رئيس التحرير

خالد صالح يكتب : من نيروبى إلى عنتيبى.. مصر تعود إلى قلب أفريقيا…

الخميس 14-05-2026 10:13

لم تكن جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأفريقية فى مايو 2026، والتى بدأت من العاصمة الكينية نيروبى بالمشاركة فى قمة “أفريقيا ـ فرنسا”، ثم امتدت إلى أوغندا، مجرد تحرك دبلوماسى تقليدى أو زيارة بروتوكولية عابرة، وإنما جاءت كرسالة سياسية واستراتيجية شديدة الوضوح: مصر عادت بقوة إلى عمقها الأفريقى، وتتحرك بثبات لبناء شبكة مصالح وشراكات وتحالفات تعيد رسم موازين التأثير داخل القارة السمراء.
الجولة حملت أبعادًا تتجاوز الصور الرسمية والبيانات الختامية، لأنها تعكس إدراكًا مصريًا متقدمًا بأن مستقبل الأمن القومى المصرى يبدأ من أفريقيا، وأن معارك النفوذ فى القارة لم تعد ترفًا سياسيًا، بل أصبحت قضية وجود ترتبط بالمياه، والأمن، والطاقة، والاقتصاد، والاستقرار الإقليمى.
مشاركة الرئيس السيسى فى قمة “أفريقيا ـ فرنسا” بنيروبى جاءت فى توقيت بالغ الحساسية، وسط تنافس دولى محتدم على النفوذ داخل أفريقيا، سواء من القوى الغربية أو الصين أو روسيا أو تركيا، وهو ما جعل الحضور المصرى يحمل دلالة مهمة مفادها أن القاهرة ليست مجرد مراقب لما يحدث فى القارة، بل لاعب رئيسى يمتلك رؤية ومصالح وقدرة على التأثير.

وخلال القمة، أجرت مصر سلسلة لقاءات مع قادة أفارقة ومسئولين دوليين لبحث ملفات التنمية والتعاون الاقتصادى والأزمات الإقليمية، وهو ما يعكس استمرار التحرك المصرى وفق سياسة “تعدد دوائر الشراكة” وعدم الارتهان لمحور دولى واحد.
لكن الأهم فى الجولة لم يكن فقط المشاركة فى القمة، وإنما الرسائل التى حملتها زيارة أوغندا تحديدًا. فالعلاقات المصرية ـ الأوغندية لم تعد مجرد علاقات ثنائية عادية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن المائى المصرى، خاصة فى ظل التعقيدات المرتبطة بملف نهر النيل وسد النهضة.
لقاء الرئيس السيسى مع الرئيس الأوغندى يوري موسيفيني حمل دلالات استراتيجية واضحة، أبرزها التأكيد على تكثيف التنسيق المشترك فى قضايا المياه وحوض النيل، مع إعلان استعداد مصر للمساهمة فى تمويل مشروعات البنية التحتية المائية داخل دول الحوض، عبر الآلية المصرية لتمويل مشروعات دول حوض النيل.
وهنا تظهر النقلة الكبرى فى السياسة المصرية تجاه أفريقيا خلال السنوات الأخيرة؛ فالقاهرة لم تعد تتحرك بمنطق رد الفعل، بل بمنطق بناء النفوذ عبر التنمية والشراكة الاقتصادية وربط المصالح، وهو ما يمنحها قوة تأثير طويلة المدى تتجاوز الخطابات السياسية التقليدية.
التحرك المصرى فى أفريقيا اليوم يعتمد على عدة محاور متوازية:
أولها، استعادة الحضور السياسى والدبلوماسى داخل القارة بعد سنوات من التراجع.
ثانيها، توسيع التعاون الاقتصادى والاستثمارى وفتح الأسواق الأفريقية أمام الشركات المصرية.
ثالثها، تعزيز التنسيق الأمنى فى مواجهة الإرهاب والتنظيمات المسلحة والهجرة غير الشرعية.
ورابعها، حماية الأمن المائى المصرى عبر بناء شراكات حقيقية مع دول حوض النيل.
والحقيقة أن جولة السيسى الأخيرة تؤكد أن القاهرة باتت تدرك جيدًا أن النفوذ فى أفريقيا لا يُصنع فقط عبر البيانات السياسية، بل عبر الحضور المباشر، والمشروعات، والاستثمارات، والدعم التنموى، والانخراط الحقيقى فى قضايا الشعوب الأفريقية.
كما أن التحرك المصرى يحمل بعدًا اقتصاديًا بالغ الأهمية، خاصة فى ظل سعى الدولة المصرية لفتح أسواق جديدة، وتعزيز التكامل التجارى مع القارة، والاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية، وتحويل مصر إلى بوابة رئيسية للتصنيع والتصدير نحو أفريقيا.
وفى ظل عالم يعاد تشكيله سياسيًا واقتصاديًا، تبدو أفريقيا واحدة من أهم ساحات التنافس الدولى خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعل التحرك المصرى المبكر والفاعل ضرورة استراتيجية وليس خيارًا سياسيًا.
لقد أثبتت الجولة أن مصر تتحرك وفق رؤية شاملة تستهدف إعادة بناء الدور الإقليمى للدولة المصرية على أسس جديدة، تقوم على المصالح المشتركة والتنمية والتوازن السياسى، لا على الشعارات أو التحركات الموسمية.
ومن هنا، فإن الرسالة الأبرز من جولة نيروبى ـ عنتيبى، هى أن مصر قررت أن تكون حاضرًا بقوة فى معادلة أفريقيا الجديدة، وأن القاهرة لن تترك فراغًا يسمح لقوى أخرى بإعادة تشكيل القارة بعيدًا عن المصالح العربية والمصرية.
إنها ليست مجرد زيارة رئاسية… بل إعلان واضح بأن مصر استعادت بوصلتها الأفريقية، وتتحرك بثقة نحو عمقها الاستراتيجى الطبيعى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *