رئيس التحرير

خالد صالح يكتب : هل تغيّر الزمن أم تغيّر إحساسنا به؟!… الدقيقة بين الأمس واليوم… هل أصبحت أقل من 60 ثانية؟!

السبت 14-03-2026 20:29

في زمنٍ ليس ببعيد، كانت الدقيقة تبدو طويلة بما يكفي لقراءة صفحة، أو كتابة رسالة، أو حتى تأمل مشهد غروب الشمس. اليوم، تمر الدقيقة وكأنها ومضة برق. هذا الشعور المتزايد لدى ملايين البشر دفع كثيرين إلى التساؤل: هل تغيّر الزمن فعلًا؟ وهل أصبحت الدقيقة أقل من ستين ثانية كما يعتقد البعض؟

الحقيقة العلمية الصارمة تقول إن الدقيقة ما زالت تساوي 60 ثانية تمامًا وفق النظام الدولي للقياس. فالثانية نفسها تُعرَّف بدقة بالغة اعتمادًا على تذبذب ذرة السيزيوم في الساعات الذرية، وهي واحدة من أكثر القياسات ثباتًا في العلم الحديث. بمعنى آخر، الزمن الفيزيائي لم يتغير.

– لكن المفارقة أن إحساس الإنسان بالزمن تغيّر جذريًا…

– تسارع الإيقاع الإنساني:

في الماضي، كان إيقاع الحياة أبطأ بكثير. كانت الأخبار تنتقل عبر الصحف في اليوم التالي، والرسائل قد تستغرق أيامًا أو أسابيع. أما اليوم، فالعالم يعيش في زمن الثانية الرقمية؛ حيث تصل الأخبار خلال لحظات عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي…

هذا التسارع الهائل في تدفق المعلومات جعل الدماغ البشري يتعرض لكمٍّ من المحفزات لم يسبق له مثيل في التاريخ. ووفق دراسات في علم الأعصاب وعلم النفس الإدراكي، كلما زادت كمية المعلومات التي يستقبلها الدماغ في وقت قصير، شعر الإنسان بأن الزمن يمر أسرع…

– نظرية “تسارع الزمن النفسي”:

يؤكد علماء النفس أن الإحساس بالزمن مرتبط بالتجربة الذهنية. عندما يعيش الإنسان أحداثًا متكررة وروتينية، يشعر بأن الوقت يمر بسرعة. أما عندما يواجه تجارب جديدة ومختلفة، فيبدو الزمن أطول.
ولهذا يبدو الطفل وكأنه يعيش يومًا طويلًا مليئًا بالتفاصيل، بينما يشعر البالغ أن الأيام تمر بسرعة مذهلة…

– التكنولوجيا.. العامل الخفي:

مع انتشار الهواتف الذكية والإنترنت، أصبح الإنسان يقسم الدقيقة الواحدة بين عدة مهام: رسالة، إشعار، خبر عاجل، مكالمة، فيديو وفيديو قصير. هذا التشظي في الانتباه يجعل الدماغ يعالج عشرات الأحداث في لحظة واحدة، فينشأ إحساس بأن الوقت يتسارع بشكل غير مسبوق…

– هل يمكن أن يتغير الزمن فعلاً؟

من الناحية الفيزيائية، تشير نظريات مثل النسبية إلى أن الزمن يمكن أن يتمدد أو يتباطأ في ظروف معينة، مثل السرعات العالية جدًا أو قرب الأجسام ذات الجاذبية الهائلة. لكن هذه الظواهر لا تؤثر على حياتنا اليومية، ولا تجعل الدقيقة على الأرض أقل من ستين ثانية…

الحقيقة بين العلم والإحساس
إذن، الدقيقة لم تتغير، لكن العالم حولنا تغيّر بشكل جذري.
فالزمن نفسه ثابت، لكن إيقاع الحياة أصبح أسرع، ووتيرة الأحداث أصبحت أكثر كثافة، والعقل البشري يجد نفسه في سباق دائم مع سيل لا ينتهي من المعلومات…

ربما لهذا السبب نشعر جميعًا بأن الدقيقة لم تعد كما كانت.
إنها ما زالت ستين ثانية…
لكنها ستون ثانية في عالم يركض بلا توقف…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *