رائحة الخبز التي لا تعرف القومية
الجمعة 22-05-2026 16:15
خاص: مجلة مصر
في القرى الممتدة بين شمال سوريا والعراق، ثمة مشهد يتكرر منذ مئات السنين دون أن ينتبه إليه أحد كثيرًا: نساء يجلسن قرب التنور، وأطفال ينتظرون رغيفًا ساخنًا خرج للتو من النار، ورائحة طحين ممزوجة بالدخان والحطب والذاكرة.
قد يبدو الأمر تفصيلًا يوميًا عاديًا، لكنه في الحقيقة واحد من أكثر المشاهد التي تكشف حجم التشابه العميق بين العرب والكرد. فالخبز هنا ليس مجرد طعام، بل جزء من الهوية الاجتماعية، ومن طريقة الناس في فهم البيت والعائلة والكرامة وحتى معنى الحياة نفسها.
في البيئات الريفية العربية والكردية، ظلّ الخبز مرتبطًا بفكرة “الستر” ودفء المنزل. وكانت المرأة التي تُتقن إعداد الخبز تحظى بمكانة خاصة داخل العائلة، تمامًا كما كان التنور يمثل نقطة تجمع يومية تشبه قلب البيت. وحين يتحدث كبار السن من الطرفين عن طفولتهم، غالبًا ما تعود الذاكرة إلى الرغيف الساخن أكثر مما تعود إلى أي شيء آخر.
المثير أن أشكال الخبز التقليدي لدى العرب والكرد متقاربة إلى حد بعيد، ليس فقط في الشكل، بل في الطقوس المحيطة بها أيضًا. طريقة العجن اليدوي، استخدام الحطب، الجلوس الجماعي، وحتى الأغاني الخفيفة التي كانت النساء يرددنها أثناء العمل؛ كلها تفاصيل تبدو وكأنها خرجت من بيئة اجتماعية واحدة.
وربما لهذا السبب يشعر كثير من الناس بالدهشة حين يزورون مناطق كردية للمرة الأولى. فبدل أن يكتشفوا “عالماً مختلفًا بالكامل”، يجدون أنفسهم أمام تفاصيل تشبه طفولتهم الخاصة. نفس رائحة الخبز، نفس أكواب الشاي الصغيرة، نفس الملاعق المعدنية القديمة، ونفس العلاقة الحميمة بين الطعام والضيافة.
هذه التفاصيل الصغيرة غالبًا ما تكون أقوى من الخطابات الكبرى. لأنها تكشف أن ما جمع الناس تاريخيًا لم يكن السياسة، بل نمط الحياة نفسه. فالإنسان الذي يزرع القمح ويخبز خبزه بيديه، مهما اختلفت لغته أو قوميته، يحمل قلقًا يوميًا متشابهًا، وإحساسًا متقاربًا بالأرض والعائلة والرزق.
وفي الحقيقة، يمكن قراءة المطبخ الشعبي بوصفه وثيقة اجتماعية غير مكتوبة. فمن خلال الطعام يمكن فهم العلاقات بين الشعوب، ومسارات التبادل الثقافي، وحتى أشكال التعايش التي لا تذكرها كتب التاريخ الرسمية.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في العلاقة العربية–الكردية هو أن المشتركات الغذائية ليست سطحية أو عابرة، بل عميقة ومتجذرة. فالكثير من الأكلات التقليدية تطورت عبر قرون من الاحتكاك الاجتماعي، لا عبر التقليد المؤقت. ولهذا يصعب أحيانًا تحديد “الأصل القومي” لبعض الأطعمة، لأن الناس صنعوها معًا وعاشت بينهم جميعًا.
في السنوات الأخيرة، بدأت بعض المبادرات الثقافية العربية تحاول الاقتراب من هذه الزوايا الإنسانية المهملة في العلاقة بين العرب والكرد، بدل الاكتفاء بالنقاشات السياسية المعتادة. ومن بين هذه المبادرات، تسعى حملة «تكامل… عرب وكرد… مصير مشترك»، التابعة إلى شبكة الاستشراف للدراسات والاستشارات والإعلام، إلى إعادة تقديم العلاقة بين الشعبين من خلال تفاصيل الحياة اليومية والثقافة الاجتماعية المشتركة.

وربما تبدو الكتابة عن الخبز مسألة بسيطة أمام أزمات المنطقة الثقيلة، لكن الحقيقة أن التعايش يبدأ غالبًا من الأشياء الصغيرة. من المائدة، ومن الأغاني القديمة، ومن رائحة الرغيف الساخن التي لا تسأل الناس عن قومياتهم قبل أن تمنحهم شعور البيت.


اترك تعليقاً