تحليل سياسي: غزة بين سندان “السيطرة الأمنية” ومطرقة “إعادة الإعمار المشروط”
الأحد 28-12-2025 14:50
بقلم: د. أحلام أبو السعود سفيرة الإعلام العربي والباحثة في الشؤون الفلسطينية
تأتي تصريحات الوزير الإسرائيلي “أوفير سوفير” لتضع النقاط على الحروف فيما يخص الرؤية اليمينية الإسرائيلية لمستقبل قطاع غزة، وهي رؤية لا تقف عند حدود “النصر العسكري”، بل تتجاوزها إلى إعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا في القطاع.
1. استراتيجية “التقليص والجراحة”: غزة كمنطقة معزولة
إشارة الوزير إلى تركز السكان في منطقة “صغيرة ومعزولة” تعكس نجاحاً ميدانياً لخطة إسرائيلية تهدف إلى تحويل غزة من “كيان جغرافي متصل” إلى “جيوب سكانية” يسهل التحكم بها أمنياً.
تفتيت المساحة: السيطرة على أكثر من 50% إلى 58% من مساحة القطاع (بما يشمل محور فيلادلفيا، محور نتساريم، والمناطق العازلة) تعني أن إسرائيل لم تعد تحاصر غزة من الخارج فحسب، بل باتت تديرها من “الداخل العملياتي”.
النموذج الجديد: نحن ننتقل من نموذج “الانسحاب أحادي الجانب” (2005) إلى نموذج “السيطرة الأمنية النشطة” (نموذج الضفة الغربية “ب” و “ج” مطوراً بصيغة غزة).
2. “المعادلة الترامبية”: نزع السلاح مقابل الرغيف
يتضح من حديث سوفير أن الحكومة الإسرائيلية تجد في إدارة “دونالد ترامب” شريكاً مثالياً لتمرير “المعادلة الصعبة”: لا إعمار دون نزع سلاح كامل وتفكيك حماس كلياً.
الشرعية الدولية المكتسبة: تصوير الموقف الأمريكي الحالي كـ”أقوى شرعية” يعكس انسجاماً تاماً بين رؤية البيت الأبيض (خطة ترامب المكونة من 20 بنداً) ورغبة اليمين الإسرائيلي في فرض استسلام سياسي عبر البوابة الإنسانية.
مصير الإعمار: سيظل “الركام” هو المشهد السائد في غزة لفترة طويلة؛ لأن نزع السلاح -بمفهومه الإسرائيلي الشامل- عملية قد تستغرق سنوات من المداهمات “الجراحية” المستمرة.
3. ما الذي ينتظر غزة سياسياً؟ (السيناريوهات القادمة)
بناءً على المعطيات التي ذكرها الوزير وسياق الأحداث في نهاية 2025، يمكن استشراف الآتي:
المسار التوصيف السياسي والميداني
الإدارة المدنية استمرار رفض إسرائيل لعودة السلطة الفلسطينية بصيغتها القديمة، والبحث عن “لجان تكنوقراط” أو “إدارة مدنية إسرائيلية” مقنعة محلياً لإدارة شؤون السكان.
الوضع الأمني غزة ستكون منطقة “منزوعة السلاح” فعلياً بقوة السلاح، مع بقاء الجيش الإسرائيلي في محاور استراتيجية تقسم القطاع إلى قسمين (شمال وجنوب) بشكل دائم.
التهجير الصامت حشر السكان في مساحات ضيقة مع تدمير البنية التحتية في الـ 50% الباقية يمثل ضغطاً “ناعماً” للدفع نحو الهجرة الطوعية لمن استطاع إليها سبيلاً.
الخلاصة
إن حديث سوفير للقناة 14 ليس مجرد استعراض قوة، بل هو إعلان عن “الواقع الجديد” (The New Normal)؛ حيث لم تعد إسرائيل تبحث عن “هدنة” أو “اتفاق تبادل” كغاية نهائية، بل تبحث عن تغيير هوية القطاع الجيوسياسية. غزة القادمة -وفق هذا المنظور- هي “منطقة أمنية إسرائيلية” يسكنها فلسطينيون بضمانات دولية، تحت رقابة تكنولوجية وعسكرية لا تغيب عنها الشمس.
ملاحظة ختامية: إن الرهان الإسرائيلي على “الشرعية الدولية” و”قوة ترامب” قد يصطدم بصمود ميداني أو تحولات إقليمية غير متوقعة، لكن من الناحية “البراغماتية”، غزة اليوم تواجه أصعب اختبار لكيانيتها السياسية منذ عام 1948.
د. أحلام محمد أبو السعود
غزة /فلسطين 🇵🇸

