رئيس التحرير

خالد صالح يكتب :في حضرة الغياب… أمي التي لم ترحل …

الأحد 15-03-2026 19:47

هناك لحظات في حياة الإنسان يظن فيها أن الكون كله سيتوقف… أن الزمن سيُطفئ أنفاسه احترامًا للفاجعة. لحظات يعتقد فيها أن العالم لن يجرؤ على الاستمرار بعد أن يغيب أهم شخص فيه.

هكذا شعرت يوم رحلت أمي.

كنت بعيدًا عنها… بعيدًا إلى الحد الذي يجعل القلب يركض أسرع من الطائرات، ويجعل الخوف يسبقك إلى الطريق.

الخوف من فكرة واحدة كانت تطاردني بلا رحمة:

ماذا لو لم ألحقها؟

ماذا لو أُغلِق المشهد الأخير من حياتها قبل أن أصل؟

في تلك الساعات كان العالم يمضي في طريقه كأن شيئًا لم يحدث.

الناس يمشون… السيارات تتحرك… الحياة تستمر.

لكن داخلي كان شيء آخر يحدث… كان عالم كامل ينهار في صمت.

كنت أظن أن الحياة ستتوقف عند لحظة رحيلها.

لكن الحقيقة القاسية أن الحياة لا تتوقف لأحد… حتى للأمهات.

عندما وصلت… كان البيت غارقًا في صمت ثقيل.

صمت يشبه الغروب حين ينسحب الضوء من السماء دون ضجيج.

دخلت الغرفة التي ترقد فيها… بخطوات مترددة، وقلب لا يعرف كيف يتحمل المشهد.

كانت أمي هناك… ساكنة كأنها قطعة من السلام.

وجهها هادئ… كأنها انتهت للتو من رحلة طويلة من التعب.

اقتربت منها ببطء… وأنا أحمل داخلي خوفًا وحنينًا وكسرة لا توصف.

وفي تلك اللحظة… حدث شيء لن أنساه ما حييت.

ما إن دخلت…

حتى فتحت أمي عينيها.

نعم… فتحت عينيها لتراني.

لحظة قصيرة… ربما لم تتجاوز ثواني، لكنها كانت عمرًا كاملًا.

نظرة واحدة منها بددت كل المسافات التي كانت بيننا… وكأنها كانت تنتظرني.

كأن قلب الأم حتى بعد الرحيل يعرف موعد وصول ابنها.

لا أعرف كيف يمكن تفسير تلك اللحظة.

هل كانت معجزة صغيرة؟

أم وداعًا أخيرًا؟

أم رسالة من أمٍ أرادت أن تقول لابنها:

“كنت أنتظرك.”

في تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أفهمه طوال حياتي…

الأم لا ترحل.

قد يغيب الجسد… لكن حضورها يبقى في تفاصيل لا تُحصى:

في الدعاء الذي كانت تردده،

في الكلمات التي كانت تقولها،

في الخوف الذي كانت تخبئه خلف ابتسامة مطمئنة.

الأم لا تختفي من العالم…

بل تنتقل لتسكن داخل أبنائها.

تمر السنوات… ويأتي 21 مارس كل عام، ويحتفل العالم بعيد الأم.

ترتفع الورود… وتُكتب الرسائل… وتُقال الكلمات الجميلة.

أما أنا… فأحتفل بطريقة مختلفة.

أقف أمام ذكراها، وأتذكر تلك اللحظة التي فتحت فيها عينيها لتراني، وكأنها كانت تقول لي:

“لا تخف… أنا هنا.”

من يفقد أمه يكتشف أن الحنان ليس كلمة… بل وطن كامل.

وأن هذا الوطن، حين يرحل، يترك في القلب فراغًا لا تملؤه مدن العالم كلها.

لكن العزاء الوحيد… أن الأم لا تموت في ذاكرة أبنائها.

هي فقط تتحول إلى دعاء…

إلى دمعة…

إلى نور خفي يرافقك كلما أظلمت الحياة.

وفي عيد الأم…

لا أملك وردة أضعها في يدها،

لكنني أملك دعاءً يصل إلى السماء.

رحمكِ الله يا أمي…

لقد ظننت أن العالم سيتوقف بعدك،

لكنني اكتشفت أن العالم استمر…

لأنك تركت في قلبي ما يكفي من الحب لأعيش…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *