خالد صالح : يكتب : من غزة إلى طهران.. مصر تتحرك لإنقاذ المنطقة
السبت 23-05-2026 20:36
السيسي يقود دبلوماسية الردع والتهدئة في أخطر لحظات الإقليم
في لحظة تاريخية فارقة، بينما تتساقط المنطقة فوق صفيحٍ ساخن من الصراعات والحروب والتهديدات المتبادلة، تتحرك الدولة المصرية بثقلها السياسي والأمني والدبلوماسي كقوة اتزان إقليمية تمنع الشرق الأوسط من السقوط الكامل في هاوية الفوضى. فوسط أصوات الطائرات والصواريخ، ترتفع القاهرة بصوت العقل، لتؤكد من جديد أن مصر لم تكن يومًا دولة هامشية في معادلة الأمن الإقليمي، بل كانت دائمًا قلب المنطقة النابض، وصمام الأمان الذي تلجأ إليه العواصم عندما تضيق الخيارات وتتعقد الحسابات.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة، سواء على صعيد المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية/الإسرائيلية، أو في لبنان، أو داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، أن القاهرة تتحرك وفق رؤية استراتيجية شاملة، لا تقوم فقط على احتواء الحرائق، بل على منع انفجار الإقليم بأكمله. وهنا تكمن عبقرية التحرك المصري؛ فالدبلوماسية المصرية لا تتحرك بردود الأفعال، وإنما وفق قراءة عميقة لطبيعة التوازنات الدولية والإقليمية، وإدراك كامل أن أي انهيار في المنطقة سيدفع الجميع ثمنه بلا استثناء.
في ملف المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية/الإسرائيلية، لم تقف مصر في موقع المتفرج، بل لعبت دورًا بالغ الحساسية والخطورة في آنٍ واحد. القاهرة أدركت مبكرًا أن استمرار التصعيد يعني فتح أبواب الجحيم على المنطقة بأكملها، ولذلك دخلت بقوة على خط الوساطات، عبر تحالف سياسي ودبلوماسي ذكي مع تركيا وباكستان، لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، ونقل الرسائل المغلقة، وفتح قنوات التواصل غير المباشر، وصولًا إلى بلورة تفاهمات أسهمت في وقف إطلاق النار وتخفيف حدة المواجهة.
هذا الدور لم يكن تحركًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن مصر ما زالت تملك مفاتيح التأثير في أكثر الملفات تعقيدًا، وأن المؤسسات المصرية قادرة على إدارة التوازنات الدقيقة بين القوى الكبرى والإقليمية دون الانزلاق إلى محاور أو مغامرات غير محسوبة.
وفي الوقت ذاته، جاءت التحركات الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات وقطر لتؤكد أن القاهرة تتحرك بمنطق الأمن العربي الجماعي، وأن أي تهديد لأمن الخليج هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري. ولم تكن الرسائل العسكرية المصاحبة، ومنها تمركز المقاتلات المصرية في الإمارات، مجرد استعراض للقوة، بل تأكيدًا عمليًا على أن مصر تمتلك القدرة والإرادة لحماية استقرار المنطقة وردع أي محاولات لجرها نحو الفوضى الشاملة.
أما في لبنان، فقد عادت القاهرة لتلعب دورها التاريخي كحاضنة للاستقرار العربي. فمنذ اللحظة الأولى للتصعيد، تحركت مصر سياسيًا ودبلوماسيًا لدعم جهود وقف إطلاق النار، والدفع نحو تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، والمطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تأتي الإشادات الرسمية اللبنانية بالدور المصري؛ فالجميع يدرك أن القاهرة تتحرك من منطلق حماية الدولة الوطنية العربية، والحفاظ على ما تبقى من توازنات تمنع انهيار المنطقة بالكامل.
لكن يبقى الملف الفلسطيني، وتحديدًا قطاع غزة، هو الاختبار الأكبر للدبلوماسية المصرية، وهو أيضًا الملف الذي يكشف حجم الجهد الهائل الذي تبذله القاهرة خلف الكواليس. فمصر لا تدير مجرد وساطة تقليدية، بل تدير معركة سياسية وإنسانية وأمنية معقدة، هدفها الأول وقف نزيف الدم الفلسطيني، ومنع تصفية القضية الفلسطينية تحت ضغط الحرب والجوع والحصار.
القاهرة تتحرك يوميًا على أكثر من مسار؛ اتصالات مع القوى الدولية، وضغوط لفتح المعابر، وجهود لتثبيت الهدن، وتحركات لإدخال المساعدات الإنسانية، فضلًا عن إعداد رؤية متكاملة لإعادة إعمار القطاع ومنع انهياره الكامل. وفي الوقت الذي اكتفى فيه كثيرون بإصدار البيانات، كانت مصر تتحمل العبء الأكبر ميدانيًا وسياسيًا وإنسانيًا، انطلاقًا من مسؤوليتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية.
إن ما تقوم به الدولة المصرية اليوم ليس مجرد دبلوماسية تقليدية، بل معركة وجود لحماية الإقليم من سيناريو الانفجار الكبير. فالقاهرة تدرك أن المنطقة تقف على حافة لحظة شديدة الخطورة، وأن البديل عن الحلول السياسية هو شرق أوسط مشتعل بلا حدود، تنهار فيه الدول، وتتسع فيه دوائر الإرهاب والفوضى والهجرة والصراع الطائفي.
ومن هنا، فإن الرسالة المصرية كانت وما زالت واضحة: لا سبيل لإنقاذ المنطقة إلا بالحوار، ولا طريق للاستقرار إلا عبر الحلول السياسية والدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، ووقف سياسات التصعيد والمغامرات العسكرية.
لقد أثبتت مصر، مرة أخرى، أنها الدولة التي تعرف متى تتحرك، وكيف تتحرك، ولماذا تتحرك. وبينما تتخبط قوى كثيرة في حسابات الحرب والمصالح الضيقة، تبقى القاهرة واقفة بثبات، تدافع عن فكرة الدولة، وعن حق شعوب المنطقة في الأمن والاستقرار والحياة.
وفي زمن الفوضى الكبرى، تبقى مصر… صوت العقل الأخير في الشرق الأوسط.


اترك تعليقاً