عبدالباسط خليل يكتب : مرحبًا في بكم في عالم الظلام
الأربعاء 18-02-2026 19:38
بقلم: عبدالباسط خليل
في الوقت الذي تتسارع فيه خطوات البشر نحو مزيد من التطور الرقمي والازدهار التكنولوجي، يتوارى خلف هذا الضوء الساطع عالمٌ آخر يسير بمحاذاته، عالم لا تلتقطه عدسات الكاميرات ولا تغطيه نشرات الأخبار اليومية. بل إنه عالم الظلام الذي ينمو بصمت، ويتمدّد في مساحات منسية من حياة البشر المعاصرين.
حيث ان هناك، مدن مضاءة.. وقلوب معتمة، قد تبدو مدنناً، من الخارج، مبهرة بأنوارها العالية التي تخترق السماء، لكن خلف تلك الإضاءة البراقة تختبئ حكايات أشخاص يعانون عزلةً خانقة، أو فقرًا لا يتحدث عنه أحد، أو خوفًا متجذرًا من حاضرٍ يتبدل بسرعة لا ترحم.
ففي الأحياء الشعبية، حيث تتراكم الظلال عند مفترقات الطرق، يروي السكان قصصًا يومية عن صراعًُ مع الغلاء، وتحديات العمل، وانعدام الأمان. وأن الضوء ليس في المصابيح، بل في الطمأنينة، يقول أحدهم وهو يشير إلى شارع ضيق لا تدخله إلا قدم من يعرفه جيدًا، وان الجانب الآخر للتكنولوجيافقط،
وفي الفضاء الرقمي، يتجسد عالم الظلام بشكل آخر حث ان هناك غرف دردشة مجهولة الهويات، عمليات احتيال إلكترونية، وتيارات فكرية تسعى لتشكيل أتباع في الخفاء. ورغم أن التكنولوجيا وعدت العالم بالحرية، إلا أنها فتحت أيضًا نافذة واسعة للظلال كي تتسلل إلى حياة المستخدمين دون أن يشعروا.
وخبراء الأمن السيبراني يحذرون من أن “العتمة الرقمية” لم تعد مجرد مصطلح، بل تهديد حقيقي لا يقل خطورة عن الجرائم التقليدية.
فالظلامٌ يصنعه الإنسان، ومع ذلك، فإن الظلام ليس دائمًا خارجيًا، بل كثيرًا ما يبدأ من الداخل. هناك من يعيشون وسط ضوضاء المدينة، لكنهم محاصرون بقلقٍ لا ينطفئ، أو بإحباطٍ يلتف حول أيامهم كغيمة لا تنقشع. هؤلاء يشكلون عالمًا ثالثًا من العتمة، لا يُرى لكنه محسوس بقوة.
وإجتمع علماء النفس ايضاً على أن الكتمان الاجتماعي، وضغط الحياة، والتوقعات أو الإنتظارات، اللامتناهية، كلها تصنع دوائر خفية من الظلام في النفوس، تحتاج إلى إعتراف واهتمام قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.
حيث يبقى الأمل، مجرد شعاع يكسر السواد مع كل ذلك، ويبقى في الظلام نفسه بارقة ضوء.
فهناك مبادرات مجتمعية تعمل ليلًا لتوزيع الطعام والدواء، وجماعات شبابية تنظّم حملات لمساندة المتضررين، وأفراد يمدّون أيديهم لمن يحتاج. في لحظات صغيرة وبسيطة، ويتبدد جزء من هذا العالم المعتم، ويولد بدلهُ نور له طابع إنساني خالص.
مرحبًا بكم في عالم الظلام فهي ليست دعوة للتشاؤم، بل تذكير بوجود واقعٍ آخر يحتاج إلى كشف، ومساحات معزولة تبحث عن صوت ينقلها إلى الضوء. فالنجاح الحقيقي للمجتمع لا يُقاس بعدد الأبراج المضيئة، بل بقدر ما يستطيع أن يطرد الظل عن أفراده… واحدًا تلو الآخر.


اترك تعليقاً