رئيس التحرير

شيركو حبيب صفحات دامية من تاريخ العراق المعاصر

الخميس 30-07-2026 16:46

لا تقتصر أهمية هذه قضية أنفلة البارزانيين على تذكير بالشهداء أو عدد الضحايا الذين فقدوا حياتهم أو اختفوا قسرًا، بل تمتد إلى أبعد من ذلك كونها نموذجًا للسياسات الشوفينية التي اتبعتها الأنظمة العراقية ضد الشعب الكوردي، و تجاه المناطق الكوردية، والتي قامت على التهجير القسري، والاعتقالات الجماعية،والاعدامات، وتقييد الحريات، واستخدام القوة الأمنية ضد جماعات مدنية بأكملها.

لقد أصبحت مأساة البارزانيين جزءًا من الذاكرة التاريخية العراقية والكوردية منذ القرن الماضي، حيث منطقة بارزان معروفة بالوطنية و التنوع الديني و التسامح.

ارتبطت منطقة بارزان، الواقعة شمال محافظة أربيل، بتاريخ الحركة القومية الكوردية في العراق منذ منتصف القرن العشرين، إذ كانت مركزًا مهمًا للحركة التي قادها شيخ عبدالسلام بارزاني و الذي دفع حياته ثمنا للمطالب القومية، حيث أعدمته السلطات العثمانية، ومن ثم شقيقه الشيخ أحمد بارزاني مع الزعيم الكوردي ملا مصطفى بارزاني الخالد، اللذان لعبا دورًا بارزًا في تاريخ القضية الكوردية في العراق.

و لمنطقة بارزان نهج ثابت حول حقوق الانسان و المساواة و العدالة و حقوق المراءة و حقوق البئية و الحيوان، يسمى بنهج بارزان الذل عمل به قبل أكثر من قرن قبل وجود الأمم المتحدة و المنظمات التي تدعي حقوق الإنسان و المساواة.

أقدمت الأنظمة العراقية منذ احتلال العراق من قبل الإنجليز على حرق بارزان ١٤ مرة معاقبة على مواقفهم الوطنية الثابتة، و رغم كل العواقب و الجرائم التي ارتكبت منطقة بارزان و سكانها إلا أنها أصرت على موقفها الثابت و أصبحت و لاتزال مركزا و منبعا للحرية و الديمقراطية و التسامح و العيش المشترك.

وبعد انهيار الثورة الكوردية عام 1975 إثر اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، بدأت الحكومة العراقية بتنفيذ سياسات هدفت إلى إحكام السيطرة على المناطق الكوردية. وشملت هذه السياسات تهجير السكان من قراهم، وتدمير العديد من المناطق الريفية، وإنشاء مجمعات سكنية خاضعة للرقابة الأمنية، فضلًا عن فرض إجراءات أمنية مشددة على السكان.

ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، ازدادت حساسية مناطق كوردستان بالنسبة للنظام العراقي، وأصبحت الإجراءات الأمنية أكثر قسوة بحجة مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

لا يمكن فهم قضية أنفال البارزانيين بمعزل عن السياسات التي اتبعها النظام العراقي السابق تجاه شرائح مختلفة من المجتمع الكوردي. فقد سبقت حملة عام 1983 إجراءات واسعة استهدفت الكورد الفيليين منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين وبداية الثمانينيات، تمثلت في إسقاط الجنسية العراقية عن أعداد كبيرة منهم، وترحيلهم قسرًا إلى خارج البلاد، ومصادرة ممتلكاتهم، واعتقال وإخفاء العديد من شبابهم.

وتوضح هذه الأحداث أن السياسات التي اتبعت تجاه الكورد لم تكن مقتصرة على منطقة واحدة أو جماعة محددة، بل اتخذت أشكالًا متعددة وفق الظروف السياسية والأمنية لكل مرحلة.

ففي الوقت الذي استهدفت فيه حملة عام 1983 أبناء بارزان بالاعتقال الجماعي والإخفاء القسري، تعرض الكورد الفيليون لسياسات التهجير

في 31 تموز/يوليو 1983،الصيف الحار في الصبيحة عندما كان الناس ينهمكون بالذهاب الى بيوت الله المساجد لأداء صلاة الصبح، نفذت الأجهزة الأمنية العراقية حملة اعتقالات واسعة ضد أبناء عشيرة بارزان المقيمين في المجمعات السكنية التي أُجبروا على الانتقال إليها بعد تهجيرهم من مناطقهم الأصلية.

وشملت الحملة الرجال والفتيان بصورة خاصة، حيث جرى فصلهم عن النساء والأطفال، ثم نقلهم بواسطة القوات الأمنية إلى أماكن مجهولة دون توجيه تهم رسمية أو إجراء محاكمات قانونية.

وتشير العديد من الدراسات والوثائق إلى أن عدد الذين اعتُقلوا خلال هذه الحملة بلغ نحو ثمانية آلاف رجل وفتى. وقد بقي مصيرهم مجهولًا لسنوات طويلة، إلى أن كشفت عمليات البحث بعد عام 2003 عن مقابر جماعية في مناطق مختلفة من العراق، تضمنت رفات عدد من الضحايا.

أن حملة أنفال البارزانيين جاءت نتيجة مجموعة من العوامل السياسية والأمنية، من أبرزها:

ارتباط منطقة بارزان تاريخيًا بالحركة الكوردية.

محاولة القضاء على أي قاعدة اجتماعية يمكن أن تدعم المعارضة.

فرض السيطرة الأمنية الكاملة على المناطق الكوردية.

استخدام الاعتقالات الجماعية كوسيلة للردع السياسي.

وبذلك، لم تكن الحملة مجرد إجراء أمني محدود، بل جاءت ضمن سياسة أوسع اعتمدت على معاقبة جماعات مدنية بسبب هويتها القومية وارتباطاتها الاجتماعية والسياسية.

إن ما تعرض له البارزانيون عام 1983 شكّل مرحلة مبكرة ضمن سلسلة السياسات التي بلغت ذروتها في حملة الأنفال بين عامي 1987 و1988.

وقد تشابهت الحملتان في عدد من الأساليب، مثل الاعتقال الجماعي، والإخفاء القسري، والتهجير، وتدمير القرى، والإعدامات الجماعية. إلا أن حملة الأنفال اللاحقة كانت أوسع نطاقًا من حيث المناطق المستهدفة وعدد الضحايا، كما ارتبطت باستخدام الأسلحة الكيميائية في بعض المناطق، ولا سيما مدينة حلبجة عام 1988.

تمثل أنفال البارزانيين واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ العراق المعاصر، لما شهدته من اعتقال جماعي وإخفاء قسري أدى إلى فقدان آلاف المدنيين لحياتهم.

إن دراسة هذه القضية لا تهدف إلى إعادة إنتاج آلام الماضي، بل إلى فهم التاريخ واستخلاص الدروس منه، وتعزيز قيم العدالة والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.

فحفظ ذاكرة الضحايا، والكشف عن الحقيقة، وإنصاف المتضررين، ليست مسؤولية تجاه الماضي فقط، بل هي شرط أساسي لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *