رئيس التحرير

حسين السمنودي يكتب : شباب الفلاحين.. عندما حمل أبناء الحقول أحدث سلاح وصنعوا نصر أكتوبر

الأحد 27-09-2026 18:22

لم يكن نصر أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية عبر فيها الجيش المصري قناة السويس، ولم يكن مجرد لحظة تاريخية انتصر فيها السلاح المصري على خطوط ومواقع عسكرية شديدة التحصين، وإنما كان قبل كل شيء انتصارًا للإنسان المصري الذي أثبت أن الإرادة والعلم والتدريب والإيمان بالوطن تستطيع أن تصنع ما يظنه الآخرون مستحيلًا.

وكان من بين أبطال ذلك النصر العظيم آلاف الشباب المصريين الذين خرجوا من القرى والنجوع والحقول، أبناء الفلاحين الذين تركوا المحراث في أيدي آبائهم، وودعوا أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم، وذهبوا إلى ساحات التدريب ليصبحوا جنودًا قادرين على التعامل مع أسلحة ومعدات عسكرية حديثة لم تكن تشبه الأدوات البسيطة التي عرفوها في حياتهم اليومية.
هؤلاء الشباب لم يكونوا أبناء الأكاديميات العسكرية وحدهم، بل كان بينهم ابن الفلاح والعامل والموظف والحرفي، شاب عاش حياته في قرية صغيرة يعرف الأرض أكثر مما يعرف التكنولوجيا، لكنه عندما دخل القوات المسلحة وجد نفسه أمام منظومات ومعدات وأسلحة تحتاج إلى علم دقيق وتدريب متواصل وانضباط شديد.
وهنا ظهرت عظمة الإنسان المصري.
فالفلاح الذي كان يعرف كيف يحدد موعد الزراعة، وكيف يتعامل مع الأرض والمياه والطقس، أصبح قادرًا بالتدريب على التعامل مع أجهزة ومعدات عسكرية حديثة، وتحول الشاب القادم من القرية إلى مقاتل يعرف مهمته ويدرك أن خطأه قد تكون له عواقب خطيرة، وأن نجاحه قد يفتح الطريق أمام آلاف من زملائه.
لم تكن التكنولوجيا وحدها هي التي صنعت النصر، فالسلاح مهما بلغت حداثته لا يصنع المعجزات إذا لم توجد وراءه عقول تفهمه وأيدٍ تعرف كيف تستخدمه وإرادة لا تعرف التراجع.
لقد تعامل جنود أكتوبر مع منظومات تسليح حديثة وفق ما أتيح للقوات المسلحة المصرية آنذاك، وتعلموا تشغيلها واستخدامها في ظروف الحرب، وتحملوا ضغط المعركة وصعوبة اللحظة، وكان عليهم أن يحولوا ما تعلموه في ساحات التدريب إلى أداء حقيقي في أرض المعركة.
ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا مهمًا من ملحمة أكتوبر: المعركة لم تكن بين أسلحة فقط، وإنما بين رجال يعرفون قيمة السلاح الذي يحملونه ويؤمنون بالمهمة التي يقاتلون من أجلها.
ابن القرية المصرية الذي اعتاد أن يرى والده يزرع الأرض ويحصد محصولها، وجد نفسه يوم السادس من أكتوبر أمام مهمة أخرى؛ عبور قناة السويس، واقتحام التحصينات، وتنفيذ الأوامر بدقة، والتعامل مع معدات عسكرية تحتاج إلى تركيز وتدريب وثبات أعصاب.
كان شابًا بسيطًا في حياته، لكنه لم يكن بسيطًا في مهمته.
كان يحمل داخله ثقافة القرية المصرية بكل ما فيها من صبر وتحمل وقوة ارتباط بالأرض، وحين التقى ذلك كله بالتدريب العسكري والعلم والانضباط، ظهر نموذج المقاتل المصري الذي استطاع أن يثبت في واحدة من أهم معارك التاريخ الحديث.
لقد كان الجندي المصري يعرف أن الأرض التي يقاتل من أجلها ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما هي البيت والقرية والحقل والأسرة وذكريات الطفولة وكل شيء تركه خلفه.
ولهذا كان العبور بالنسبة إليه أكثر من عملية عسكرية؛ كان عودة إلى أرض شعر المصريون لسنوات أنها انتُزعت منهم.
والأجمل في قصة هؤلاء الشباب أنهم لم يسمحوا للفارق في مستوى التكنولوجيا أن يتحول إلى عقدة نفسية. تعلموا ما كان مطلوبًا منهم، وأتقنوا استخدام ما توفر لهم، وطبقوا ما تدربوا عليه في اللحظة التي احتاج فيها الوطن إلى كل دقيقة وكل طلقة وكل قرار.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن التكنولوجيا لا قيمة لها دون الإنسان، وأن الإنسان يستطيع أن يرفع قيمة التكنولوجيا حين يمتلك التدريب والعلم والانضباط والشجاعة.
ولذلك فإن الحديث عن أبناء الفلاحين في حرب أكتوبر ليس حديثًا عن طبقة اجتماعية بعينها بقدر ما هو حديث عن صورة مصر كلها؛ مصر التي كان جيشها يضم أبناء المدن والقرى والنجوع من مختلف محافظات الجمهورية، يجمعهم هدف واحد وهو استعادة الأرض والكرامة.
كان ابن الفلاح يقف بجوار ابن العامل والموظف والحرفي، لا يسأل أحدهم الآخر عن مهنته أو قريته، لأن الجميع أصبحوا أبناء مؤسسة واحدة، ومهمتهم واحدة، ومصيرهم واحد.
ومن رحم هذه الروح خرج نصر أكتوبر.
إن الدرس الذي يجب أن يصل إلى شباب اليوم هو أن التقدم الحقيقي لا يعني امتلاك التكنولوجيا فقط، وإنما القدرة على فهمها وتطوير استخدامها وتسخيرها لخدمة الوطن.
فالشاب المصري الذي كان منذ أكثر من نصف قرن يتعامل مع معدات عسكرية حديثة وفق إمكانات عصره، بعدما تعلمها وتدرب عليها، يبعث برسالة واضحة إلى أجيال اليوم: لا تخف من التكنولوجيا، تعلمها، افهمها، وأتقنها، واجعل العلم وسيلتك إلى المستقبل.
لقد كان أولئك الشباب أبناء الحقول، لكنهم في لحظة الاختبار أصبحوا رجالًا في قلب التاريخ.
خرجوا من قرى مصر يحملون أحلام أسرهم، وعاد بعضهم بالنصر، بينما بقي بعضهم الآخر في أرض المعركة شهيدًا، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة الوطن.
وهكذا أصبحت حكاية الفلاح المصري في أكتوبر واحدة من أروع صور التحول؛ شاب اعتاد أن يرى سنابل القمح تهتز فوق أرض قريته، فإذا به بعد سنوات من التدريب يقف أمام أحدث ما أتيح له من أدوات القتال، يعرف مهمته، ويؤدي واجبه، ويشارك في صناعة نصر غيّر وجه التاريخ.
لم يكن النصر يومها نصر السلاح وحده، ولا نصر القيادة وحدها، ولا نصر خطة عسكرية فقط، بل كان نصر الإنسان المصري عندما اجتمع فيه الإيمان بالوطن مع العلم والتدريب والشجاعة والانضباط.
ولهذا ستظل صورة شاب القرية المصرية وهو يحمل سلاحه في أكتوبر 1973 واحدة من أصدق الصور التي تقول للأجيال القادمة:
قد تأتي من قرية صغيرة، وقد تكون ابن فلاح بسيط، لكن إذا امتلكت العلم والإرادة والتدريب والإيمان بوطنك، فإنك تستطيع أن تقف في المكان الذي يصنع التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *