رئيس التحرير

الدكتورة منى حنا عياد تكتب : تحولات جذرية ونظرة مستقبلية للمؤسسات الطبية

السبت 08-08-2026 16:00

بقلم  / دكتورة منى حنا عياد

من المنصف جداً أن نرى أن الدولة المصرية، في خططها الاستراتيجية لتطوير القطاع الصحي — وعلى رأسها التوسع المتدرج في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل — تبنت هذا التوجه مبكراً فالهدف لم يكن مجرد بناء مستشفيات جديدة أو زيادة التغطية المالية، بل كان في المقام الأول وضع معايير صارمة للجودة والهيئة العامة للرقابة والاعتماد الصحي (GAHAR)، لضمان ألا تذهب أجهزة الدولة ومواردها إلا للخدمة التي تحقق أثراً ملموساً في صحة المواطن. إن الدولة عندما تضع معايير الحوكمة والرقابة الرقمية على الأداء الطبي، فهي بذلك تضع اللبنات الأولى لربط التمويل بالنتائج (Outcome-Based Financing). هذا التوجه يستهدف صيانة المال العام من الهدر في الفحوصات غير الضرورية أو الإقامات الممتدة دون داعٍ، وتوجيه كل جنيه نحو الخدمة التي تصنع فارقاً حقيقياً في حياة المواطن. مسؤولية مشتركة بين القطاعين العام والخاص إن نجاح هذا التحول لا يقع على عاتق الدولة وحدها، بل هو تكامل استراتيجي بين القطاعين الحكومي والخاص فالقطاع الخاص، بوصفه شريكاً أساسياً في تقديم الخدمة الصحية، مطالب اليوم بإعادة ضبط بوصلته التحفيزية؛ فتكون ربحيته مستدامة وقائمة على رضا المريض ونسبة شفائه وتراجع مضاعفاته، بدلاً من الاعتماد على تضخيم الفواتير وتكرار الفحوصات. وفي المقابل، فإن دعم هذا التحول يتطلب من الجهات التنفيذية والتشريعية الاستمرار في مطابقة آليات التسعير والتعاقد مع المستشفيات والعيادات لتشجيع الرعاية الوقائية وإدارة الأمراض المزمنة قبل تفاقمها. نحو مستقبل صحي مستدام إن الرهان الحقيقي للقطاع الصحي في المرحلة المقبلة ليس في ضخ المزيد من الأموال فحسب، بل في ذكاء إدارة هذه الأموال. التحول نحو “الرعاية القائمة على القيمة” هو الخيار المتزن الذي يحفظ للدولة استدامة مواردها المالية، ويمنح القطاع الخاص بيئة عمل تنافسية عادلة قائمة على التميز والجودة، ويضمن للمواطن المصري حقه الأصيل في رعاية صحية إنسانية، متكاملة، وقادرة على حماية جودة حياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *