رئيس التحرير

د. حنان الشاذلي لـ”مجلة مصر”: الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى نصيحة.. أحيانًا يحتاج فقط إلى من يفهمه

السبت 05-09-2026 16:15

حوار محمد أكسم

أصبحت الضغوط أسرع من قدرتنا على استيعابها، والابتسامة أحيانًا مجرد ستار يخفي وراءه الكثير.. لم يعد القلق في حياتنا المعاصرة مجرد حالة عابرة، ولم تعد الضغوط النفسية حكايات نخفيها خلف أبواب مغلقة, فالعالم الذي منح الإنسان وسائل أكثر للراحة والتواصل، منحه في الوقت نفسه أسبابًا جديدة للتوتر والمقارنة والخوف من المستقبل. وبين إشعار يصل إلى الهاتف، وصورة على مواقع التواصل، وضغط دراسي أو اقتصادي، وخلاف داخل الأسرة، تتراكم أعباء قد لا يراها أحد، لكنها تترك أثرها العميق في الإنسان
وفي قلب هذه المساحة الإنسانية شديدة الحساسية، تأتي الدكتورة حنان الشاذلي استشاري العلاج النفسي وتأهيل مدمنين برؤية لا تتوقف عند أعراض المشكلة، وإنما تحاول الوصول إلى الإنسان الذي يقف خلفها. تفتح د. حنان الشاذلي ملف الإنسان من الداخل، وتبحث عن جذور القلق والخوف والعنف والإدمان قبل أن تتحول إلى أزمات.
فهي تنطلق من قناعة أساسية مفادها أن فهم الإنسان هو البداية الحقيقية لأي تدخل نفسي أو اجتماعي، وأن التعامل مع الألم لا يكون بإصدار الأحكام، وإنما بالإنصات والاحتواء وفهم الأسباب.
ما يميز حديث د. حنان الشاذلي أنها لا تنظر إلى علم النفس باعتباره مجموعة من المصطلحات والنظريات، بل تراه مسؤولية تجاه الإنسان والأسرة والمجتمع. ولذلك تبدو إجاباتها أقرب إلى قراءة عميقة لواقع نعيشه جميعًا, آباء يحاولون فهم أبنائهم، وشباب يخشون المستقبل، وأشخاص يبتسمون بينما يحملون في داخلهم الكثير من الألم، وأسر قد تتحول دون أن تقصد من مساحة للأمان إلى مصدر للضغط.
وفي هذا الجزء من الحوار، نفتح مع د. حنان الشاذلي ملفات تمس حياتنا اليومية بصورة مباشرة؛ لماذا أصبح الإنسان أكثر قلقًا رغم سهولة الحياة؟ وكيف سرقت الهواتف ومواقع التواصل جزءًا من انتباهنا وهدوئنا؟ ولماذا يختبئ الألم أحيانًا خلف ابتسامة؟ وكيف يمكن للأسرة أن تكتشف مبكرًا أن أحد أبنائها يمر بأزمة نفسية؟
كما نتوقف أمام العلاقة بين الآباء والأبناء، وأهمية أن يكون البيت مساحة للأمان النفسي لا للخوف، ونتناول ظاهرة العنف الأسري وتأثيرها في الأطفال، وكيف يمكن للحوار والاحتواء أن يصنعا شخصية أكثر اتزانًا وقدرة على مواجهة الحياة.
ولا يغيب عن الحوار الخوف من المستقبل والمجهول، ذلك الشعور الذي يطارد كثيرًا من الشباب في ظل أسئلة الدراسة والعمل والاستقلال وتكاليف الحياة والمقارنة المستمرة مع الآخرين. وهنا تقدم د. حنان رؤية مهمة المطلوب ليس أن نطلب من الشباب ألا يخافوا، وإنما أن نعلمهم كيف يتعاملون مع الخوف، وكيف يحولون القلق من حالة تشل التفكير إلى دافع للتخطيط والعمل.
الجزء الأول من حوار يكشف أن وراء كثير من المشكلات التي نراها في المجتمع إنسانًا يحتاج إلى أن يُسمع قبل أن يُحكم عليه، وأن الوقاية النفسية تبدأ من البيت، ومن طريقة حديثنا مع أبنائنا، ومن قدرتنا على الاعتراف بمشاعرهم واحترامها

فى البداية نرحب بالدكتورة حنان الشاذلى استشاري العلاج النفسي وتأهيل المدمنين أهلا بكم فى موقع مجلة مصر

القارئ يتساءل.. من هي د. حنان الشاذلي بعيدًا عن الألقاب المهنية والشاشة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب… لأن الإنسان الحقيقى لا تختصره بطاقة تعريف، ولا لقب أكاديمى، ولا ظهور على شاشة.
إنسانة قبل أن أكون أي لقب.. أحب أن أرى الإنسان خلف المشكلة، والوجه الحقيقى خلف القناع، والحكاية التي لا يستطيع صاحبها أن يحكيها. اخترت علم النفس لأننى كنت دائما مؤمنة بأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يخبره ماذا يفعل، بل يحتاج أحيانا إلى من يجلس بجواره ويفهم لماذا يتألم، ولماذا يخاف، ولماذا يغضب، ولماذا يفقد قدرته على الاستمرار.
ومع الوقت، لم يعد علم النفس بالنسبة لي مجرد تخصص أو مهنة. أصبح طريقة أنظر بها إلى الحياة أحاول من خلالها أن أفهم الإنسان في أسرته، ومجتمعه، وثقافته، وعلاقاته، وفي لحظات ضعفه وقوته.
أحب العمل مع الناس… لا من موقع الأستاذ الذي يعرف كل شيء، وإنما من موقع الإنسان الذي يتعلم أيضا من كل تجربة وكل قصة وكل شخص يلتقى به. وأؤمن أن أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يمر بأزمة، وإنما أن يمر بها وهو يشعر أنه وحده. لهذا كان العمل المجتمعي بالنسبة لي امتدادا طبيعيا لرسالتى، وليس نشاطا جانبيا. ومن هنا جاءت مشاركتى في مبادرات تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوصول إلى فئات قد لا تجد بسهولة من يسمعها أو يساندها.
فمن هي حنان الشاذلى بعيدا عن الألقاب؟

هي ببساطة… إنسانة اختارت أن تجعل من فهم الإنسان رسالة، ومن العلم مسؤولية، ومن الكلمة أثرا، ومن الحياة فرصة لأن نترك وراءنا شيئا يجعل حياة شخص آخر أقل ألما وأكثر أملا.

لماذا أصبح الإنسان المعاصر أكثر قلقًا رغم أن الحياة أصبحت أسهل من أجيال سابقة؟

لأن سهولة الحياة لا تعني بالضرورة سهولة النفس.. المفارقة أن الإنسان المعاصر تخلص من كثير من أعباء الأجيال السابقة، لكنه دخل فى نوع جديد من الضغوط النفسية. ويمكن فهم ذلك من خلال عدة عوامل:
1.انتقلنا من الخطر الحقيقى إلى الخطر المحتمل .. لأن الإنسان القديم كان يقلق من الجوع، المرض، الحيوانات المفترسة، الحروب أو نقص المأوى.
أما الإنسان المعاصر فكثير من قلقه يدور حول: ماذا لو فقدت عملى؟ ماذا لو فشلت؟ ماذا لو مرضت؟ ماذا لو تأخر أبنائى؟ ماذا لو لم أكن ناجحا بما يكفى؟ فالعقل لا يحتاج إلى وجود الخطر فعليا حتى يستجيب له مجرد توقعه قد يفعل حالة التأهب.
2.التكنولوجيا وفّرت الراحة لكنها ألغت فترات الانفصال .. فى الماضى كان الإنسان يعود إلى منزله وتنتهى معه أخبار العمل والمجتمع إلى حد كبير. اليوم الهاتف يرافقه طوال الوقت رسائل، أخبار، بريد، منصات اجتماعية، أزمات عالمية… الجسد فى المنزل، لكن العقل فى حالة اتصال دائم.
3.المقارنة أصبحت بلا حدود.. كان الإنسان يقارن نفسه غالبا بمن حوله في البيئة نفسها. الآن يستطيع أن يرى يوميا آلاف الأشخاص الذين يعرضون نجاحهم، سفرهم، أجسامهم، منازلهم ودخلهم. وهنا تظهر مشكلة نفسية مهمة نحن لا نقارن حياتنا الواقعية بحياة الآخرين الواقعية، بل نقارنها بالنسخة المنتقاة التى يعرضونها.
4.كثرة الاختيارات لاتعنى دائما الحرية.. لدينا اليوم خيارات هائلة فى الدراسة والعمل والسكن والعلاقات والشراء وحتى أسلوب الحياة. لكن كثرة البدائل تخلق سؤالا مرهقا هل اخترت الاختيار الصحيح؟ وهذا يمكن أن يتحول إلى ما يسمى قلق القرار وندم ما بعد الاختيار.
5.أصبح النجاح نفسه مصدرًا للقلق.. فى مجتمعات كثيرة لم يعد المطلوب أن تعيش جيدا فقط، بل أن تكون أفضل باستمرار. أفضل وظيفة، أفضل دخل، أفضل شكل، أفضل تربية للأبناء، أفضل علاقة، أفضل أداء… فتتحول الحياة من رحلة إلى مشروع تقييم مستمر للذات.
6.سرعة الحياة لا تمنح العقل وقتا كافيا للمعالجة.. الأحداث تتلاحق أسرع من قدرة الإنسان على استيعابها نفسيا. خبر سيئ  رسالة اجتماع مشكلة أسرية خبر عالمي إشعار جديد… فيصبح الجهاز النفسى وكأنه يعمل دائما فى وضع الاستعداد.
7.هناك مفارقة أعمق الإنسان فقد بعض مصادر المعنى.. الراحة المادية وحدها لا تجيب عن أسئلة مثل: لماذا أعيش؟ ما الذي يجعل حياتى ذات قيمة؟ ماذا أريد فعلا؟ ولمن أنتمى؟ ولهذا يمكن أن نجد إنسانا يمتلك وسائل راحة كثيرة، لكنه يشعر داخليا بالفراغ أو القلق.

هل كثرة استخدام الهاتف والسوشيال ميديا تؤثر في قدرتنا على التركيز والهدوء النفسي؟

نعم، كثرة استخدام الهاتف والسوشيال ميديا يمكن أن تؤثر في التركيز والهدوء النفسى، لكن المسألة ليست أن الهاتف يدمر التركيز ببساطة.. المشكلة الأكبر في نمط الاستخدام كيف يحدث ذلك؟
1. العقل يتعود على التبديل السريع بين رسالة وإشعار وفيديو ومنشور، ينتقل الانتباه باستمرار. ومع الوقت يصبح من الأصعب البقاء مع مهمة واحدة تحتاج إلى تركيز طويل، مثل القراءة أو الدراسة.
2. الإشعارات تُبقى الدماغ في حالة ترقب حتى عندما لا نمسك الهاتف، قد يبقى جزء من الانتباه منتظرا: هل وصلت رسالة؟ ماذا حدث؟ وهذا يقلل الإحساس بالراحة الذهنية.
3. المحتوى القصير يرفع الحاجة إلى التحفيز المستمر الانتقال السريع بين المقاطع والمنشورات يعطى الدماغ جرعات متكررة من المعلومات والمكافأة. لذلك قد يبدو النشاط الهادئ كالقراءة أو الجلوس دون هاتف مملا بصورة أسرع.
4. المقارنة الاجتماعية تؤثر في الهدوء النفسي السوشيال ميديا تعرض لنا غالبًا لحظات منتقاة من حياة الآخرين. كثرة التعرض لها قد تزيد المقارنة، والشعور بأن الآخرين أكثر نجاحا أو سعادة أو إنجازا.
5. الهاتف قد يسرق وقت النوم خصوصا عندما يتحول استخدامه إلى عادة قبل النوم أو أثناء الاستلقاء. وقلة النوم نفسها تضرب التركيز وتنظيم الانفعالات فى اليوم التالى.
لكن هناك نقطة مهمة المشكلة ليست في الهاتف الذي نحمله في أيدينا، وإنما عندما يصبح الهاتف هو الذى يحمل انتباهنا طوال اليوم.

