رئيس التحرير

عبد المجيد محمد الشوربجي يكتب : قضايا وتحليلات مجتمعية صناعة التفاهة وتغييب الوعي الجمعي كيف يتهدد الأمن القومي عندما يصبح «اللاشيء» هو كل شيء؟

الجمعة 28-08-2026 20:45

بقلم: عبد المجيد محمد الشوربجي
قراءة تحليلية في الهرم الاجتماعي والوعي الوطني
هل التفاهة والتافهون مجرد ظاهرة عابرة فرضتها التطورات التكنولوجية، أم أنها صناعة ممنهجة ومحبوكة؟ الحقيقة الصارخة أننا أمام صناعة متكاملة الأركان، لها مدخلاتها وعملياتها ومخرجاتها المحسوبة، تهدف إلى تقدير السطحية وإبراز الهامش كمكون سائد وناجح وقدوة يُحتذى.
إن جوهر هذه الصناعة الخطيرة يكمن في تعظيم قيمة «اللاشيء» ليصبح هو كل شيء. يجري ذلك من خلال تحويل كل ما هو سطحي وهامشي وتافه في المجتمع — سواء أكانوا أشخاصًا أم محتوى أم قضايا — إلى مادة واسعة الانتشار، مع التعمد الكامل لتغليب السطحية على القضايا الجوهرية، والتقليل المستمر من قيمة العلم والعلماء والثقافة والعمل الجاد.
آلية العمل: تهميش الكفاءات وترميز الهامشيين
في منظومة «صناعة التفاهة»، يتم بشكل ممنهج تهميش ذوي الكفاءة والفكر الحقيقي لصالح صناع المحتوى السطحي والمحتوى السريع والإثارة الرخيصة. تترافق هذه العملية مع تغييب وعي الواقع وإبراز الشخصيات التافهة وتقديمها للرأي العام في قالب «الكاريزما» وقالب «النجاح» و«القدوة».
خطر القدوة البديلة:
بينما تُنسى النماذج الملهمة الحقيقية كالعالم والمفكر والطبيب والمهندس ورجل الأعمال ويتم تغييبهم عن المشهد، يجري في المقابل ترميز الشخصيات الهامشية وجعلهم رموز المجتمع الجديدة، مما يشكل تصادمًا صارخًا مع جهود المنظومة الإعلامية الوطنية والجادة التي تسعى لبناء وعي وطني حقيقي.
ولعل أشد خطورة في هذه الصناعة يتجسد في دورها الرئيسي الذي تلعبه وسائل الإعلام الموازي ومواقع التواصل الاجتماعي وبعض الأعمال الدرامية؛ إذ تعمل هذه الوسائط على إعادة إنتاج وصناعة الوعي الجمعي ولكن بشكل سلبي يُعلي من قيمة المحتوى التافه والتافهين.
انقلاب الهرم الاجتماعي والآثار التدميرية
ينتج عن هذا المسار الممنهج تحول دراماتيكي في بنية المجتمع، حيث يتحول من مجتمع منتج يعتمد على العمل والعلم إلى مجتمع مستهلك يلهث خلف المظاهر والتريند والسطحية. هذا التحول يحدث خللًا رهيبًا في أولويات المجتمع وفي سلم القيم، وينعكس مباشرة على الهرم الاجتماعي.
في هذا الهرم المقلوب، ترى الطبيب والمهندس والعالم يقبعون في ذيل القائمة، بينما يتصدر التافهون أعلى الهرم الاجتماعي. ويؤدي ذلك إلى تغلغل السطحية في الوعي الجمعي، وانفصال المجتمع عن قضاياه الجوهرية، مع تراجع قيمة العلم والعلماء، وتقليل دافعية الشباب والنشء تجاه التعليم والمهن الجادة، مما يحدث تغييرًا جذريًا وسلبيًا في البنية الفكرية للمجتمع.
صناعة التفاهة والأمن القومي: الفراغ الفكري كخاصرة رخوة
إن النتيجة الحتمية لهذه الصناعة هي وضعنا أمام جيل من الشباب والنشء يعاني من الهشاشة الفكرية والسطحية الشديدة. وتكمن الخطورة الكبرى في سهولة استقطاب هذا الجيل في اتجاهات ومسارات قد تضر بالأمن القومي المباشر للدولة.
فبدلًا من أن تكون الكتلة الشبابية — وهي الطاقة الحيوية والأهم في المجتمع — خط دفاع أول ومحركًا رئيسيًا للتنمية، تتحول بفعل السطحية إلى نقطة ضعف قابلة يمكن استغلالها من قبل التيارات المتطرفة. إن الفراغ الفكري لدى الشباب يجعلهم صيدًا سهلًا للتصديق بالشائعات، ويعدم قدرتهم على التمييز بين المحتوى والطرح الجاد والمحتوى الهدام، مما يضعف المناعة الفكرية للمجتمع ككل.
خارطة طريق للمواجهة: المشروع الثقافي الوطني
إننا اليوم في حاجة ماسة وأكيدة إلى مشروع ثقافي شامل يعيد مفهوم «النجاح» ومفهوم «القدوة» إلى مكانتهما الطبيعية الأصيلة؛ النجاح والقدوة المرتبطان بالعلم والكفاءة والعمل الجاد والحب الحقيقي للوطن، وإعادة ترتيب الهرم والسلم الاجتماعي المستحق.
مسؤولية المواجهة: تكاتف مؤسسات التنشئة
لمواجهة هذا التحدي المصيري، يبرز الدور الهام والحيوي للأسرة والتوعية الأسرية والمؤسسات التربوية والتعليمية في غرس القيم الحقيقية لدى النشء، كما يقع عبء كبير على مراكز الشباب وأنشطة العمل التطوعي وخدمة المجتمع لتعزيز وعي الشباب بالقضايا الوطنية والتحديات التي تواجه الوطن، وتدريبهم على كيفية مواجهتها بفاعلية.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المحوري والحيوي للأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات تنشئة سياسية وثقافية رئيسية. يتوجب على الأحزاب التصدي لصناعة التفاهة وتسطيح الوعي الجمعي عبر تفعيل الدور التثقيفي والندوات التثقيفية التي تناقش القضايا الجوهرية، وتسليط الضوء حول نماذج النجاح الحقيقية والقدوات الملهمة التي تبني الأوطان وتصون مستقبلها.
إن حماية الوعي الجمعي وإعادة الاعتبار للعلم والكفاءة والعمل الجاد هي معركة وجود وبناء وطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *