رئيس التحرير

نانسي شاكر تكتب : من قصر عابدين إلى قلوبهن: كيف نغرس حب الوطن؟

الخميس 20-08-2026 11:37

بقلم: نانسي شاكر

منذ عام تقريباً، قمت أنا وأسرتي بزيارة قصر عابدين الملكي، وكانت فرصة رائعة لبناتي لمشاهدة رمز من رموز مصر، ليس فقط لقيمته المعمارية، ولكن لأنه ارتبط بمرحلة مهمة في تاريخ مصر الحديث. شاهدت بناتي قصراً يضم أكثر من ٥٠٠ غرفة، وقمن بزيارة متحف الأسلحة، ومتحف الفضيات، ومتحف الوثائق التاريخية، وقاعة النياشين والأوسمة، ومتحف الهدايا الرئاسية وغيرها، كما قمن باللهو واللعب في حدائق القصر.

استمعن بحرص شديد إلى شرح المرشد السياحي، الذي حرص على استخدام لغة عربية بسيطة تتوافق مع أعمارهن، وأصررن على توجيه أسئلتهن إليه حينما تعذر عليهن الفهم. كنت في قمة سعادتي أنا وزوجي ونحن نراهن حريصات على فهم أحداث وقعت منذ أكثر من مائة عام. واستمتعت كثيراً بسماع تعليقاتهن على مجوهرات وحُلي الملكات، ورأيهن في عربات الخيول الخاصة بالملوك، والهدايا التي استقبلها ملوك ورؤساء مصر من الخارج على مدار العقود.

فرحت بخيالهن الواسع، وقدرتهن على استيعاب قصص عن جيوش مصر وبسالتها. رأيتهن وهن فخورات بمصريتهن، حتى وإن كان هذا الفخر ممزوجاً بالبراءة والعفوية والكثير من اللاوعي. فزيارة مكان مثل قصر عابدين معهن لم تكن مجرد نزهة، وإنما كانت وسيلة عملية لتعريفهن بتاريخ وطنهن، وشخصياته وأحداثه السياسية، وتراثه المعماري، وتحويل تاريخه من معلومات في الكتب إلى تجربة حية وملموسة. لم تنس بناتي هذا اليوم على الإطلاق، فقد نقش بمهارة في قلوبهن قبل عقولهن.

غرس حب الوطن فيهن هدف أساسي لم ولن نتغافل عنه، وانتماؤهن لوطنهن وتفاصيله غاية لا يمكن الانشغال عنها. فإننا نؤمن بأن جزءاً كبيراً من قوتهن يُستمد من قوة الوطن، وليس فقط من قوتهن الفردية.

ومن هنا وجب التأكيد علي أهمية دور الأسرة – كمؤسسة اجتماعية أولي – في تعزيز الهوية الثقافية والانتماء الوطني كموضوع من أبرز وأهم الموضوعات في علم الاجتماع، لأنه يركز على كيفية إسهام الأسرة في بناء شخصية الفرد وربطه بمجتمعه ووطنه وغرس قيم المواطنة والمسؤولية والاحترام والتعاون، وتعريف الأبناء بحقوقهم وواجباتهم تجاه مجتمعهم. فالهوية الثقافية هي كل ما نمتلكه من قيم وعادات وتقاليد ولغة ودين ومعتقدات سائدة.

وفي ظل التغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الكبير على ثقافات مختلفة، أصبحت الأسرة تواجه تحدياً مهماً يتمثل في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على الآخر. فالحفاظ على الهوية لا يعني رفض الثقافات الأخرى أو الانغلاق عنها، كما أن تقبل الثقافات الأخرى وتفهمها لا يعني رفض الفرد لهويته الثقافية أو النفور منها، وإنما يعني أن يكون الفرد قادراً على التعرف إلى ثقافته والاعتزاز بها، وفي الوقت نفسه احترام التنوع الثقافي وقبول الاختلاف.

واستناداً لما سبق، فإن الأسرة الواعية تستطيع أن تؤدي دوراً محورياً في حماية الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء الوطني من خلال الحوار مع الأبناء، والاحتفال بالمناسبات الوطنية، وتعريفهم بتاريخ وطنهم وتراثه، وتشجيعهم على المشاركة الإيجابية في المجتمع. فكلما شعر الفرد بأنه جزء من أسرته ومجتمعه، زادت لديه مشاعر الانتماء، وأصبح أكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمع متماسك يحافظ على هويته وينفتح في الوقت نفسه على العالم.

دُمتهم وفيين لأوطانكم .. صادقين في حب مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *