شيركو حبيب يكتب : بغداد وأربيل.. حين يكون الدستور أقوى من الخلاف
السبت 22-08-2026 15:02
بقلم : شيركو حبيب
كلما عادت الخلافات بين بغداد وأربيل إلى الواجهة، أشعر أن العراق يعيد فتح ملفًا كان يفترض أن يكون قد حُسم منذ سنوات، لا لأن الاختلاف بين الطرفين أمر غير طبيعي، بل لأن استمرار الخلافات بالطريقة نفسها يعني أن العلاقة بين المركز والإقليم ما زالت تُدار بمنطق الأزمة، وليس بمنطق الدولة.
العلاقة بين بغداد وأربيل ليست علاقة مؤقتة تتغير مع تغير الحكومات أو التحالفات السياسية، وليست ملفًا يُفتح عندما تظهر أزمة حول النفط أو الموازنة والرواتب، ثم يُغلق باتفاق سياسي مؤقت. هذه العلاقة جزء أساسي من شكل الدولة العراقية نفسها، ومن طبيعة العراق الذي اختار بعد عام 2003 أن يكون دولة اتحادية تعترف بإقليم كوردستان وحقوقه وصلاحياته الدستورية.
ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة العلاقة إلى منطق المركزية أو التعامل مع الإقليم باعتباره ملفًا أمنيًا أو سياسيًا عابرًا، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات التي عرفها العراق في الماضي.
وفي المقابل، فإن الإطار الاتحادي لا يعني أن تكون العلاقة بين بغداد وأربيل قائمة على المطالب فقط، فكما أن للإقليم حقوقًا دستورية، عليه أيضًا واجبات ومسؤوليات تجاه الدولة العراقية، وكما أن بغداد تطالب بالإيرادات والالتزامات، عليها أن تلتزم في الوقت نفسه بالحقوق والصلاحيات التي منحها الدستور للإقليم، هذه ليست معادلة صعبة:
الحقوق تقابلها مسؤوليات، والصلاحيات تقابلها التزامات، والدستور يجب أن يكون فوق الجميع، المشكلة الحقيقية أن هذا المبدأ لم يتحول حتى الآن إلى قاعدة ثابتة تحكم العلاقة بين الطرفين.
كل أزمة تعيدنا إلى النقطة نفسها: النفط، الموازنة، الرواتب، الإيرادات، الصلاحيات، الأمن، كركوك، والمناطق المتنازع عليها. وبعد كل أزمة تبدأ المفاوضات من جديد، وكأن العراق لا يملك دستورًا ولا مؤسسات ولا قوانين يمكن الرجوع إليها.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا: إلى متى؟
إلى متى تبقى رواتب الموظفين مرتبطة بالخلافات السياسية؟
وإلى متى يبقى النفط سببًا للتوتر بدل أن يكون موردًا اقتصاديًا لجميع العراقيين؟
وإلى متى تبقى العلاقة بين بغداد وأربيل رهينة لتغير الحكومات والتحالفات؟
المواطن هو الذي يدفع الثمن في النهاية.
الموظف في أربيل أو السليمانية أو دهوك لا علاقة له بالخلافات السياسية، كما أن المواطن في بغداد أو البصرة أو الموصل لا يجب أن يتحمل نتائج الصراع السياسي بين القوى المختلفة، الراتب ليس ورقة سياسية، وحقوق المواطنين ليست أداة للتفاوض.
النفط والمال ليسا أصل المشكلة
أصبح النفط عنوانًا دائمًا للخلاف بين بغداد وأربيل، كما أصبحت الموازنة والإيرادات والرواتب جزءًا من التجاذب السياسي. لكنني أعتقد أن اختزال العلاقة بين الطرفين في هذه الملفات يضيّع أصل المشكلة، المشكلة ليست النفط وحده، وليست الأموال وحدها، وإنما غياب اتفاق مؤسساتي مستقر وواضح يحدد العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان بصورة نهائية، وبما يمنع عودة الخلافات نفسها كل عام، عندما تكون القواعد واضحة، يصبح النفط ملفًا اقتصاديًا وقانونيًا يمكن تنظيمه، وعندما تكون العلاقة المالية واضحة، تصبح الموازنة مسألة مؤسساتية وليست وسيلة للضغط، وعندما تكون حقوق الموظفين واضحة، لا يعود راتب المواطن رهينة للخلاف السياسي، العراق لا يحتاج إلى اتفاق جديد بعد كل أزمة، بل يحتاج إلى اتفاق مؤسساتي وقانوني يحمي العلاقة من الأزمات أصلًا.
لا بغداد تنتصر على أربيل ولا أربيل تنتصر على بغداد
من أكثر الأخطاء التي أضرت بالعلاقة بين الطرفين النظر إليها بمنطق المنتصر والخاسر، لا يمكن أن يكون استقرار بغداد انتصارًا على أربيل، ولا يمكن أن يكون استقرار أربيل انتصارًا على بغداد.
بغداد وأربيل ليستا دولتين متصارعتين، وإنما عاصمتان ضمن دولة اتحادية واحدة، ولكل منهما مؤسساتها وصلاحياتها ومسؤولياتها، قوة بغداد لا تحتاج إلى إضعاف أربيل، وقوة أربيل لا تحتاج إلى إضعاف بغداد، بل على العكس تمامًا، العراق يحتاج إلى إقليم كوردستان مستقر وقوي سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وإقليم كوردستان يحتاج إلى عراق مستقر وقوي يحترم الدستور ويحمي حقوق مواطنيه ومكوناته، ومن الخطأ أن يتحول الخلاف السياسي إلى محاولة لإضعاف الطرف الآخر، لأن إضعاف أحدهما لا يؤدي إلا إلى إضعاف الدولة العراقية كلها.
البيشمركة ليست ورقة للمساومة
ومن الملفات التي يجب أن تُعالج بعيدًا عن الحسابات السياسية ملف قوات البيشمركة، البيشمركة جزء من تاريخ كوردستان والعراق، وقد أثبتت دورها في مواجهة الإرهاب والدفاع عن العراق، خصوصًا في السنوات التي واجه فيها العراقيون أخطر تهديد إرهابي في تاريخ الدولة الحديثةن ولهذا فإن التعامل مع البيشمركة يجب أن يكون من خلال الدستور والقانون والمؤسسات، وليس من خلال التصريحات السياسية أو التوصيفات الإعلامية.
البيشمركة قوات تابعة لمؤسسات إقليم كوردستان ووزارة البيشمركة، ومعالجة وضعها وعلاقتها بالمنظومة الأمنية العراقية يجب أن تقوم على أساس مهني ودستوري واضح، يضمن التنسيق والتكامل ويحافظ في الوقت نفسه على خصوصية الإقليم ومؤسساته، العراق اليوم لا يحتاج إلى صراع بين مؤسساته الأمنية، بل يحتاج إلى تعاونها، والتنسيق أقوى من المواجهة، والتكامل أقوى من التنافس.
كركوك لا تُحل بمنطق القوة
أما كركوك والمناطق المتنازع عليها، فهي من أكثر الملفات حساسية في العراق، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع، هذه المناطق ليست مجرد أراضٍ متنازع عليها على الخريطة، وإنما يعيش فيها مواطنون من مكونات وقوميات متعددة، ولهم تاريخ وحقوق ومخاوف وتطلعات، ولهذا فإن الحل لا يمكن أن يكون أمنيًا فقط، ولا يمكن أن يُفرض من طرف على طرف آخر، الحل يجب أن يكون سياسيًا ودستوريًا، وأن يحفظ حقوق جميع المكونات ويمنح السكان الأمن والاستقرار، بعيدًا عن سياسات التهميش والإقصاء والتغيير القسري.
العراق دفع ثمنًا باهظًا بسبب سياسة فرض الأمر الواقع، وليس من الحكمة أن يعيد إنتاج التجربة نفسها.
بغداد وأربيل بحاجة إلى اتفاق لا يسقط بتغير الحكومة
ما تحتاجه العلاقة بين بغداد وأربيل اليوم ليس اجتماعًا جديدًا ينتهي بتفاهم مؤقت، ولا اتفاقًا سياسيًا يعيش بقدر عمر الحكومة، العلاقة تحتاج إلى اتفاق واضح وطويل الأمد، يستند إلى الدستور والقانون، ويحدد الحقوق والواجبات والصلاحيات والمسؤوليات، ويمنع استخدام الملفات الاقتصادية والمالية والسياسية كوسائل للضغط ويجب أن تكون هناك شفافية في الإيرادات والإنفاق، ووضوح في المسؤوليات، وآليات قانونية لحل الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية.
الدستور العراقي موجود، والمحكمة الاتحادية موجودة، والمؤسسات موجودة، والقنوات السياسية موجودة، ما ينقصنا ليس النصوص فقط، وإنما الإرادة السياسية لاحترامها وتطبيقها بصورة عادلة على الجميع.
لا نريد عراقًا يعود إلى المركزية
من الخطأ الاعتقاد أن بناء دولة عراقية قوية يعني إعادة العراق إلى المركزية التي حكمته لعقود.
العراق القوي ليس العراق الذي تفرض فيه جهة واحدة إرادتها على الجميع، وإنما العراق الذي يشعر فيه كل مكون أن حقوقه مصانة داخل الدولة، وأن القانون فوق الجميع.
والفيدرالية ليست تهديدًا لوحدة العراق.
الفيدرالية، إذا طُبقت بصورة صحيحة، يمكن أن تكون وسيلة لحماية وحدة العراق من خلال الاعتراف بتنوعه وإدارة هذا التنوع ضمن الدستور، ولهذا فإن حماية الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان ليست ضد وحدة العراق، كما أن مطالبة الإقليم بالالتزام بواجباته ليست ضد حقوقه.
المطلوب هو دولة تحترم الاثنين معًا.
العراق أكبر من خلاف بغداد وأربيل
أنا لا أعتقد أن العراق يستطيع بناء مستقبل مستقر إذا بقيت العلاقة بين بغداد وأربيل أسيرة الخلافات المتكررة، ولا أعتقد أن إقليم كوردستان يستطيع حماية مصالحه على المدى البعيد من خلال اتفاقات مؤقتة تتغير بتغير الظروف السياسية، كلا الطرفين يحتاج إلى الآخر، وهذه ليست مجاملة سياسية، بل حقيقة جغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية.
بغداد تحتاج إلى أربيل، وأربيل تحتاج إلى بغداد، والعراق يحتاج إلى كوردستان مستقرة، وكوردستان تحتاج إلى عراق مستقر، لهذا يجب أن تتوقف لغة «المركز ضد الإقليم» و«الإقليم ضد المركز»، وأن تحل محلها لغة الدولة والشراكة والدستورن ولا يعني ذلك أن تختفي الخلافات. الخلاف طبيعي، بل هو جزء من الحياة السياسية، لكن الخلاف يجب أن يبقى داخل المؤسسات، والحوار يجب أن يؤدي إلى اتفاق، والاتفاق يجب أن يتحول إلى قانون، والقانون يجب أن يُطبق على الجميع، أما أن تبقى كل أزمة بداية لخلاف جديد، فهذا يعني أننا لم نتعلم شيئًا من السنوات الماضية.
وأخيرًا
بغداد وأربيل لا تحتاجان إلى مزيد من الأزمات، ولا إلى مزيد من الخطابات المتبادلة، ولا إلى اتفاقات مؤقتة تنتهي بانتهاء الظروف التي أنتجتها، تحتاجان إلى شراكة حقيقية، وإلى احترام متبادل، وإلى إرادة سياسية تجعل الدستور مرجعًا دائمًا لا خيارًا سياسيًا، وإذا كانت بغداد تريد عراقًا قويًا وموحدًا، فعليها أن ترى في إقليم كوردستان شريكًا دستوريًا لا عبئًا سياسيًا.
والأهم من هذا كله أن تكون هناك مسافة واضحة بين القرار العراقي وبين أي تدخل أو أجندة خارجية، فالعلاقة بين بغداد وأربيل يجب أن تُبنى بإرادة عراقية، وأن تُحل خلافاتها داخل العراق، لا أن تصبح جزءًا من صراعات المنطقة وحساباتها، و العراق لا يحتاج إلى طرف ينتصر على طرف، بل إلى دولة ينتصر فيها الجميع.
هذه هي الشراكة التي نحتاجها.
بغداد قوية بدستورها، وأربيل قوية بحقوقها، والعراق قوي بوحدة مؤسساته وشراكتهن وعندما يصبح الدستور هو الحكم، والقانون هو المرجع، والمواطن هو الأولوية، لن تعود الخلافات بين بغداد وأربيل تهديدًا للدولة، بل ستصبح اختلافات سياسية طبيعية داخل دولة اتحادية ناضجة.


اترك تعليقاً