رئيس التحرير

الدكتورة منى حنا عياد تكتب : فى معرض القاهره الدولى للكتاب :

الثلاثاء 03-02-2026 16:20

بقلم دكتورة / منى حنا عياد 

الزحام فى معرض القاهره الدولى للكتاب لم تكن مجرد طوابير، بل كانت زحفاً مقدساً نحو المعرفة، حيث تلاحمت الأجساد وتسابقت الأقدام في مشهد مهيب، أثبت أن العقل المصري لا يزال يرى في الكتاب خير جليس، مهما بلغت سطوة “التريند” أو بريق المحتوى الرقمي السريع. تلك الصور المبهجة التي تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي لآلاف المواطنين، وهم يفترشون طرقات معرض القاهرة الدولي للكتاب، ويتراصون في طوابير عديدة وقت الصلاة، لم تكن مجرد أرقام في سجلات الحضور، بل كانت لوحة فنية تعكس رغبة حقيقية في الحياة والاطلاع. كان لافتاً ومبهراً ذلك الحضور الطاغي للأسر المصرية، التي اصطحبت أطفالها في رحلة استكشافية بين أروقة دور النشر، ليرسم الصغار بضحكاتهم وشغفهم وهم يمسكون بمجموعاتهم القصصية الأولى، أجمل رد على مخاوف انحسار القراءة. إنها الفطرة المصرية التي تدرك بالفطرة أن شاشة “التابلت” قد تعطيك معلومة، لكن الكتاب وحده هو من يمنحك روحاً وهوية. هذا المشهد الاستثنائي يبعث برسالة طمأنة إلى كل المثقفين والمبدعين، مفادها أن الذوق العام ما زال بخير، وأن البوصلة لم تضل طريقها رغم ضجيج العالم الرقمي. إن إصرار المواطن البسيط على اقتناء الكتب، وتزاحم الشباب أمام دور النشر بحثاً عن رواية أو كتاب فكري، يؤكد أن القراءة في مصر ليست مجرد نزهة سنوية، بل هي طقس من طقوس الوجود. لقد تحول المعرض إلى “عيد للوعي”، تلاشت فيه الفجوة بين الأجيال، وانصهرت فيه التكنولوجيا لتخدم الكتاب لا لتقضي عليه، حيث استخدمها الكثيرون كخريطة للوصول إلى كنوز الورق المخبأة بين الرفوف. إن ما رأيناه في القاهرة الجديدة هو انتصار للورق على السيليكون، وشهادة ميلاد متجددة لأمة قرأت وما زالت تقرأ. لم يذهب هؤلاء الآلاف ليبحثوا عن إجابات جاهزة من محركات البحث أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تفتقر للمشاعر، بل ذهبوا ليبحثوا عن “المتعة الذهنية” التي لا يوفرها سوى ملمس الورق وصوت تقليب الصفحات. إنه الرهان الرابح دائماً على وعي الشعب المصري، الذي أثبت للعالم أجمع أن قلبه سيظل ينبض بالحبر، وأن الكتاب سيظل يتربع على عرشه، لا تزحزحه رياح الرقمنة ولا تعصف به أعاصير العصر الحديث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *