعلاقة القديمة بين مصر وآل البيت، وعلامة على وفاء شعبٍ عُرف تاريخيًا بحسن الاستقبال وكرم المأوى.

لكن الذاكرة المصرية لا تحتفظ فقط بالمحبة، بل تحتفظ أيضًا بصفحات الصراع. فالتاريخ الحديث شهد حروبًا قاسية بين مصر و*إسرائيل*، كان أبرزها حرب 1948، ثم حرب 1967، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973 التي خاضها الجيش المصري دفاعًا عن الأرض والكرامة.

هذه الحروب تركت أثرًا عميقًا في الوجدان الوطني، وسقط فيها آلاف الشهداء، لذلك بقيت جزءًا من الذاكرة الجمعية للمصريين، لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها كأنها مجرد سطور في كتاب التاريخ.

وفي خضم التوترات التي تشهدها المنطقة اليوم، ومع الحديث عن ردود إقليمية على ما يوصف بالاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية، تعود إلى الواجهة دعوات العقل والحكمة. فقد شدد فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب في أكثر من مناسبة على أن الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة لا ينبغي أن يتحول إلى صراع يمزق الأمة، بل يجب أن يكون دافعًا للتقارب والتفاهم، لأن التحديات الكبرى التي تواجه العالم الإسلامي تفرض قدرًا أكبر من الوحدة والتضامن.

وفي هذا السياق أيضًا جاءت تهنئة جلالة السلطان هيثم بن طارق للقيادة الجديدة في إيران، وهي خطوة دبلوماسية تعكس نهجًا معروفًا عن سلطنة عُمان يقوم على التهدئة وبناء الجسور والحوار، في منطقة تحتاج إلى الحكمة بقدر حاجتها إلى القوة.

مثل هذه الإشارات تفتح نافذة أمل بأن المنطقة، رغم كل ما تمر به من أزمات وصراعات، ما زالت قادرة على البحث عن مسارات التفاهم بدل الانقسام، والتقارب بدل التناحر.

لهذا يعرف المصريون كيف يضعون الأمور في مواضعها.
فالمحبة للأشقاء، والوفاء لآل البيت، واحترام التاريخ… كلها قيم راسخة في الضمير المصري.
وفي الوقت نفسه، تبقى الذاكرة حاضرة بما حملته من تضحيات ومعارك، لأن الأمم التي تنسى تاريخها تفقد قدرتها على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.

هكذا تقف مصر دائمًا بين قلبٍ يتسع للمحبة، وذاكرةٍ لا تنسى ما كُتب فيها من دروس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *