شيركو حبيب يكتب : حكومة الزيدي وواقع وطموح المواطن العراقي
الجمعة 22-05-2026 18:34
بقلم : شيركو حبيب
حتى في الانتخابات التي جرت بعد العام 2003 و بعيدا عن السلطة الدكتاتورية، وجد العراقيون أنفسهم غير مستقرين غارقين في دوامة القلق من المستقبل، وما نراه اليوم من المشاكل و الخلافات ليست وليدة العهد أو الصدفة، بل تراكمت منذ تأسيس الدولة العراقية.
و منذ ذلك الوقت أي بداية القرن الماضي، لم تهتم الدولة بحل الخلافات التي نجمت عن تأسيس الدولة، و الاحتلال الانجليزي، ومن ثم الحكم الملكي، ومنذ العام 1958 حضرت الانقلابات العسكرية التي فرضت كل مرة نوعا جديدا من الإرهاب، إلى أن وصل ما قام به النظام البائد من جرائم ضد العراقيين.
ويعد العام 2003 وإجراء عدة انتخابات تختلف عن التي جرت في العهد البائد، تنفس العراقيون الصعداء باختيار ممثليهم رغم وجود بعض الملاحظات، ولكن لا يمكن مقارنتها بالعهد السابق، إلا أن الساسة في هذه الفترة من 2005 لحد يومنا يحاولون جميعا السيطرة على رئاسة الحكومة التي هي من نصيب الإخوة الشيعة المذهب حسب تقسيم الحاكم المدني بول بريمر في 2005.
والكتل الشيعية متنافرة، كما لاحظنا عندما عارض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء، وفي خضم هذه الخلافات و الفيتو الأمريكي لم تستطع الكتل الشيعية اختيار شخص من داخل الإطار، ولانتهاء المدة الدستورية حسموا الأمر بترشيح شخصية من خارج الإطار التنسيقي، وهو السيد علي الزيدي الذي لم يكن اسما مألوفا على الساحة السياسية العراقية، بل برز كرجل أعمال في وسط العراق، وهكذا وقع الاختيار عليه لتشكيل الحكومة.
بعد مدة من الخلافات السياسية والمفاوضات غير السهلة بين القوى المتنافسة، حضر تشكيل الحكومة من قبل السيد الزيدي في هذه الظروف غير المواتية التي يشهدها العراق و المنطقة.
فبرزت الضغوطات الأمريكية والأجندات الإيرانية، وهو واقع ليس سهلا، رغم إعلان الزيدي تشكيل حكومته الجديدة مصحوبا بوعود واسعة بإجراء إصلاحات اقتصادية وتحسين الخدمات العامة ومكافحة الفساد الذي أنهك مؤسسات الدولة لسنوات طويلة، ونالت الحكومة الجديدة ثقة البرلمان دون نيل بعض الوزارات التي تخص الأمن و العسكرية الثقة، حيث لم تنجح الحكومة في حصد الأصوات المؤيدة لها داخل البرلمان.
بعد تأسيس الدولة العراقية قبل أكثر من قرن لايزال المواطن العراقي يعاني مع بلاده تحديات متراكمة وأزمات سياسية بين بغداد و أربيل، فهناك أمور تتعلق بالبطالة والبنية التحتية و الأزمات اليومية كانقطاع الكهرباء والمياه.
رغم ما قاله السيد الزيدي في أول خطاب له أمام البرلمان بأن حكومته “ستكون حكومة خدمات وفرص وتنمية”، لكن هل يستطيع الزيدي تلبية مطالب المواطنين خلال فترة حكمه و يقفز بالعراق من هذه الحالة المتدهورة إلى أفضل حال يضاهي دول المنطقة، حيث يواجه العراق وضعا اقتصاديا لا يحسد عليه، خاصة بعد التقلبات على سوق النفط وإغلاق مضيق هرمز، والعراق دخله الرئيسي من بيع النفط، وتعطل عمليات تصديره تسبب في ارتفاع معدلات البطالة التي هي أيضا عائق آخر أمام حكومة الزيدي.
أما الملف الأبرز الذي يواجه السيد الزيدي، فهو ملف السلاح الذي يظل منذ سنوات خارج سيطرة الدولة ولم تستطع الحكومات السابقة حصره أو حصار انتشاره، فالمليشيات أعلنت رفضها نزع سلاحها أو تسليمه للحكومة، وهذا ما تؤيده إيران، وهو أمر ضد رغبة أمريكا نفسها.
وعلى الرغم من تأكيد الحكومة التزامها بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة المؤسسات الأمنية، فإن مراقبين يرون أن التعامل مع هذا الملف يتطلب توازنا دقيقا بين فرض القانون وتجنب الدخول في صدامات قد تؤثر على الاستقرار الداخلي.
ويقول محللون إن الحكومات العراقية المتعاقبة واجهت صعوبات كبيرة في معالجة هذا الملف بسبب التشابكات السياسية والإقليمية، إضافة إلى امتلاك بعض الفصائل نفوذا شعبيا وعسكريا واسعا.
إلا أن الشارع العراقي لا يزال يترقب خطوات عملية واضحة، إذ يرى كثيرون أن نجاح الحكومة في هذا الملف سيكون اختبارا حقيقيا لقدرتها على فرض هيبة الدولة وتحقيق الاستقرار الأمني.
تحد آخر أمام السيد الزيدي، وهو الخلافات داخل الكتل العراقية، فهو مرشح تسوية و ليس مرشح مواجهة، وهو ليس جزءا من الصراعات، واستلم حكومة منقوصة غير مكتملة، تؤكد الأيام أن مفاجآت عديدة في انتظارها، ولا يمكن تجاهل ضرورة استماعه لأصوات المتعقلين من قادة العراق وكوردستان في أقرب وقت ممكن، كي يعرف كيف يبحر بسفينة حكومته إلى بر الأمان.
يعرف الزيدي جيدا موقف قادة الإقليم وأولهم الزعيم مسعود بارزاني، وما يكرره منذ سنوات من حقيقة أن العراق بحاجة إلى حل الخلافات بين أربيل وبغداد على أساس الدستور والاتفاقيات المشتركة، وترجيح مبادئ التوافق والتوازن والشراكة في العراق، ليخرج من دائرة الخلاف الداخلي إلى الحضور الإقليمي والدولي القوي اللائق بمكانته وتاريخه، ونظن أنه قد آن الأوان ليفهم العراقيون كافة هذه الحقيقة، وتسعى حكومتهم إلى تحقيق أحلامهم في الاستقرار.


اترك تعليقاً