رئيس التحرير

الدكتورة منى حنا عياد تكتب : تكلم حتى أراك

الإثنين 12-10-2026 14:07

بقلم  /دكتورة منى حنا عياد
عندما تسير في الشارع أو تجلس في مكان ما، وتركز مع المحيطين حولك، قد ترى أشخاصًا يرتدون ثيابًا أنيقة جدًا، فيظن عقلك أنهم أشخاص مهمون، ذوو نفوذ، ولديهم أسلوب راقٍ ومنطق مهم. وعند حديثك معهم، تقع الصدمة، فتجد طريقة كلام غير لائقة، وألفاظًا سيئة، وصوتًا مزعجًا! وكل ذلك عكس المظهر تمامًا!
وقد يحدث العكس أيضًا، عندما تتعرف على أحد الأشخاص عبر الهاتف، ولم تلتقِ به بعد، فيصوّر لك عقلك صورة معينة لمظهر هذا الشخص، وذلك بناءً على سماعك لصوته واختياره لكلماته الراقية، والمنطق العميق الذي يفكر به، وطريقته الطيبة في التعبير عن أفكاره ومشاعره. وعندما ترى هذا الشخص، ربما تقع في صدمة أيضًا، لأن خيالك القائم على صوته صوّر لك مظهرًا ربما يكون مختلفًا كليًا عن حقيقة هيئة هذا الشخص ومظهره.
في كلتا الحالتين، الأمر قد يبدو مقبولًا بين البشر، وقد يعتادوا المظهر بعد فترة من الزمن، إذا كانوا متفقين مع أفكار الشخص ومنطقه، مما يؤكد الحكم والأقوال ولكن، كيف يكون الحال في عصر التواصل الرقمي، حيث أصبح الأشخاص يفعلون كل ما يستطيعون حتى يظهروا بمظهر أنيق وفخم وثري، على عكس حقيقتهم! عصر تتواصل فيه البشر دون أن تتصل وتلتقي وجهًا لوجه؟ أو تلتقي من خلال صورة رقمية وهمية؟
في حقيقة الأمر، ربما يظل الصوت والمظهر محتفظين بمكانتهما في تحديد هوية الأشخاص أثناء التواصل بين البشر، ولكن بطريقة مختلفة، فكلاهما أصبحا رقميين (الصوت الرقمي والمظهر الرقمي)، وهما عملة التواصل الفعّال في العصر الحالي. حيث تحوّل الإنسان إلى سلعة، يجب عليه تسويقها رقميًا، من خلال الصور والمنشورات المجارية للأحداث، كي يخلق له مكانًا في المجتمع الذي لا يعترف إلا بالنسخة المثالية منه!
نحن الآن نعيش في زمن به أعلى معدلات العزلة البشرية عبر التاريخ، ومع ذلك جميعنا يمتلك آلاف الأصدقاء والمتابعين عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي. غالبيتنا استبدل التواصل الرقمي عبر الرموز التعبيرية بالاتصال الإنساني العميق. إضافة إلى أن كلًا منا يعيش في فقاعته الخاصة، ويدور في عالمه المتوحد الذي لا يقبل فيه اختلاف الآخرين، حيث تعرض لنا الخوارزميات ما نود أن نراه ونتابعه فقط، والأعلى مشاهدة، دون عرض وجهات النظر الأخرى.
الإنسان كلماته هي شكله، بما أنه نموذج لغوي، فإن رداءه الخارجي، أي مظهره، هو النصوص والردود التي يكتبها لك أنت كإنسان. كما أن أسلوبه في الحوار يتمثل في طريقته في تنظيم الأفكار، والإجابة هي التي ترسم صورته في مخيلتك كإنسان. إضافة إلى أن مظهره الرقمي قائم على المرونة والتكيف، اللذين يتشكلان ليتناسبا مع اهتماماتك وعمق نقاشك كإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *