رئيس التحرير

شيركو حبيب يكتب : دعوات إلغاء المادة (140) بين الجهل الدستوري والخطاب السياسي

الخميس 06-08-2026 15:37

المادة الدستورية هي نص مكتوب داخل الدستور يضع قاعدة أو حكمًا قانونيًا ينظم أمرًا من أمور الدولة، مثل نظام الحكم، صلاحيات السلطات، حقوق المواطنين، أو تنظيم علاقة الدولة بالأقاليم والمحافظات.

وتختلف المادة الدستورية عن المادة الموجودة في القانون العادي بأن المادة الدستورية تكون جزءًا من الدستور، وهو أعلى قانون في الدولة،
لا يجوز مخالفتها بقانون عادي، ويحتاج
تعديلها أو إلغاؤها إلى إجراءات خاصة منصوص عليها في الدستور نفسه.

بين حين وآخر؛ نسمع البعض يغردون خارج السرب حول مصير المادة ١٤٠ من الدستور العراقي الدائم، وتكرار الزعم بأن المادة قد ألغيت، و تصريحات من هذا النوع دون أي علم قانوني أو دستوري، منطلقين من حقد شوفيني لا يخدم الوحدة الوطنية و التعايش بين المكونات المختلفة في العراق.

إن تغيير أي مادة دستورية تختلف عن تغيير مادة قانونية، وتختلف بنوعية الدستور ذاته، فهناك مواد دستورية جامدة أو مواد مرنة، حسب الدستور، والمادة ١٤٠ من الدستور العراقي من المواد الجامدة، أي حتى البرلمان لا يستطيع تغييرها، بل يمكن تعديلها المادة أو طلب إلغائها بشرط أن يتم طرحها على الشعب للاستفتاء وتمرير هذا التعديل برغبة أكثرية الشعب.

وإلغاء الدستور يتم بطرح دستور جديد على الشعب للاستفتاء، أو إعلان دستوري بعد انقلاب عسكري يتم معه تعطيل الدستور، أو إقرار دستور مؤقت لحين تشكيل جمعية تأسيسية لإقرار دستور جديد وطرحه للاستفتاء، هكذا الدول الديمقراطية التي تقول بأن الدستور أولا، ومن بعده يحضر انتخاب البرلمان وفقا لمواد هذا الدستور.

إن من يدعون بأن المادة ١٤٠ قد ألغيت بسبب عدم تنفيذها في موعدها يرددون كلاما لا أساس له، لأن المادة دستورية، أي غير مشروطة التطبيق بمدة زمنية محددة ملزمة.

والمادة ١٤٠ لو تم تطبيقها فهي تحقق مصلحة العراقيين و ليس الكورد فقط، لأن هذه المادة مفتاح لحل الخلافات الجذرية بين بغداد و أربيل، وكذلك حل الخلافات بين المحافظات مثل الرمادي، والسماوة، والنجف ، وديالى.

وأصبحت الدعوة إلى إلغاء المادة (140) من الدستور العراقي تتكرر في الخطاب السياسي والإعلامي، دون أن تستند في كثير من الأحيان إلى فهم صحيح لأحكام الدستور وآليات تعديله. والأسوأ من ذلك أن البعض يذهب إلى الادعاء بأن المادة “انتهت” أو “سقطت” بانتهاء المدة المحددة لتنفيذها، وهو استنتاج لا ينسجم مع المبادئ الدستورية ولا مع اجتهادات المحكمة الاتحادية العليا.

إن أول ما يتعلمه من يدرس الدستور هو أن النص الدستوري لا يفقد قوته القانونية بمجرد عدم تنفيذه أو بانتهاء مدة وردت فيه، وإنما يبقى نافذًا إلى أن يُعدَّل أو يُلغى وفق الإجراءات التي رسمها الدستور نفسه. فلا التصريحات السياسية، ولا الرغبات الحزبية، ولا القوانين العادية، تملك سلطة إلغاء نص دستوري.

ولهذا السبب، حسمت المحكمة الاتحادية العليا هذا الجدل بقرارها رقم 71/اتحادية/2019، عندما أكدت بوضوح أن المادة (140) ما زالت سارية ونافذة، وأن الموعد المحدد لتنفيذها كان موعدًا تنظيميًا لحث الجهات المختصة على التنفيذ، ولا يؤدي انقضاؤه إلى سقوط النص أو زوال أثره الدستوري. كما قررت أن المادة تبقى قائمة.

ومن هنا، فإن من يطالب بإلغاء المادة (140) عليه أولًا أن يوضح الأساس الدستوري الذي يستند إليه. فالدستور العراقي لم يمنح أي جهة صلاحية إلغاء مادة دستورية بقرار سياسي أو إعلامي، وإنما حدد في المادة (126) إجراءات دقيقة لتعديل الدستور، وهي إجراءات ملزمة لا يمكن تجاوزها تحت أي ظرف.

ولا خلاف على أن من حق أي مواطن أو حزب أو تيار سياسي أن يطالب بتعديل المادة (140) أو حتى بإلغائها، فهذا حق يكفله النظام الديمقراطي، لكن الفرق كبير بين المطالبة بالتعديل، وهي ممارسة سياسية مشروعة، وبين الادعاء بأن المادة ملغاة، وهو ادعاء يفتقر إلى السند الدستوري والقضائي.

إن احترام الدستور لا يكون بانتقاء النصوص التي توافق التوجهات السياسية، بل بالالتزام بمبدأ سمو الدستور وسيادة القانون، وإذا أصبح إلغاء النصوص الدستورية يتم بالتصريحات أو الأمنيات، فإن ذلك يهدم فكرة الدولة الدستورية من أساسها.

لقد رسم الدستور العراقي طريقًا واضحًا لتعديل أحكامه في المادة (126)، وهو طريق لا يمكن تجاوزه بالتصريحات السياسية أو القوانين العادية أو التفسيرات الشخصية، ومن ثم، فإن الحديث عن “إلغاء” المادة (140) دون استكمال إجراءات التعديل الدستوري يبقى حديثًا سياسيًا لا يُنتج أي أثر قانوني.

كما أن المحكمة الاتحادية العليا في العراق أكدت في أكثر من مناسبة أن المادة (140) ما زالت نافذة، وأن عدم تنفيذها ضمن السقف الزمني المحدد لا يؤدي إلى سقوطها أو فقدانها لقوتها الدستورية، لأن الالتزامات المترتبة عليها تعد مسؤولية واضحة للبرلمان والحكومة.

إن النقاش حول المادة (140) ينبغي أن يكون نقاشًا قانونيًا ودستوريًا، لا قائمًا على الانطباعات أو الأمنيات السياسية، فاحترام الدستور لا يكون باختيار المواد التي توافق مواقفنا وإهمال غيرها، وإنما بالالتزام بجميع نصوصه، أو السعي إلى تعديلها عبر الوسائل التي رسمها الدستور ذاته.

ويبقى الفيصل في الدولة الدستورية هو النص والإجراءات القانونية، لا الخطاب السياسي، ومن يريد إلغاء المادة (140)، فليتجه إلى الطريق الذي حدده الدستور، لا إلى إطلاق تصريحات توحي بإلغاء لم يقع أصلًا، فالدستور ليس بيانًا سياسيًا يمكن تجاوزه بتصريح إعلامي، ولا وثيقة تتغير أحكامها بتبدل المواقف. إنه القانون الأعلى في الدولة، ولا يجوز تعطيل نصوصه أو إلغاؤها إلا بالطريقة التي رسمها الدستور نفسه.

إن انتهاء الموعد الذي حددته المادة (140) لتنفيذ مراحلها الثلاث لا يعني زوالها من الدستور، لأن انتهاء المدة يختلف قانونًا عن إلغاء النص. فالمادة ما زالت قائمة ضمن الدستور العراقي، ولم يصدر أي تعديل دستوري يقضي بحذفها أو إلغائها، ومن ثم، فإن القول بأنها “ملغاة” هو قول يفتقر إلى السند الدستوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *