الكاتبة الصحفية ميرفت ايوب تكتب : حرب الشرق الأوسط: أوروبا بين الضغوط الأمريكية والمصالح المهددة
السبت 28-03-2026 15:08
بقلم : ميرفت ايوب
في مشهد يعيد إلى الأذهان انقسامات حرب العراق عام 2003، تجد أوروبا نفسها مجددًا أمام اختبار صعب مع تصاعد الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى. لكن هذه المرة، الموقف الأوروبي أكثر حدة في الرفض، وأكثر وضوحًا في عدم الرغبة في الانخراط العسكري، وسط مخاوف من تداعيات كارثية على اقتصاد القارة وأمنها واستقرارها الاجتماعي.
“ليست حربنا”: رسالة أوروبية موحدة
من برلين إلى مدريد، ومن باريس إلى روما، يردد القادة الأوروبيون عبارة واحدة: “هذه ليست حربنا”. فقد أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرز أن بلاده لم تُستشر مسبقًا، ولم تُطلب منها مساعدة، مؤكدًا أن ألمانيا لن تشارك في تأمين مضيق هرمز طالما استمرت الحرب. في المقابل، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر انتقادًا، معتبرًا أن العمليات العسكرية تجري “خارج إطار القانون الدولي”. أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز فوصف الحرب بأنها “عمل غير قانوني”، في تصريح لافت يعكس غضبًا أوروبيًا متراكمًا من السياسات الأمريكية في المنطقة.
هذا الموقف الموحد لم يظهر فقط على المستوى الرسمي، بل امتد إلى الشارع الأوروبي. استطلاعات الرأي التي نُشرت في مارس 2026 تكشف عن رفض شعبي واسع للمشاركة في الحرب. في إسبانيا، عارض 68% من المشاركين أي تورط إسباني، بينما في ألمانيا بلغت نسبة المعارضة 58%، وفي إيطاليا 56%. حتى في بريطانيا، الحليف التقليدي لواشنطن، كانت نسبة المعارضة 49%، مما يعكس ترددًا شعبيًا كبيرًا.
أزمة قانونية وأخلاقية
لا تقتصر الانتقادات الأوروبية على الجانب السياسي، بل تمتد إلى الأسس القانونية للعمليات العسكرية. ففي أروقة الاتحاد الأوروبي وفي مراكز الأبحاث الاستراتيجية، يثير غياب التفويض الأممي قلقًا عميقًا. المحللة الفرنسية لور فوشيه من مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية حذرت من أن تجاوز القانون الدولي يقوض أسس النظام العالمي، قائلة: “بفقدان أداة القانون، نفقد قدرتنا على الموضوعية”.
الدبلوماسي الفرنسي المخضرم دومينيك دو فيلبان، الذي عارض حرب العراق عام 2003، عاد ليحذر مجددًا من “المنحدر الخطير” الذي يؤدي إليه وضع الاعتبارات الأخلاقية فوق الشرعية الدولية. هذه المخاوف تعكس إرثًا أوروبيًا طويلًا من التمسك بمبدأ حل النزاعات عبر المؤسسات الدولية، وهو ما يراه الأوروبيون اليوم مهددًا بشكل غير مسبوق.
الخوف من التصعيد: طاقة وهجرة وأسعار
إذا كانت الأسباب القانونية تثير غضب النخب السياسية والفكرية، فإن المخاوف الاقتصادية والأمنية تمس المواطن الأوروبي العادي مباشرة. فالحرب الدائرة في الشرق الأوسط تهدد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي و30% من الغاز الطبيعي المسال. بالنسبة لأوروبا، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، فإن هذا السيناريو يمثل كابوسًا حقيقيًا.
استطلاع ألماني أظهر أن 70% من الألمان يتوقعون تأثيرات كبيرة على إمدادات الطاقة، بينما 68% يتوقعون ارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة. هذه الأرقام ليست مجرد أرقام؛ فهي تعكس ذاكرة حية لأزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تسببت في تضخم غير مسبوق وتراجع في مستويات المعيشة.
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، المعروف بمواقفه المحافظة، أضاف بُعدًا آخر للمخاوف، محذرًا من “موجات هجرة هائلة” نتيجة توسع رقعة الحرب، إلى جانب “صدمات حادة في أسعار الطاقة”. هذا التحذير يلامس هاجسًا أوروبيًا قديمًا جديدًا: فالهجرة غير النظامية كانت واحدة من أكبر التحديات التي واجهتها القارة في العقد الماضي، وأي تصعيد في الشرق الأوسط قد يعيد إنتاج مشاهد 2015.
الدبلوماسية الأوروبية وساطة بلا أوراق
بينما ترفض أوروبا المشاركة العسكرية، تحاول أن تلعب دورًا دبلوماسيًا لإنهاء الحرب. مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس قالت إن الاتحاد “مستعد للمساعدة دبلوماسيًا لجمع الأطراف لإنهاء هذه الحرب… حتى يتمكن الجميع من إنقاذ ماء الوجه”. هذه العبارة الأخيرة تعكس واقعًا مريرًا: أوروبا تدرك أن الأطراف المتحاربة قد لا ترغب في الظهور بمظهر الخاسر، وأن أي تسوية ستتطلب ترتيبات معقدة.
لكن السؤال الذي يطرحه مراقبون: هل تملك أوروبا الأدوات اللازمة للتأثير في مسار الحرب؟ فبعد سنوات من تقليص نفوذها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، وتبعيتها السياسية والأمنية لواشنطن، يبدو أن الخيارات الأوروبية محدودة. محاولات الاتحاد الأوروبي للعب دور وسيط تصطدم بحقيقة أن الأطراف الرئيسية واشنطن وتل أبيب وطهران تنظر إلى بروكسل كفاعل ثانوي، إن لم يكن هامشيًا.
وفي النهاية فان الموقف الأوروبي من الحرب الحالية في الشرق الأوسط يمكن تلخيصه في كلمات قليلة: رفض المشاركة، انتقاد الشرعية، خوف من التداعيات، ومحاولة وساطة ضعيفة. هذا الموقف يعكس تحولًا أعمق في السياسة الخارجية الأوروبية، حيث لم تعد بروكسل مستعدة لتحمل تكاليف مغامرات حلفائها، خاصة بعد أزمات متلاحقة أرهقت القارة: جائحة كورونا، حرب أوكرانيا، أزمة الطاقة، والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
لكن السؤال الأكبر يبقى مفتوحًا: هل تستطيع أوروبا حقًا الابتعاد عن تداعيات حرب بهذا الحجم؟ فالشرق الأوسط ليس بعيدًا جغرافيًا عن شواطئ القارة العجوز، وأزماته لا تعترف بالحدود. بين نار الانخراط ونار العزلة، تبحث أوروبا عن مخرج، في وقت أصبحت فيه الخيارات جميعًا محفوفة بالمخاطر.


اترك تعليقاً