لماذا يخفي كثير من الناس مشاعرهم الحقيقية خلف ابتسامة تبدو طبيعية؟
لأن الابتسامة ليست دائما تعبيرا عن السعادة أحيانًا تكون وسيلة نفسية للتكيف والحماية فيما يعرف بالتكوين العكسى للانفعالات. وكثير من الناس يخفون مشاعرهم الحقيقية خلف ابتسامة طبيعية لأسباب متعددة:
-الخوف من الحكم عليهم فقد يخشى الشخص أن ينظر إليه باعتباره ضعيفا أو حساسا أو غير قادر على تحمل الضغوط.
-الرغبة في حماية الآخرين فبعض الأشخاص يبتسمون حتى لا يقلقوا أهلهم أو أصدقاءهم، فيصبح إخفاء الألم نوعا من التضحية.
-التعود على كتمان المشاعر: من نشأ في بيئة لا تشجع على التعبير عن الحزن أو الغضب قد يتعلم مبكرا أن يقول أنا بخير حتى عندما لا يكون كذلك.
-الحفاظ على الصورة الاجتماعى فقد يشعر الإنسان أنه مطالب دائمًا بأن يبدو قويا وناجحا ومتماسكا، خصوصا أمام الآخرين.
-عدم القدرة على التعبير فأحيانا لا يكون الشخص نفسه قادرا على فهم ما يشعر به أو وضعه فى كلمات، فتأتى الابتسامة كاستجابة تلقائية.
-تجنب المواجهة فالابتسامة قد تكون طريقة لإنهاء سؤال مزعج أو موقف لا يريد الشخص الدخول فى تفاصيله.
-تحويل الألم إلى سلوك مقبول اجتماعيا: فبدلًا من أن يقول أنا متعب، يبتسم ويكمل يومه.
فالإنسان لا يحتاج دائما إلى شخص يحل مشكلته، بقدر ما يحتاج أحيانا إلى شخص يسمح له أن يخلع الابتسامة دون أن يخاف من أن يدان.

كيف يمكن مواجهة العنف داخل الأسرة قبل أن يتحول إلى سلوك دائم لدى الأبناء؟

مواجهة العنف داخل الأسرة يجب أن تبدأ قبل أن يصبح العنف أسلوبا معتادًا في التعامل، لأن الطفل لا يتعلم العنف فقط عندما يتعرض له، وإنما يتعلمه أيضا عندما يراه بين والديه أو أفراد أسرته.
فالأسرة هى المدرسة الأولى التى يتعلم فيها الطفل كيف يعبر عن غضبه، وكيف يحل خلافاته، وكيف يتعامل مع الآخر. ولذلك فإن أول خطوة هي كسر دائرة العنف داخل المنزل، وعدم التعامل مع الضرب أو الإهانة أو التهديد باعتبارها وسائل للتربية أو فرض السيطرة.
فالعقاب العنيف قد يوقف السلوك في لحظته، لكنه لا يعلم الطفل كيف يتصرف بصورة صحيحة، وقد يجعله أكثر عدوانية أو خوفا أو ميلا إلى تقليد السلوك الذى تعرض له, كما أن الحوار المبكر مع الأبناء مهم جدا، خاصة عندما نلاحظ تغيرا في سلوك الطفل، مثل زيادة العصبية، أو الانطواء، أو العدوان على الآخرين، أو تراجع المستوى الدراسي. هذه العلامات ينبغي ألا تقابل دائما بالعقاب، وإنما بمحاولة فهم ما وراءها.
وهنا يأتي دور الوالدين في تعليم الطفل إدارة الغضب، والتعبير عن المشاعر بالكلمات، واحترام الحدود، وحل الخلافات بالحوار والتفاوض. والأهم أن يكون الأب والأم نموذجا أمام أبنائهما؛ لأن الطفل يتعلم مما يراه أكثر مما يسمعه.
وأرى أيضا أن الوقاية من العنف الأسرى مسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية الأسرة وحدها؛ فهناك دور للمدرسة والإعلام والمؤسسات النفسية والاجتماعية فى نشر ثقافة التربية الإيجابية، واكتشاف الحالات مبكرا، وتقديم الدعم والإرشاد للأسرة قبل أن تتفاقم المشكلة.
والرسالة الأهم التي أوجهها للآباء والأمهات هي: لا تنتظروا أن يتحول العنف إلى نمط ثابت حتى تتدخلوا. التدخل المبكر ليس رفاهية، وإنما حماية للطفل وللأسرة وللمجتمع؛ لأن الطفل الذي يتعلم أن الخلاف يمكن أن يحل بالحوار، سيكون أكثر قدرة عندما يكبر على بناء علاقات صحية بعيدا عن العنف.ناء

كيف يمكن للوالدين بعلاقة تجعل الابن يلجأ إليهما عندما يواجه مشكلة بدلًا من البحث عن بديل خارجي؟

العلاقة المبنية على الندية الودية لا تحتية ولا فوقية من هنا يبدأ . فالبيت الآمن نفسيا لا يعنى أن يخلو من الخلافات أو المشكلات، فهذا أمر طبيعى فى أى أسرة، وإنما يعنى أن يشعر الأبناء بأن البيت هو المكان الذي يمكنهم فيه أن يكونوا أنفسهم دون خوف أو تهديد أو إهانة، وأن لديهم أبا وأما يستمعان إليهم ويحترمان مشاعرهم حتى عندما يختلفان معهم.
ويحتاج الأب والأم أولا إلى الوعي بأن التربية ليست أوامر وعقابا فقط، وإنما علاقة إنسانية قائمة على الأمان والثقة والاحتواء. كما يحتاج الأب والأم إلى تعلم كيفية إدارة انفعالاتهما، لأن الطفل يتأثر بدرجة كبيرة بالطريقة التي يرى بها والديه يتعاملان مع الغضب والخلاف. فإذا رأى الحوار والاحترام، تعلم الحوار والاحترام، وإذا رأى الصراخ والإهانة والعنف، فقد يعتبرها وسائل طبيعية لحل المشكلات.
ومن أهم مقومات الأمان النفسي أيضًا الاستماع الحقيقي للأبناء، وعدم التقليل من مشاعرهم، وعدم مقارنتهم بغيرهم، واحترام خصوصيتهم، ووضع حدود واضحة وثابتة مع شرح أسبابها.
وأرى أن من المهم كذلك أن يعتذر الأب أو الأم عندما يخطئان. الاعتذار لا يقلل من هيبة الوالدين، بل يعلم الطفل أن الاعتراف بالخطأ قوة ومسؤولية، وأن العلاقات الصحية تسمح لنا بأن نخطئ ونصحح أخطاءنا.
وفي النهاية، أعتقد أن أهم شىء يحتاجه الأبناء من والديهم هو أن يشعروا بثلاثة أشياء: أنا محبوب، أنا مسموع، وأنا آمن فإذا توافرت هذه المشاعر داخل البيت، أصبح المنزل بالفعل نقطة انطلاق لبناء شخصية متوازنة وقادرة على مواجهة الحياة، حتى عندما تواجه الأسرة أزمات أو خلافات.

هل الخوف من المستقبل أصبح أحد أهم مصادر القلق لدى الشباب؟

نعم، الخوف من المستقبل أصبح بالفعل أحد المصادر المهمة للقلق لدى الشباب، لكن المشكلة ليست فى المستقبل وحده، وإنما في الشعور بعدم اليقين وعدم القدرة على التحكم فيما سيحدث. الشباب اليوم يواجهون أسئلة كثيرة فى وقت مبكر: ماذا سأدرس؟ هل سأجد فرصة عمل؟ هل أستطيع تحقيق الاستقلال المادى؟ هل سأتمكن من تكوين أسرة؟ وهل ما أفعله الآن سيضمن لي مستقبلا آمنا؟
كما أن المقارنة المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تزيد هذا القلق، لأن الشاب يرى أمامه نماذج تبدو ناجحة ومستقرة، وقد يشعر أنه متأخر عن الآخرين، رغم أن ما يراه لا يمثل بالضرورة الحقيقة الكاملة لحياتهم.
ومن الناحية النفسية، عندما يتحول التفكير في المستقبل من التخطيط إلى التوقع المستمر للأسوأ، يبدأ القلق فى التأثير في التركيز والنوم والدافعية والثقة بالنفس، وقد يدفع بعض الشباب إلى الانسحاب أو تأجيل القرارات خوفا من الفشل.
ولذلك لا أرى أن الحل هو أن نقول للشباب: «لا تقلقوا بشأن المستقبل»، لأن القلق في حد ذاته قد يكون طبيعيا، وإنما نحتاج إلى تعليمهم مهارات التعامل مع عدم اليقين، وإدارة الضغوط، وحل المشكلات، وتحديد الأهداف الواقعية، وتقسيم المستقبل إلى خطوات صغيرة يمكن السيطرة عليها. وأرى أيضا أن الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية لها دور مهم في ذلك.

كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع الخوف من المجهول؟

الخوف من المجهول جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، لان الانسان بطبيعته يبحث عن الأمان والسيطرة، وعندما لا يعرف ماذا سيحدث، يبدأ العقل أحيانا فى ملء الفراغ بالسيناريوهات السلبية. لذلك فالمشكلة ليست فى أن نخاف من المجهول، وإنما في أن نسمح لهذا الخوف بان يمنعنا من الحياة.
اول خطوة هي ان نعترف بالخوف بدل من إنكاره، وان نفرق بين ما نستطيع التحكم فيه وما لا نستطيع التحكم فيه. فلا يمكننا ان نضمن المستقبل، لكن يمكننا ان نستعد له، وان نقرر كيف سنتعامل مع ما ياتى.
ومن المهم أيضا الا نعيش فى المستقبل طوال الوقت. كثير من القلق ينتج عن ان الانسان يعيش احداثا لم تحدث بعد، ويعانى نفسيا من احتمالات قد لا تحدث اصلا. لذلك يساعدنا التركيز على اللحظة الحالية وعلى الخطوة التى نستطيع القيام بها الان. كما ان تحويل الخوف الى خطة عملية يساعد على استعادة الاحساس بالسيطرة, فإذا كان الإنسان يخشى المستقبل المهني مثلا، فبدلا من التفكير المستمر فى ماذا لو فشلت؟، يمكن ان يسأل نفسه ما المهارة التي استطيع تطويرها اليوم؟ وما الخطوة التي يمكن ان تقربنى من هدفي؟
وارى ان من اهم المهارات النفسية في مواجهة المجهول المرونة النفسية، اى القدرة على تقبل ان الحياة لا تسير دائما كما خططنا لها، مع الإيمان باننا نستطيع التكيف وإعادة ترتيب خطواتنا عندما تتغير الظروف, كذلك لا ينبغى ان يواجه الانسان خوفه بمفرده دائما. الحديث مع شخص نثق به، او طلب الدعم النفسى المتخصص عندما يصبح القلق شديدا او معطلا للحياة، يمكن ان يكون خطوة مهمة جدا. و لا اعتقد ان القوة الحقيقية تعنى الا نخاف، القوة ان نشعر بالخوف ولا نسمح له بان يقود قراراتنا.
فالمجهول سيظل مجهولا، لكننا نستطيع ان ندخل اليه بوعى اكبر، واستعداد افضل، وثقة في قدرتنا على التعامل مع ما سيأتى. وأحيانا اقول: نحن لا نحتاج الى ان نعرف ماذا يحمل لنا الغد، بقدر ما نحتاج الى ان نثق بانفسنا في مواجهة الغد.

لماذا نخشى أحيانًا اتخاذ قرارات مهمة رغم أننا نعرف أنها قد تكون في مصلحتنا؟

لأن اتخاذ القرار لا يرتبط دائما بما نعرفه عقليا، وانما بما نشعر به نفسيا. قد نكون مقتنعين ان قرارا معينا هو الأفضل لنا، لكننا فى الوقت نفسه نخاف من نتائجه، او من فقدان شىء اعتدنا عليه، او من تحمل مسؤولية الاختيار. وفي كثير من الاحيان لا نخاف من القرار نفسه، وانما نخاف من المجهول الذى سيأتى بعده.
فالانسان بطبيعته يميل الى المألوف حتى لو لم يكن مثاليا، لان المألوف يمنحه شعورا نسبيا بالامان، بينما التغيير يضعه امام احتمالات لا يستطيع السيطرة عليها. كما ان الخوف من الفشل او الندم قد يجعل الانسان يؤجل القرار.
وهنا يجب ان نفرق بين التفكير الواعى قبل اتخاذ القرار وبين التردد الناتج عن الخوف. التفكير يساعدنا على دراسة البدائل والنتائج، اما الخوف الزائد فيجعلنا نؤجل ونؤجل حتى تضيع الفرصة.

إلى أي مدى تؤثر الكلمات التي يسمعها الطفل من والديه في تكوين ثقته بنفسه؟ وما الأخطاء التربوية التي قد تبدو بسيطة للآباء لكنها تترك آثارًا نفسية عميقة في الأبناء؟

ما بين تقدير الذات المرتفع الى ضعف تقدير الذات …تؤثر الكلمات التي يسمعها الطفل من والديه في تكوين ثقته بنفسه بشكل اكبر مما قد يتصور البعض. فالطفل فى سنواته الاولى لا يمتلك دائما القدرة على تقييم نفسه بشكل مستقل، ولذلك ينظر الى والديه باعتبارهما المرآة الاولى التى يرى من خلالها ذاته وقدراته وقيمته.
وعندما يسمع الطفل باستمرار عبارات مثل انت تستطيع، انا اثق بك، خطئك لا يعن انك فاشل، فهو يتعلم تدريجيا ان قيمته لا تتوقف على نجاحه فى كل مرة، وان الخطأ يمكن ان يكون فرصة للتعلم.
وعلى العكس، عندما يسمع عبارات تقلل منه أو تقارنه باستمرار بغيره مثل أنت لا تفهم، أو أخوك أفضل منك، فقد تتحول هذه الكلمات مع الوقت الى صورة داخلية يحملها الطفل عن نفسه.
وهنا تكمن خطورة بعض الأخطاء التربوية التي تبدو بسيطة للاباء، لكنها قد تترك اثرا نفسيا عميقا. من بينها السخرية من الطفل، وكثرة المقارنة، ووصفه بصفات سلبية مثل كسول او غبي او عنيد، والتقليل من مشاعره عندما يخاف او يحزن، واستخدام التهديد المستمر كوسيلة للتربية، وكذلك انتقاد الطفل امام الآخرين.
ومن الأخطاء ايضا ان نربط الحب بالانجاز، فيشعر الطفل ان قيمته مرتبطة بدرجاته او نجاحه او سلوكه المثالى. كما ان الحماية الزائدة قد تبدو حبا واهتماما، لكنها فى بعض الاحيان تحرم الطفل من فرصة التجربة وتحمل المسؤولية واكتشاف قدراته بنفسه.

لماذا يجد بعض الأشخاص صعوبة في التعبير عن مشاعرهم حتى مع أقرب الناس إليهم؟
لانهم لم يتعلموا منذ الصغر كيف يتحدثون عنها، او لانهم نشأوا في بيئة تعتبر التعبير عن الحزن او الخوف ضعفا. وقد يكون السبب ايضا الخوف من الرفض او سوء الفهم او التعرض للنقد، خاصة اذا مر الشخص سابقا بتجربة جعلته يشعر ان التعبير عن مشاعره لم يكن امنا. لذلك فان كتمان المشاعر لا يعنى دائما ان الانسان لا يشعر، بل قد يعنى انه لا يعرف كيف يعبر عما بداخله. وهنا تأتى اهمية العلاقات الامنة التى تقوم على الاستماع دون حكم او سخرية. التعبير عن المشاعر ليس ضعفا، بل مهارة نفسية تساعد الانسان على فهم نفسه وبناء علاقات اكثر صحة وتوازنا.

ما الذي يجعل بعض الأشخاص أكثر قدرة على تجاوز الأزمات من غيرهم؟

نحن لا ننمو الا من خلال الألم .. فالقدرة على تجاوز الازمات لا تعنى ان الانسان لا يتألم، وانما تعنى قدرته على التعامل مع الالم وعدم السماح له بان يوقف حياته. وهذا ما نسميه فى علم النفس المرونة النفسية. وتختلف هذه القدرة من شخص لاخر وفقا لعدة عوامل، منها طريقة التفكير، والخبرات السابقة، والدعم الذى يحصل عليه الانسان من اسرته والمحيطين به، وقدرته على حل المشكلات وتنظيم انفعالاته. كما ان بعض الاشخاص يتعلمون من الازمات ويعيدون اكتشاف قدراتهم، بينما قد يشعر اخرون بالعجز عندما يواجهون ظروفا تفوق قدراتهم على المواجهة. والمرونة النفسية ليست صفة ثابتة يولد بها الانسان فقط، بل يمكن تنميتها من خلال الوعى بالذات، وتعلم مهارات التعامل مع الضغوط، وطلب الدعم عند الحاجة. والحقيقة أن القوة ليست فى الا نتألم، بل فى ان نتعلم كيف ننهض بعد الالم ونواصل الطريق وننمو من جديد

