رئيس التحرير

الكاتب الأردنى إبراهيم أبو عواد يكتب : تجربة السجن بين أيمن العتوم وفيودور دوستويفسكي

الإثنين 02-03-2026 17:29

بقلم : إبراهيم أبو عواد كاتب من الأردن 

السِّجْنُ هُوَ العَالَم المُغلَق الذي يفرض على الإنسانِ مُواجهةَ ذاتِه بلا هَوادة. وقد كانَ لِكُلٍّ
مِن الروائي الأردني أيمن العتوم ( وُلِدَ 1972 ) والروائيِّ الروسي فيودور دوستويفسكي (
1821_ 1881) تَجْرِبة فريدة تتجاوز الجُدرانَ والأقفالَ لتُصبح تَحليلًا للنَّفْسِ البشرية ،
وَمِرْآةً للرُّوحِ ، ومُخْتَبَرًا لِتَجْرِبةِ الحريةِ والمُعاناةِ والوجود . ففي مُواجهةِ السِّجْنِ ، لا تتوقف
العُقوبةُ عِند القُيودِ الجسدية ، بَلْ تمتدُّ لتصل إلى أعماقِ الفِكْرِ ، وتكشفَ عن قُوَّةِ الرُّوحِ
وضَعْفِها على حَدٍّ سَواء .
عِند العتوم ، يَظهر السِّجْنُ كفضاء مفتوح على الانكسارِ والتمرد ، فضاء يَختبر حُدودَ
الصبرِ والإرادةِ الإنسانية . السجينُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد جسدٍ محبوس ، بَلْ هُوَ كائنٌ مَشحون
بالأسئلةِ الوجودية ، يَبحثُ عن مَعنى في عَالَم يرفضُ تقديمَ إجابات سهلة .
العتوم يُصوِّر السِّجْنَ كَمِرْآةٍ صارخة للحِرْمان مِن الحُرية، لكنَّه في الوقتِ ذَاتِه ساحة
لاكتشافِ الذات، حَيث يَختبر الإنسانُ حُدودَ خَوْفِه ، وألَمَ الفقد ، ومَرارةَ الوَحْدة . التَّجْرِبةُ هُنا
لَيْسَتْ مُجرَّد تَحَمُّل للعُقوبة ، بَلْ هِيَ صِراعٌ داخلي معَ النَّفْسِ ، ومُواجَهةٌ معَ الظِّل ، ورِحلةٌ
نَحْوَ فهم أعمق للوجود .
أمَّا عِند دوستويفسكي ، فإنَّ السِّجْنَ يتحوَّل إلى مُخْتَبَر نَفْسي وفلسفي . العُقوبةُ الجسدية
تُصبح وسيلةً للكشفِ عن أعماقِ النَّفْسِ البشرية ، والصِّراعِ بين الخَيْرِ والشَّر ، والصِّدامِ بَين
الإيمانِ واليأس ، والمُواجَهةِ بين الرَّغبةِ في الحياةِ والخَوْفِ مِن المَوْتِ الرمزي . التِّجْرِبةُ
السِّجْنيةُ عِنده لَيست حادثةً حياتيةً فَحَسْب ، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وجودية عميقة تهزُّ القِيَمَ
والمُعْتَقَدَات ، وتضعُ الإنسانَ أمامَ ذَاتِه الصافية ، بلا أيِّ سِتارٍ أوْ مُوَارَبَة .
داخل الجُدران الحجرية ، تنكشفُ الحقيقةُ المُؤلمة أنَّ الحُرية لَيست حالةً مادية فقط ، بَلْ
أيضًا حالة رُوحية وفِكرية، وأنَّ القيود الخارجية لا تكاد تُعادِل القيودَ الداخلية التي يَفْرضها
الخَوْفُ والندمُ والألمُ النَّفْسي .
القاسمُ المُشترَكُ بين العتوم ودوستويفسكي هُوَ التأمُّل في الطبيعة الإنسانية تَحت وَطأةِ
الحِرمان القَسْري مِن الحُرية . كِلاهُما يَستخدم السِّجْنَ كأداةٍ للكشفِ عَن الجَوهرِ الإنسانيِّ ،
لكنْ كُلٌّ بأسلوبه الخاص .
العتوم يتأمَّل بأسلوب شاعري يُحاكي الألمَ والحنينَ والاشتياقَ للوجودِ والحُرية ، بَينما
دوستويفسكي يَغُوص في التحليل النَّفْسي والفلسفي ، مُتَتَبِّعًا شَرْخَ النَّفْسِ ، ومَكامنَ الخطيئةِ
والفضيلة . كما أنَّ تَجْرِبة السِّجْنِ عِندهما لَيست تَجْرِبةً فردية فَحَسْب ، بَلْ لها أبعاد اجتماعية
وسِياسية وإنسانية واسعة .
السِّجْنُ يَكشفُ هَشاشةَ المُجتمعاتِ، وقَسوةَ الأنظمة، والتَّوَتُّرَ بَين الإنسانِ والسُّلطة . وفي
الوقتِ نَفْسِه ، يَطرحُ الأسئلةَ العميقة حَول مَعنى العَدالةِ والرَّحمةِ والحَياةِ الإنسانيةِ في
مُواجهةِ الظُّلْمِ والاضطهاد . التَّجْرِبةُ السِّجْنية _ بهذا المعنى _ تُصبح مساحة للتأمُّلِ النَّقْدي
في الواقعِ والوجودِ ، وتَجْرِبة مُكثَّفة للوَعْيِ والذاتِ .
يظلُّ السِّجْنُ بالنِّسبةِ لِهَذَيْن الكاتبَيْن أكثر مِنْ مُجرَّد مكان، إنَّه تَجْرِبَةُ تَحَوُّلٍ ، ومَعركةٌ
داخلية، وَسَفَرٌ إلى أعماقِ النَّفْسِ الإنسانية ، وامتحانٌ للرُّوحِ قبل الجسد ، ودَعوةٌ لإعادةِ
النظر في مفاهيم الألمِ والحُرية . ومَا يَجعل تَجربة العتوم ودوستويفسكي فريدة هُوَ قُدرتهما
على تَحويلِ الألمِ والقَيْدِ إلى إدراكٍ أعمق للذات ، وكِتابةٍ تَخترقُ القُلوبَ والعقولَ ، فتجعل
القارئَ يعيشُ معَ السَّجينِ رِحلةَ الألم ، والانكسار ، والتَّشَظِّي ، والمُقاوَمة ، وُصولًا إلى
الضَّوءِ الداخلي الذي يظلُّ يَلمعُ خَلْفَ أقسى الجُدران . تَجْرِبةُ السِّجْنِ ، في ضِفافها المُظلمة ،
لَيْسَتْ مُجرَّد حَبْس الجسد ، بَلْ مُحاكمة للرُّوح .

بَين صَفَحَاتِ التاريخ الأدبي، نجد أصواتًا مُتعددة تَخرج مِنْ أعماقِ الزنازين ، تنقشُ الألمَ
بِجُرأةِ الصَّراحة ، وتغوصُ في النَّفْسِ البشرية ، فتكشف عن الضَّعْفِ الإنسانيِّ أمام قُيودٍ لا
تُرى .
في كُلِّ لحظةٍ مِن الحَبْس ، يتشابكُ الزمنُ معَ الوَعْي ، ويُصبح القَيْدُ مَرايا للذات ، والظلامُ
مُرْشِدًا للفِكْر ، والخَوْفُ مُحَفِّزًا لتأمُّلات عميقة حَول الحُرية والعدالة والوجود .
كِلا الكاتبَيْن _ رَغْمَ اختلافِ الزمانِ والمكان _ يتشارك رُؤية واحدة ، وهي أنَّ السِّجْنَ
يُجرِّد الإنسانَ مِنْ طَبَقَاتِ النِّسْيانِ الزائف ، ويَتركه عاريًا أمامَ ذَاتِه . هُنا يُولَد الصِّراعُ بَين
الأملِ واليأس ، وبَين الغضبِ والسَّكِينة ، وبَين الانكسارِ والإبداع . تَجْرِبةُ السِّجْنِ تُصبح
اختبارًا للضميرِ ، وامتحانًا لِقُدرةِ الرُّوحِ على الصُّمود ، ودافعًا لكتابة مَا لَمْ يَكُنْ لِيُولَد إلا تحت
ضُغوط القُيود . إنَّها شَهادة على قُدرة الأدب على تَحويلِ الألمِ إلى قُوَّة ، والظُّلْمِ إلى تأمُّل ،
والوَحْدَةِ إلى رُؤية شاملة للوُجودِ الإنسانيِّ . ولا يُقَاسُ السِّجْنُ بالأيامِ التي تَمْضي ، بَلْ بِعُمق
الرِّحْلةِ الداخلية التي يَخُوضها المَرْءُ فيه ، رِحْلة تتجاوزُ الزِّنزانةَ لِتَسْكُنَ الوِجْدَانَ والوَعْيَ
للأبد .
السِّجْنُ _ في تَجْرِبة العتوم ودوستويفسكي _ لَيْسَ مُجرَّد مكان مَحكوم بالحديدِ والجُدرانِ
، إنَّه مَسْرَحٌ داخلي تُصْقَلُ فيه الذات بَين صِراعِ الألمِ والوَعْيِ . لَدى العتوم ، تبدو التَّجْرِبة
أشبه بِغُرفة انعكاسات لا تَنتهي ، حَيث يَتحوَّل الزمنُ إلى مِرْآةٍ للشَّجَنِ الإنسانيِّ ، يَنهش
الرُّوحَ ، ويُعيد تشكيلَها . أمَّا عِند دوستويفسكي ، فالسِّجْنُ يُصبح مُخْتَبَرًا فلسفيًّا لِوَعْيِ الفرد ،
وتَبْرُز أسئلةُ الهُوِيَّةِ والإنسانيةِ ، كما لَوْ كانَ الألمُ مَدرسةً للرُّوح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *