د. أمل جمال سليمان تكتب : تعزيز الانتماء الوطني
الخميس 15-10-2026 07:05
بقلم : د. أمل جمال سليمان
وكيل وزارة الشباب والرياضة سابقًا
استشاري قطاع مناحي الحياة بمؤسسة مصر الخير
إن الشعور بالانتماء للأهل والوطن عملية لا تتأتى بالتعليمات والتوجيهات والنصائح، ولا تأتي كذلك بالإغراء والترهيب، وإنما هي عملية مستمرة تشبه عملية التربية تمامًا من حيث الاستمرارية، وهي نتاج التربية.
والإنسان بطبعه يولد ومن حوله والداه وإخوانه وبقية أفراد العائلة والجيران وبقية أعضاء الحي أو المنطقة، وكل منهم يشبع بطريقة أو بأخرى حاجات ومتطلبات ذلك الإنسان. وبالتالي، فإن الانتماء (وهو ذلك الشعور والسلوك والمعتقد الذي يمتلكه الشخص نحو بيئته ومن حوله ووطنه، وإيمانه بهم وتوحده معهم) يتشكل بداية مع تحقيق الحاجات الأساسية للطفل من مأكل ومشرب وملبس، ثم من توفير الحنان والعطف، وكذلك وسائل الترفيه واللعب مع الأقران، وكذلك الأمان الجسدي والنفسي، وغير ذلك مما يسميه علماء الطفولة وعلماء النفس بصورة عامة وسائل وعوامل ووسائط التنشئة الاجتماعية.
ولذلك لا نستغرب أبدًا أن نجد الكثير من الناس في شعوب العالم المختلفة يتشربون قيم المواطنة مع تحقيق الحاجات الأساسية لهم كأطفال، وتنمو معهم هذه القيم بنموهم على مدى العمر، بل وتقوم كثير من الدول بالتخطيط لغرس مفاهيم المواطنة للمواطنين مع مراحل النمو المبكرة، ومن خلال الأسرة والمدرسة بشكل مخطط له ومدروس ومتابع.
ويجب أن نعلم أن المحافظة على المفاهيم الإيجابية للمواطنة ترتبط كذلك، مع تقدم العمر، بتحقيق بعض الحاجات النفسية والاجتماعية، مثل تحقيق الذات والطموح في الحياة، وكذلك العدالة الاجتماعية والمشاركة في القرارات التي تخص أصحاب الشأن، وكذلك توفير قدر كافٍ من الحرية الشخصية والاجتماعية والدينية، والتأمين على المستقبل، وغيرها من الحاجات الأساسية التي تنمو مع نمو الإنسان. وحين نلحظ مدى توفر مثل هذه الحاجات، وبخاصة الأساسية منها، في أي بلد، فإننا نجد انتماءً عاليًا.
الأسرة والمدرسة
ولكي نقوم بتعزيز الولاء والانتماء والمواطنة، لا بد من توفر عدة عوامل، هي التربية بمفهومها الواسع، حيث هي مصدر أساسي في النمو الفكري والشخصي والاجتماعي والسياسي والروحي والبدني. والتربية المقصودة (المدرسة) هي الممثل الرئيسي للقيام بمثل هذه المهمة، من خلال المعلم والمنهج المدرسي وبيئة المدرسة والنشاطات التي تقوم بأدوار مهمة جدًا في تعزيز الولاء والانتماء والمواطنة الحقيقية، والتي يشارك من خلالها الطلاب في الأنشطة والأعمال المختلفة، وكذلك الزيارات للآثار والمكتسبات والموارد والكنوز التي يمتلكها الوطن، والتي تجسد تاريخ وهوية الوطن بشكل مادي ومعنوي ملموس.
ويأتي كذلك عامل الأسرة، وهو عامل ربما يعده بعضهم أهم من أي عامل آخر، بحكم أن كلًّا منا يولد ويعيش ويتربى داخل الأسرة أولًا وأخيرًا، بل ويتعلم ويتشرب كثيرًا من القيم والعادات والسلوكيات من داخل الأسرة، وأنا أتفق مع هذا الرأي، ولكن بعد تطور التكنولوجيا بمفرزاتها المختلفة والهائلة، مثل الأقمار الصناعية والشبكات العنكبوتية والحاسبات الآلية ووسائل الاتصال المختلفة من جوالات وغيرها، فقد تضاءل دور الأسرة وضعف بعد الغزو الفضائي والتكنولوجي المنافس للدور الرئيسي للأسرة، فضلًا عن السعي اللاهث لأفراد الأسرة للرزق الأساسي والترفيهي، مما أدى إلى تحول العبء الرئيس في نظري إلى المدرسة، مع الأمنيات بأن تستعيد الأسرة دورها الحقيقي الذي لا غنى عنه للقيام به تجاه تنشئة الأبناء التنشئة الصحيحة، والمساهمة الفاعلة لتنمية وتعزيز دور المواطنة والانتماء.
الإعلام والوعي
وهناك أيضًا عوامل مؤثرة أخرى ومهمة في عملية التنشئة الاجتماعية وتعزيز المواطنة والانتماء، وهما الإعلام بوسائله المختلفة والدراما، والتي أصبحت تشكل الوعي والإدراك المجتمعي نحو قضايا عديدة.
تعزيز الانتماء الوطني
ويتجلى لنا بعد هذا الاستعراض أن عوامل تعزيز الانتماء والولاء والمواطنة عملية معقدة ومتشابكة، وتخضع لعدة اعتبارات ومؤثرات، ولا بد لتحقيقها من إجراء الدراسات للوقوف على واقعها الحالي، ومن ثم تحديد مستواها ووصف الكيفية التي يمكن من خلالها تعزيزها ضمن خطط وبرامج استراتيجية، مع التركيز على النشء في عملية التخطيط بعيد المدى.
ولا بد أن ندرك تمامًا أن تعزيز الانتماء الوطني يتم من خلال مجموعة من الأساليب والوسائل المتكاملة التي تشمل الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، وكل ما هو مؤثر في وجدان النشء والشباب.


اترك تعليقاً