ما أكثر فكرة نفسية خاطئة منتشرة في المجتمع وتتمنين تغييرها؟

أكثر فكرة نفسية خاطئة اتمنى تغييرها هى ان الذهاب الى الطبيب او المعالج النفسى المعتمد من وزارة الصحة يعنى ان الانسان ضعيف او مجنون هذه الفكرة تجعل كثيرا من الناس يتأخرون فى طلب المساعدة، رغم ان الاهتمام بالصحة النفسية لا يختلف عن الاهتمام بالصحة الجسدية. فى حين قد بلجأون لغير متخصصين تحت مسمى لايف كوتش واستشارى صحة نفسية وعلاقات اسرية وكل هؤلاء غير مؤهلين ومخالفين لقانون الصحة رقم 210 لسنة 2020 وقد يعرضون حياة الناس للخطر بتاخير طلب مساعدة من متخصص حقيقى وقد يتعرض من يلجاون لهم للانتحار وخراب العلاقات بالطلاق والموت أو فقدان الأمل فى التعافى اذا كان مدمنا وقد يتطور حالة المريض ليصبح خطر على نفسه وعلى الاخرين نتيجة تأخير اللجوء الى طبيب نفسى متخصص أو معالج نفسى معتمد من وزارة الصحة.اضافة الى اهدار الوقت والجهد والأموال دون وجه حق مع هؤلاء المدعين لصفات علمية ومهنية وهمية بمخالفة بالقوانين.
كذلك نحتاج الى تغيير فكرة ان القوى هو الذي يكتم مشاعره ولا يطلب المساعدة. التعبير عن المشاعر وطلب الدعم عند الحاجة ليس ضعفا، بل دليل على الوعى والمسؤولية. وأتمنى ايضا ان نتوقف عن استخدام عبارات مثل انسى وكبر دماغك مع من يمر بأزمة نفسية، لان بعض الالام لا تختفى بمجرد تجاهلها، وانما تحتاج الى فهم واحتواء وربما مساعدة متخصصة. فالصحة النفسية ليست رفاهية، وطلب المساعدة ليس عيبا، كما ان الاعتراف باننا نحتاج الى الدعم لا يقلل من قوتنا، بل قد يكون اول خطوة حقيقية لاستعادتها فقط اذا طلبناه من متخصص حقيقى.

كيف تصفين الأسرة المصرية اليوم؟ وهل ما زالت تقوم بالدور النفسي الذي كانت تقوم به قديمًا؟

الأسرة المصرية ما زالت تحتفظ بدورها المهم في الدعم النفسي والاحتواء، وما زالت في كثير من البيوت تمثل المصدر الأول للامان والانتماء، لكن طبيعة الحياة هى التى تغيرت، وبالتالى تغيرت معها قدرتها على القيام بهذا الدور.
في الماضي كانت الأسرة أكثر قربا وتماسكا بحكم شكل الحياة والعلاقات الاجتماعية، وكان التواصل اليومى بين أفرادها اكبر. اما اليوم، فضغوط العمل والظروف الاقتصادية وسرعة الحياة واستخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت أفراد الأسرة يعيشون أحيانا في البيت نفسه ولكن كل شخص داخل عالمه الخاص. وهذا لا يعنى ان الاسرة المصرية فقدت دورها النفسى، لكنها تحتاج الى تطوير أدواتها. فالأبناء اليوم لا يحتاجون فقط الى توفير الاحتياجات المادية، وانما يحتاجون الى الاستماع والحوار والاحتواء واحترام مشاعرهم، والى والدين يستطيعون ان يكونوا قريبين منهم دون ان يفقدوا دورهم التربوى.
وارى ان التحدي الحقيقى امام الاسرة المصرية اليوم هو كيف نحافظ على دفء الاسرة وقيمها الجميلة، وفى الوقت نفسه نفهم احتياجات الجيل الجديد ولغته وطريقة تفكيره. فالاسرة لم تعد مطالبة فقط بان تحمى ابناءها من العالم، وانما بان تعلمهم كيف يتعاملون مع هذا العالم بثقة ووعى وتوازن. قد تتغير اشكال الاسرة ووسائل التواصل داخلها، لكن حاجتنا الى بيت نشعر فيه بالامان والانتماء لن تتغير. الاسرة المصرية ما زالت قادرة على القيام بدورها النفسى، لكنها تحتاج اليوم الى مزيد من الوعى والحوار والوقت الحقيقى مع ابنائها.
ويجدر الاشار هنا الى الاشادة بدور دار الافتاء المصرية التى تبنت مشروعا وطنيا لاعداد المقبلين على الزواج والذى يدعم هذه الفكرة ويزيد من وعى الشباب قبل تكوين الاسرة علما بان البرنامج يقدم مجانا للشباب ويتم التقديم للحضور من خلال الموقع الرسمى لدار الافتاء المصرية. هذا بالاضافة الى دور المعاهد الكنسية التى تقدم مثل هذه البرامج للشباب أيضا المقبلين على الزواج.

ما أكثر الأخطاء التي يرتكبها الأب والأم دون أن يدركا تأثيرها النفسي في أبنائهما؟

من اكثر الاخطاء التى يقع فيها الاب والام دون ان يدركا تأثيرها النفسي فى الابناء هي المقارنة المستمرة، والنقد امام الاخرين، والتقليل من مشاعر الطفل، وربط الحب بالنجاح والتفوق. كذلك الصراخ المستمر، والتهديد، واستخدام الضرب او الاهانة كوسيلة للتربية، كلها اساليب قد تجعل الطفل اكثر خوفا او عدوانية، وتؤثر في ثقته بنفسه وعلاقته بوالديه. ومن الاخطاء ايضا الحماية الزائدة، او اتخاذ كل القرارات نيابة عن الابناء، لان الطفل يحتاج الى مساحة مناسبة للتجربة والخطأ وتحمل المسؤولية حتى تتكون لديه الثقة والاستقلالية. كما ان انشغال الاب والام الدائم بالهاتف ووسائل التواصل، رغم وجود الابناء معهم، قد يوصل رسالة غير مباشرة للطفل مفادها ان وجوده ليس اولوية.
وفى رأيى، اخطر خطأ هو ان ننسى ان الطفل لا يحتاج الى والدين مثاليين، وانما يحتاج الى والدين يشعر معهم انه محبوب، مسموع، ومحترم، حتى عندما يخطئ. فالطريقة التى نعامل بها ابناءنا اليوم قد تصبح الطريقة التى يعاملون بها انفسهم والاخرين عندما يكبرون.

هل المقارنة بين الأبناء من أكثر السلوكيات التي تهدم ثقة الطفل بنفسه؟

نعم وتسبب تشوهات معرفية مبكرة فى التفكير، فالمقارنة المستمرة بين الابناء من اكثر السلوكيات التى يمكن ان تؤثر سلبا فى ثقة الطفل بنفسه، خاصة عندما تكون المقارنة امام الاخرين او بين الاخوة. قد لا يسمع فقط ملاحظة عن سلوكه، بل قد يفهم رسالة اعمق وهى “نا لست جيدا بما يكفى. ومع تكرار هذه الرسائل قد يبدأ الطفل في تقييم نفسه من خلال الاخرين، ويشعر بالنقص او الغيرة او الخوف من الفشل. والخطأ هنا ليس فى تشجيع الطفل على التطور، وانما فى مقارنة قيمته الشخصية بإنجازات شخص اخر. الافضل ان نقارن الطفل بنفسه ماذا كان يستطيع ان يفعل من قبل؟ وماذا استطاع ان يحقق اليوم؟
كما ان كل طفل له شخصيته وقدراته ووتيرته الخاصة في النمو، ولذلك فالتربية الناجحة لا تبحث عن نسخة من طفل اخر، وانما تساعد كل طفل على اكتشاف افضل ما لديه. وفى رأيى، بدلا من ان نقول للطفل كن مثل فلان، علينا ان نقول له كن افضل نسخة من نفسك”.هذه الرسالة تبني الثقة، بينما المقارنة المستمرة قد تهدمها دون ان ندرك وتشوه ادراكه عن نفسه.

لماذا تفشل بعض الزيجات رغم وجود الحب في بدايتها؟

وجود الحب فى بداية الزواج مهم، لكنه وحده لا يكفى لاستمرار العلاقة. فالزواج يحتاج الى مهارات فى التواصل، والقدرة على إدارة الخلاف، والاحترام، وتحمل المسؤولية، وليس فقط المشاعر. احيانا يبدأ الزوجان الحياة بتوقعات مثالية، ثم يصطدمان بمتطلبات الحياة اليومية والضغوط المادية والاسرية، فيكتشف كل طرف ان صورة الشريك التي رسمها في ذهنه تختلف عن الواقع.
ومن أكثر أسباب تعثر بعض الزيجات ضعف الحوار، وتراكم المشكلات دون حل، وتحول الخلاف من نقاش حول مشكلة الى هجوم على شخصية الطرف الأخر، بالإضافة الى تدخل الأهل، والغيرة المفرطة، والإهمال العاطفي والخرس الزواجى، وعدم وجود مساحة صحية لكل طرف. كما ان بعض الأزواج يعتقدون ان الحب يعني ان يفهم الطرف الأخر احتياجاتهم دون ان يتحدثوا عنها، بينما العلاقات الصحية تحتاج الى التعبير الواضح عن المشاعر والاحتياجات والحدود. وهذا ما لا تقدمه العلاقات المبنية على الاعتمادية او التناحر او المصلحة الشخصية.
وفي رأيي، الحب هو بداية الزواج، لكن الوعى والاحترام والتواصل والقدرة على التفاهم هى التى تحافظ عليه. فالزواج الناجح ليس غياب الخلافات، وانما قدرة الزوجين على حل خلافاتهما دون ان يفقد احدهما احترامه للآخر.

هل يحتاج الأبناء اليوم إلى الحوار أكثر من الأوامر والنصائح؟

نعم، الأبناء اليوم يحتاجون الى الحوار أكثر من الأوامر والنصائح، لكن هذا لا يعنى غياب الحدود أو الدور التربوي للأب والام. الطفل يحتاج ان يعرف القاعدة، لكنه يحتاج أيضا ان يفهم سببها ويشعر ان صوته مسموع. الأمر المباشر قد يحقق الطاعة فى اللحظة، لكن الحوار يساعد الابن على تكوين القدرة على التفكير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. وعندما نستمع اليه دون سخرية او تقليل من مشاعره، نفتح بابا للثقة يجعله يلجأ الينا عندما يواجه مشكلة، بدلا من ان يبحث عن الإجابة في مصادر قد لا تكون آمنة. كما ان كثرة النصائح قد تجعل الابن يشعر إننا نتسلط عليه، بينما السؤال والاستماع والمناقشة تجعله شريكا فى الوصول الى الحل. وفي رأيي، الأبناء لا يحتاجون الى والدين يقولون لهم طوال الوقت ماذا يفعلون، بقدر ما يحتاجون الى والدين يساعدونهم على فهم لماذا يفعلون ذلك. فالحوار لا يلغى سلطة الوالدين، بل يجعلها أكثر وعيا وتأثيرا.

وكيف تستطيع الأم بناء علاقة صداقة وثقة مع ابنتها في مرحلة المراهقة؟

علاقة الأم بابنتها فى مرحلة المراهقة تحتاج الى التوازن بين القرب والاحتواء وبين احترام خصوصية الابنة واستقلالها. فالأم لا تحتاج أن تكون مجرد رقيبة أو صاحبة أوامر، وإنما تحتاج أن تكون الشخص الذى تشعر ابنتها إنها تستطيع اللجوء اليه دون خوف من الحكم أو السخرية. وتبدأ الثقة بالاستماع. عندما تتحدث الابنة، من المهم ان تسمعها الام حتى النهاية، وإلا تسارع إلى اللوم او تقديم الحلول. كذلك من المهم احترام مشاعرها، حتى لو بدت للام بسيطة او مبالغ فيها. كما ان الصداقة لا تعنى ان تتخلى الام عن دورها التربوي، بل ان تضع حدودا واضحة بطريقة هادئة ومفهومة، وتسمح لابنتها بمساحة مناسبة من الاختيار وتحمل المسؤولية. والاهم أن تكون الام صادقة مع ابنتها، وان تعترف بخطئها عندما تخطئ، وان تشاركها بعض خبراتها بطريقة مناسبة لعمرها دون تحويل العلاقة الى محاضرة.

ما الطريقة الصحيحة التي يجب أن تتعامل بها الأسرة مع أخطاء الأبناء في فترة المراهقة؟
التعامل الصحيح مع أخطاء المراهق يبدأ بالفصل بين الخطأ وبين شخص الابن. فلا نقول له أنت فاشل أو أنت لا تفهم، وإنما نناقش السلوك نفسه ونتائجه، ونساعده على معرفة كيف يمكن إصلاحه. المراهق يحتاج الى ان يشعر ان الخطأ فرصة للتعلم وتحمل المسؤولية، وليس سببا لفقدان حب الأسرة او ثقتها به. لذلك من المهم ان تستمع الأسرة إليه أولا، وتحاول فهم دوافعه، ثم تضع حدودا واضحة وعواقب تربوية منطقية تتناسب مع الخطأ. والصراخ والاهانة والمقارنة بالآخرين قد تحقق خوفا مؤقتا، لكنها لا تبنى وعيا أو مسؤولية، وقد تدفع المراهق الى إخفاء أخطائه بدلا من طلب المساعدة. كما يجب ان تعطي الأسرة المراهق فرصة لإصلاح ما اخطأ فيه، وان تشجعه عندما يتحمل المسؤولية ويغير سلوكه. وفي رأيي، الهدف من التربية ليس ان نجعل أبناءنا يخافون من ارتكاب الخطأ، وإنما أن نعلمهم كيف يتحملون مسؤولية أخطائهم ويخرجون منها أكثر نضجا.

كيف يؤثر العمل الذي لا يحبه الإنسان في حالته النفسية وشعوره بقيمة ذاته؟

العمل الذي لا يحبه الإنسان لا يعنى بالضرورة انه سيعيش في حالة نفسية سيئة، فهناك فرق بين عمل لا نحبه لكنه يوفر لنا الاستقرار، وبين عمل يستنزفنا نفسيا ويجعلنا نشعر إننا نعيش ضد قيمنا واهتماماتنا.
عندما يستمر الإنسان لفترة طويلة في عمل لا يجد فيه معنى او تقديرا او فرصة للنمو، قد يشعر بالإحباط والضغط وفقدان الدافعية، وقد يمتد هذا الشعور الى نظرته الى نفسه، خاصة اذا بدأ يربط قيمته الشخصية بمدى نجاحه في هذا العمل. لكن من المهم أيضا إلا نجعل الوظيفة المصدر الوحيد لقيمة الإنسان. فقيمة الشخص اكبر من مسماه الوظيفي أو دخله أو مكانته المهنية.
والحل ليس دائما ترك العمل فورا، فقد يكون ذلك غير ممكنا. يمكن اولا محاولة فهم مصدر الضيق، وتطوير المهارات، وبناء توازن بين العمل والحياة، والبحث تدريجيا عن فرصة أكثر توافقا مع قدراتنا واهتماماتنا. وفي رأيى، العمل جزء من حياتنا وليس كل حياتنا، والنجاح الحقيقي أن نجد طريقة نعمل بها دون أن نفقد أنفسنا فى الطريق.

ما النصيحة التي تقدمينها للشاب الذي يشعر أنه تأخر في تحقيق طموحه المهني مقارنة بأصدقائه؟

أقول له لا تقارن بدايتك بمنتصف طريق شخص آخر. كل إنسان له ظروفه وتوقيته ومساره الخاص، وما يبدو لك نجاحا سريعا عند الآخرين قد يخفى وراءه الكثير من التفاصيل التي لا تراها. و الشعور بأنك تأخرت قد يكون مؤلما، لكنه لا يعني انك فشلت. المهم أن تسأل نفسك ماذا أريد الان؟ وما الخطوة الواقعية التي استطيع أن ابدأ بها اليوم؟ كما أن النجاح المهني ليس سباقا له موعد واحد يصل فيه الجميع، وقد يغير الإنسان مجاله أو يبدأ من جديد في مرحلة عمرية مختلفة ويحقق نجاحا لم يكن يتوقعه.
وفى رأيى، اخطر ما يمكن أن يفعله الشاب هو ان يقيس قيمته بما حققه أصدقاؤه. قارن نفسك بنفسك: ماذا كنت تعرف بالأمس، وماذا تستطيع ان تفعل اليوم؟ المهم ليس متى بدأت، وإنما أن تعرف اتجاهك وتواصل السير. فبعض الطرق تتأخر، لكنها تقودنا في النهاية الى المكان الذي يناسبنا أكثر.

وفي ختام الجزء الأول من حوارنا مع الدكتورة حنان الشاذلي، تتضح حقيقة أساسية ربما نغفل عنها وسط ضغوط الحياة وتسارع إيقاعها: أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حلول جاهزة بقدر ما يحتاج إلى من يسمعه ويفهم ما يمر به دون حكم أو إدانة.
تابعوا الجزء الثاني… حيث نقترب أكثر من الألم، ونبحث عن طريق العودة إلى الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *