رئيس التحرير

عمرو حداد يكشف المستديرة والساسة  القصة الكاملة لشعار زائف اسمه “فصل الرياضة عن السياسة”

الثلاثاء 07-07-2026 16:44

إن تشكيل العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية قام في جوهره على معادلة واضحة  “احتكار القوة” من قِبل الكبار  لضمان عدم خروج أي طرف عن السيطرة يشعل فتيل حرب عالمية جديدة.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه  ترسخ هذا المبدأ بشكل أحادي  ونصّبت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها “بلطجي العالم” والمهيمن الأوحد على مقدراته.

وكي لا تبدو أمريكا في مظهر المخالف لشعاراتها الأخلاقية الرنانة  ابتكرت ترسانة من الشعارات السياسيةو الرياضية  والإنسانية  التي رددها زبانيتها وأتباعها ليل نهار كأنها نصوص مقدسة.

بيد أن الحقيقة الصادمة تبدو جلية عندما تتعلق الأمور بمصالحها الاستراتيجية هنا تسقط الأقنعة  وتتبخر تلك الشعارات وكأنها لم تكن.

ولعل شعار “لا سياسة في الرياضة” هو أحد أبرز تلك الأكاذيب الفجّة التي طالما سوّقت لنا على أنها حقيقة مطلقة  بينما الواقع يثبت أنه شعار لا وجود له على الإطلاق في عالم المصالح.

ولعل الواقعة الشهيرة لعودة اللاعب الأمريكي للمشاركة في مباراة بلجيكا بقرارٍ “فوقي” أعقب اتصالاً مباشراً من الرئيس دونالد ترامب رغم طرده بكارت أحمر في لعبة لا جدال فيها  تعيد للأذهان بقوة تاريخاً طويلاً من التغلغل السياسي في مستطيل كرة القدم الأخضر.

وهنا  قد يخرج صوت يجادل بأن “من حق لجنة التظلمات رفع الكارت الأحمر عن اللاعب” وهذا صحيح قانوناً لكنه شرع لرفع الظلم وتصحيح الأخطاء التحكيمية الفادحة.

فالإجراءات القانونية وجدت “لإعادة الحق.. لا للحَيدِ عن الحق” وإرضاء النفوذ السياسي. فتقنية الفيديو (VAR) مثلا  لا تتدخل في الإنذارات وقد يظلم لاعب بإنذار تراكمي يحرمه من اللعب  وتلك هي المساحة المتاحة للجان لمراجعة الأخطاء  وليست لتمرير الرغبات السياسية للدول الكبرى.

وفي السطور التالية سنستعرض معاً أبرز المحطات التاريخية الحاضرة والغائبة التي تبرهن كيف كانت  ولا تزال  كرة القدم أداة مطيعة في يد السياسة…

  1. الكيل بمكيالين: روسيا وإسرائيل وأقنعة الفيفا الساقطة

تبدو عورات النظام الرياضي العالمي أكثر وضوحاً في العصر الحديث ففي عام 2022 وبمجرد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية انتفضت “الفيفا” والاتحاد الأوروبي “اليويفا” في مشهد درامي  وصدر قرار فوري باستبعاد روسيا من كافة البطولات الدولية.
ولم يتوقف الأمر عند معاقبة الدولة بل طال الأفراد والشركات  حيث أجبر الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش على بيع ناديه “تشيلسي” الإنجليزي في مصادرة علنية للملكية الخاصة ومنعت الشركات الروسية مثل “غازبروم” من رعاية البطولات.

وبغض النظر عن الخلفيات السياسية للحرب الروسية فإن هذا الحزم الغربي المفرط يتبخر تماماً ويتحول إلى صمت مخزٍ عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

فمنذ أحداث السابع من أكتوبر ومباشرة حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة لم تحرك الفيفا ساكناً.
إسرائيل التي قتلت عشرات الآلاف من الأطفال والنساء وقصفت المستشفيات والمدارس ودمرت البنية التحتية الرياضية وقتلت لاعبيها لا زالت تمارس نشاطها الرياضي بكل حرية ودون أي عقوبة أو تجميد. هذا التناقض الفج يثبت أن “المبادئ الإنسانية” في قاموس الرياضة العالمية هي مجرد بند تافه يفصّل على مقاس المصالح السياسية الغربية.

  1. غسيل السمعة: المستطيل الأخضر في خدمة الديكتاتوريات

لطالما كانت اللعبة الشعبية الأولى ملاذاً آمناً للطغاة لتلميع صورتهم وغسل جرائمهم أمام العالم وسط تواطؤ كامل من القائمين على اللعبة:

  • إيطاليا 1934: أشرف الدىكتاتور الفاشي “بينيتو مسوليني” بنفسه على تنظيم كأس العالم وألتقى بالحكام قبل المباريات كرسالة تهديد مبطنة فكان الشعار غير المعلن للبطولة هو “اما الفوز أو الموت” لتتوج إيطاليا باللقب وسط فضائح تحكيمية يندى لها الجبين.
  • الأرجنتين 1978: استخدم المجلس العسكري الحاكم بقيادة “خورخي فيديلا” البطولة كأداة لغسيل سمعة نظام غارق في دماء المعارضين والتعذيب. ولم تقف السياسة عند حدود التنظيم بل امتدت لشراء الذمم  حيث تؤكد الوثائق التاريخية تدخل النظام الأرجنتيني سياسياً واقتصادياً عبر شحنات قمح ومنح مالية مريبة لضمان فوز الأرجنتين على بيرو بنتيجة $6-0$ لضمان التأهل واللقب.
  1. عندما تشعل الكرة الحروب وتفكك الدول

وفي أحيان أخرى كانت كورة القدم هي المنصة التي تعلن منها الحروب الأهلية وتصفى بها الحسابات السياسية الدولية:

  • مباراة الدم في بيلغراد (1990): تعتبر مواجهة “دينامو زغرب” الكرواتي و”النجم الأحمر” الصربي في مايو 1990 هي الشرارة الفعلية التي فجرت الحرب الأهلية في يوغوسلافيا. تحولت المدرجات إلى ساحة حرب قادها سياسيون؛ حيث استغل رئيس كرواتيا “فرانيو تودجمان” جماهير زغرب كقوة سياسية لدعم الانفصال بينما كان قائد مشجعي النجم الأحمر الصربي “أركان” هو نفسه الذي قاد الميليشيات العسكرية المرتكبة للمجازر لاحقاً.
  • مصائب قوم عند قوم فوائد (يورو 1992): قبل انطلاق بطولة أمم أوروبا بأيام معدودة صدر قرار سياسي من هيئة الأمم المتحدة بمعاقبة يوغوسلافيا لتمتثل الفيفا فوراً وتستبعد المنتخب اليوغوسلافي المتأهل سلفاً وتمنح المقعد لمنتخب الدنمارك الذي شارك بدلاً منها وتوّج بالبطولة في واحدة من أغرب مفارقات التاريخ.
  1. إندونيسيا 2023: السياسة تلتهم التنظيم

ولأن النفاق الرياضي لا ينتهي شهد عام 2023 سحب الفيفا تنظيم كأس العالم للشباب من إندونيسيا.
والسبب؟
رفض سياسي وشعبي داخلي لاستقبال منتخب إسرائيل على الأراضي الإندونيسية تضامناً مع فلسطين.

هنا تذكرت الفيفا فجأة شعار “فصل السياسة عن الرياضة” وعاقبت الدولة المضيفة وحرمتها من حلمها الرياضي لأنها تجرأت وعبرت عن موقف أخلاقي لا يروق للقوى المهيمنة.

إن مقولة “فصل السياسة عن الرياضة” ليست سوى أداة مرنة وممسحة قذرة تستخدمها المنظمات الرياضية الدولية للهروب من اتخاذ مواقف أخلاقية حقيقية عندما يكون الضحية عربياً أو أفريقياً أو خارج حسابات القوى العظمى.

يرفع هذا الشعار كالسيف في وجه الضعفاء ولقى في سلة المهملات فوراً عندما تتقاطع مصالح الدول الكبرى وساسة البيت الأبيض مع اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

إن هذا النفاق المستشري والكيل بمكيالين وتحويل اللعبة إلى مسرح لتمرير الأجندات الغربية وتلميع الطغاة قد أفسد متعة كرة القدم الحقيقية وسلبها براءتها وشغفها. لقد جعلتم من الرياضة ساحة حرب باردة وحولتم الحكام واللجان إلى موظفين لتنفيذ الأوامر الفوقية… ولذلك باسم ملايين العشاق والمحبين للمستديرة حول العالم نصرخ في وجوهكم بمرارة ونقول: لقد تركنا لكم قذارة السياسة بالكامل فأتركونا لنا طهر كرة القدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *