حسين السمنودي يكتب : حين يجلس صاحب المعاش على الأرض.. رسالة احترام لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن
الخميس 08-10-2026 17:28
بقلم : حسين السمنودي
ليست الصورة دائمًا مجرد صورة، فقد تختصر في لحظة واحدة حكاية عمر كامل، وقد تقول ملامح رجل مسن وهو يجلس على أرض أحد مكاتب البريد أكثر مما تستطيع عشرات الكلمات أن تقوله. أمامنا رجل ذهب ليحصل على معاشه، ذلك المبلغ الذي ينتظره في موعده من أجل أن يواصل به تفاصيل حياته اليومية، لكنه لم يستطع مواصلة الوقوف من شدة التعب، فاختار أن يجلس على الأرض منتظرًا أن يأتي دوره، بينما تستمر حركة المكان من حوله.
هذه الصورة لا ينبغي أن تكون مناسبة للاتهام أو الهجوم أو البحث عن طرف نحمّله المسؤولية، بقدر ما يجب أن تكون فرصة حقيقية للتفكير في كيفية تقديم خدمة أكثر راحة وكرامة لأصحاب المعاشات، هؤلاء الذين أمضوا سنوات طويلة من أعمارهم في العمل والعطاء، وكانوا في يوم من الأيام شبابًا يحملون المسؤولية ويذهبون إلى أعمالهم كل صباح، ويبنون بعرقهم مؤسسات الوطن ومصالحه ومرافقه وبيوته ومدارسه ومصانعه وحقوله وشوارعه.

صاحب المعاش ليس مجرد مواطن جاء ليصرف مبلغًا ماليًا، وإنما هو إنسان له تاريخ طويل من العمل، وله سنوات من التعب والالتزام، وله مكانة يجب أن تظل محفوظة في وجدان المجتمع. وعندما يصل الرجل أو المرأة إلى هذه المرحلة من العمر، يصبح من واجبنا جميعًا أن نبحث عن الطريقة التي تجعل حصولهم على حقوقهم أكثر سهولة، وأن نخفف عنهم مشقة الانتظار، وأن نحول يوم صرف المعاش من رحلة مرهقة إلى خدمة هادئة ومحترمة تليق بمن أفنوا أعمارهم في خدمة أسرهم ومجتمعهم ووطنهم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه الصورة هو أن احترام أصحاب المعاشات لا يحتاج إلى شعارات كبيرة، وإنما يحتاج إلى تفاصيل صغيرة تصنع فارقًا هائلًا في حياة الإنسان. مقعد مريح قريب من شباك الخدمة، ومكان انتظار مناسب، وأولوية لكبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وتنظيم واضح للدور، وموظف يتعامل بابتسامة وصبر، كلها أشياء بسيطة في تكلفتها، لكنها عظيمة في أثرها على النفس.
ومن حق أصحاب المعاشات أن تكون لهم الأولوية في الراحة، لا لأنهم أفضل من غيرهم، وإنما لأن أجسادهم لم تعد تتحمل ساعات الوقوف كما يتحملها الشباب. فالرجل الذي تجاوز الستين أو السبعين قد يعاني من آلام في الركبتين أو الظهر، وقد يكون مريضًا بالقلب أو السكر أو الضغط، وقد يأتي إلى مكتب البريد وهو يحمل معه سنوات من الإرهاق، ولذلك فإن توفير مقعد له ليس رفاهية، وتخصيص مسار ميسر له ليس تمييزًا، وإنما هو صورة من صور احترام الإنسان.
نحن لا نحتاج إلى النظر إلى هذه الصورة باعتبارها دليلًا على فشل مؤسسة أو تقصير دولة، وإنما يمكن أن ننظر إليها باعتبارها جرس تنبيه إيجابيًا يقول لنا إن التطوير لا يتوقف، وإن كل مؤسسة ناجحة تستطيع دائمًا أن تبحث عن خطوة جديدة تجعل خدماتها أكثر إنسانية. والدولة التي تعمل على تطوير خدماتها تستطيع أن تجعل من مثل هذه المواقف فرصة لتحسين التفاصيل الصغيرة التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.
إن مكاتب البريد اليوم لم تعد مجرد أماكن لصرف المعاشات، بل أصبحت جزءًا مهمًا من منظومة الخدمات التي يتعامل معها المواطن بصورة مستمرة، ولذلك فإن تطوير تجربة أصحاب المعاشات داخلها يمكن أن يكون نموذجًا جميلًا للخدمة العامة التي تجمع بين التنظيم والسرعة والرحمة. فليس المهم فقط أن يحصل المواطن على مستحقاته، ولكن المهم أيضًا أن يحصل عليها وهو يشعر بأنه محل تقدير واحترام.
وكم سيكون جميلًا لو أصبح في كل مكتب بريد مكان واضح ومريح لكبار السن، يحمل رسالة بسيطة تقول: «هذا المكان لكم، أنتم أصحاب الأولوية». وكم سيكون أجمل لو وجد صاحب المعاش أمامه موظفًا يعرف أن الرجل الذي يقف أمامه ليس رقمًا في طابور، وإنما إنسان له عمر وتجربة وكرامة يجب الحفاظ عليها. كلمة طيبة من الموظف قد تكون أحيانًا أكثر قيمة من سرعة إنجاز المعاملة نفسها، لأن الإنسان حين يشعر بالاحترام يصبح أكثر قدرة على تحمل الانتظار وأقل إحساسًا بالمشقة.
ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضًا تنظيم أوقات أو مسارات خاصة لكبار السن في أيام صرف المعاشات، بحيث يتم توزيع أعداد المترددين على فترات زمنية قدر الإمكان، مع إعطاء الأولوية لمن يصعب عليهم الوقوف طويلًا. ويمكن كذلك الاستفادة بصورة أكبر من الخدمات الإلكترونية ووسائل الصرف المختلفة لمن يستطيع استخدامها، حتى يتم تخفيف الضغط عن مكاتب البريد، مع استمرار توفير الخدمة المباشرة لمن يحتاج إليها ولا يستطيع التعامل مع الوسائل الرقمية.
كما يمكن أن يكون للمجتمع نفسه دور مهم في هذا الأمر، فالشاب الذي يرى رجلًا مسنًا يقف أمامه في الطابور يستطيع أن يمنحه مكانًا أو يساعده في الوصول إلى مقعد، والموظف يستطيع أن يقدم له المساعدة، وأفراد الأسرة يستطيعون أن يرافقوا كبار السن الذين يحتاجون إلى المساندة. الاحترام لا تصنعه المؤسسات وحدها، وإنما تصنعه أخلاق الناس أيضًا.
إن أجمل المجتمعات ليست تلك التي تخلو من المشكلات، وإنما تلك التي تعرف كيف تتعامل مع مشكلاتها بعقل وهدوء، وتحول المواقف اليومية إلى فرص للتحسين. وهذه الصورة بالذات يمكن أن تكون واحدة من تلك الفرص؛ فرصة لأن نسأل أنفسنا: كيف نجعل كبار السن أكثر راحة؟ كيف نخفف عن أصحاب المعاشات؟ كيف نجعل الخدمة أسرع وأسهل؟ وكيف نحافظ في الوقت نفسه على حقوق جميع المواطنين ونظام الدور والانضباط داخل المؤسسات؟
ولعلنا نحتاج كذلك إلى تغيير نظرتنا إلى صاحب المعاش، فهو ليس إنسانًا انتهى دوره بمجرد خروجه من الوظيفة، وإنما هو صاحب خبرة وتجربة وذاكرة وطنية. هؤلاء الرجال والنساء الذين نراهم اليوم في طوابير المعاشات كانوا بالأمس في مواقع العمل، يفتحون أبواب المصالح، ويزرعون الأرض، ويصنعون المنتجات، ويعلمون أبناءنا، ويعالجون المرضى، ويبنون الطرق، ويحمون المؤسسات، ويديرون المصانع والمكاتب، ويقدمون كل ما استطاعوا من أجل أسرهم ومجتمعهم.
والإنسان حين يتقدم به العمر لا يحتاج فقط إلى المال الذي يعيش به، وإنما يحتاج أيضًا إلى الشعور بأن المجتمع لم ينسه. يحتاج إلى أن يشعر أن السنوات التي بذلها لم تمر بلا تقدير، وأن الناس الذين جاءوا بعده يعرفون قيمة ما قدمه. ولذلك فإن المقعد الذي يجلس عليه صاحب المعاش، والابتسامة التي يستقبله بها الموظف، واليد التي تساعده على الوقوف، كلها رسائل تقول له: «نحن نراك، ونحن نقدر تعبك، وأنت ما زلت عزيزًا علينا».
وقد يكون الرجل الذي ظهر في الصورة جالسًا على الأرض قد أثار مشاعر الكثيرين، لكن الأهم من التعاطف معه للحظات هو أن تتحول الصورة إلى فكرة عملية قابلة للتنفيذ. نريد أن يأتي صاحب المعاش إلى مكتب البريد فيجد مكانًا يجلس فيه، ونريد أن تكون الأولوية واضحة لكبار السن، ونريد أن يشعر كل موظف أن التعامل مع هؤلاء المواطنين مسؤولية إنسانية قبل أن يكون إجراءً وظيفيًا، ونريد أن يكون التطوير دائمًا متجهًا إلى المواطن الذي يحتاج إلى الخدمة، وليس فقط إلى المبنى أو الأجهزة.
الدولة تبني وتطور وتحدث مؤسساتها، والمواطن من حقه أن يطمح دائمًا إلى المزيد من تحسين الخدمات، ولا تعارض بين الأمرين. بل إن النقد البناء الذي يبحث عن الحلول يمكن أن يكون شريكًا في التطوير، لأنه لا يهدم وإنما يقترح، ولا يهاجم وإنما ينبه، ولا يبحث عن الخطأ من أجل التشهير، وإنما يبحث عن الأفضل من أجل المواطن.
وإذا كانت الصورة قد جعلت الكثيرين يشعرون بالحزن على رجل اضطر إلى الجلوس على الأرض، فلنجعل هذا الشعور بداية لشيء أجمل، لا نهاية عند تداول الصورة والتعليق عليها. لنجعلها دعوة إلى توفير المزيد من المقاعد، وتنظيم الطوابير، وتخصيص أولوية لكبار السن، وتحسين تجربة أصحاب المعاشات، وتشجيع الجميع على مساعدة من لا يستطيع الوقوف أو الحركة بسهولة.
فهؤلاء الرجال ليسوا عبئًا على المجتمع، بل هم جزء من ذاكرته وتاريخه. وكل مجتمع يحترم كبار السن يحترم نفسه، وكل مؤسسة تحافظ على كرامة المواطن تثبت أن الخدمة العامة يمكن أن تجمع بين النظام والإنسانية، وبين السرعة والاحترام، وبين القانون والرحمة.
وفي النهاية، ربما لا نعرف اسم الرجل الذي جلس على الأرض، ولا نعرف كم عامًا قضى في العمل، ولا نعرف كم مرة وقف في حياته من أجل أسرته ووطنه، لكننا نعرف شيئًا واحدًا يكفي لأن نتوقف أمام هذه الصورة طويلًا: أن العمر عندما يتقدم يحتاج إلى يد تسنده، ومقعد يريحه، وكلمة طيبة تطمئنه، وخدمة تحفظ كرامته.
ومن هنا يجب أن تكون رسالتنا واضحة: احترموا أصحاب المعاشات، وأعطوهم الأولوية في الراحة، وسهّلوا لهم الحصول على حقوقهم، واجعلوا كل مؤسسة يتعاملون معها مكانًا يشعرون فيه بالتقدير لا بالمشقة. فهؤلاء الذين أعطوا من أعمارهم الكثير، يستحقون منا في سنواتهم القادمة شيئًا بسيطًا لكنه عظيم المعنى: أن نقول لهم بالفعل قبل الكلام، لقد تعبتم كثيرًا.. وحان الوقت أن نخفف عنكم.


اترك تعليقاً