رئيس التحرير

فيها حاجة حلوة … الشيخ محمد البريدي المسعودي.. قاضي البادية ورجل المواقف الوطنية

الإثنين 19-10-2026 21:18

الإسماعيلية /حسين السمنودي

في كل مجتمع رجالٌ تفرض سيرتهم نفسها بما يتركونه من أثرٍ في حياة الناس، وبما يحملونه من صفاتٍ تجعلهم موضع تقدير واحترام، وهناك شخصيات لا تتوقف مكانتها عند حدود عائلاتها أو قبائلها، بل تمتد لتصبح معروفة في دوائر اجتماعية واسعة، لما ارتبط باسمها من مواقف الإصلاح والحكمة والسعي إلى جمع الكلمة. ومن هذه الشخصيات الشيخ محمد بن عيد بن عيادة البريدي المسعودي، الذي اشتهر بلقب قاضي البادية المصرية، وأصبح اسمه حاضرًا في الحديث عن القضاء العرفي والإصلاح بين الناس، بما يمثله هذا الدور من مسؤولية كبيرة تحتاج إلى عقلٍ راجح، وقلبٍ يتسع للجميع، وقدرةٍ على التعامل مع الخلافات بحكمةٍ واتزان.
إن قيمة الرجال لا تُقاس بما يُقال عنهم من ألقاب، وإنما بما يحملونه من مسؤوليات، وبما يستطيعون تقديمه لمجتمعهم من مواقف نافعة. فالرجل الذي يجلس بين المتخاصمين لا يحتاج إلى قوة الصوت بقدر حاجته إلى قوة الحجة، ولا يحتاج إلى فرض رأيه بقدر حاجته إلى إقناع الآخرين بالحق، ولا تكتمل مكانته إلا إذا استطاع أن يجعل من مجلسه بابًا للصلح، ومن كلمته طريقًا إلى التفاهم، ومن حكمته وسيلةً لحماية العلاقات الإنسانية من التمزق والضياع.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الشيخ محمد البريدي المسعودي، الذي يرتبط لقبه بميدانٍ من أصعب ميادين التعامل الاجتماعي، وهو الإصلاح بين الناس. فالخصومات قد تبدأ بكلمة، ثم تتسع بسبب العناد وسوء الفهم، وقد تتحول مع مرور الوقت إلى خلافاتٍ تمس العلاقات بين العائلات والقبائل، وهنا تظهر قيمة أصحاب الرأي والحكمة الذين يسعون إلى احتواء المواقف قبل أن تتفاقم، ويبحثون عن الحلول التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامة وتعيد الود إلى النفوس. فكم من خلافٍ يحتاج إلى كلمة صادقة تنهيه، وكم من خصومةٍ تحتاج إلى رجلٍ حكيم يسمع الجميع دون انحياز، ويضع العدل فوق الاعتبارات الشخصية.
ولأن الحديث عن الشيخ محمد بن عيد البريدي المسعودي يرتبط أيضًا بجذوره القبلية، فلا بد أن نتوقف أمام قبيلة المساعيد، هذه القبيلة العربية التي يعتز أبناؤها بتاريخهم وأصولهم، ويحملون في ذاكرتهم معاني النخوة والوفاء والشجاعة وصون العهد. فالقبيلة ليست مجرد اسمٍ يُذكر في المناسبات، وليست نسبًا يتوارثه الأبناء فحسب، وإنما هي تاريخٌ من القيم والتقاليد والمسؤوليات، يظل حيًا بقدر ما يحافظ أبناؤها على أخلاقهم، ويضيفون إلى رصيدها من خلال أعمالهم ومواقفهم وسلوكهم بين الناس.
وقبيلة المساعيد، كغيرها من القبائل العربية الأصيلة، يرتبط الاعتزاز بها عند أبنائها بما يحملونه من انتماءٍ إلى تاريخهم، وحرصٍ على صيانة سمعة أهلهم، والتمسك بالقيم التي تربوا عليها. غير أن أعظم ما يمكن أن يقدمه أبناء أي قبيلة لتاريخها هو أن يكونوا أهل عدلٍ وإصلاح، وأن يجعلوا من أصالة النسب دافعًا إلى حسن المعاملة، ومن الاعتزاز بالجذور حافزًا إلى خدمة المجتمع، ومن تاريخ الأجداد مسؤوليةً تحتم عليهم أن يكونوا جديرين بما يحملونه من اسمٍ وانتماء.
وهنا تبرز حقيقة مهمة ينبغي ألا تغيب عن الأذهان، وهي أن الانتماء القبلي الأصيل لا يتعارض أبدًا مع الانتماء الوطني، بل يمكن أن يكون أحد روافده القوية عندما يقوم على المحبة والوفاء والعمل الصالح. فالمصري الذي يعتز بقبيلته وعائلته يستطيع في الوقت نفسه أن يكون أكثر إخلاصًا لوطنه، وأكثر حرصًا على أمنه واستقراره، وأكثر استعدادًا للمشاركة في بناء مجتمعه. ولا توجد منافسة بين حب القبيلة وحب مصر، لأن الانتماء الحقيقي يبدأ من احترام الجذور، لكنه لا يتوقف عندها، بل يمتد ليشمل الأرض التي نعيش عليها، والناس الذين نتشارك معهم الحياة، والوطن الذي يجمعنا جميعًا تحت راية واحدة.
ومصر لم تكن يومًا ملكًا لفئةٍ دون أخرى، ولم تُبنَ بسواعد أبناء المدن وحدهم أو أبناء القرى والقبائل وحدهم، وإنما صنعتها جهود المصريين جميعًا، بكل تنوعهم الاجتماعي والثقافي، وبما جمعهم من إرادةٍ وطنية في مواجهة التحديات. وقد ظلت القبائل المصرية جزءًا من نسيج الوطن، تحمل همومه وتشارك في مسيرته، وتتمسك بأرضه وتاريخه، وتورث أبناءها معنى الانتماء إلى مصر باعتبارها البيت الكبير الذي تتسع أرضه للجميع. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتزاز بقبيلة المساعيد يكتسب معناه الأجمل عندما يقترن بالاعتزاز بمصر، والحرص على وحدتها، واحترام مؤسساتها وقوانينها، والعمل من أجل رفعة شأنها.
فالوطنية ليست شعاراتٍ تُرفع في المناسبات، ولا كلماتٍ تُقال أمام الكاميرات، وإنما هي سلوكٌ يومي يظهر في احترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، ونشر روح التسامح، ومساندة المظلوم، والحرص على مصالح المجتمع، ورفض كل ما من شأنه أن يزرع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد. والرجل صاحب المكانة الاجتماعية يستطيع أن يؤدي دورًا وطنيًا مهمًا عندما يجعل من حضوره وسيلةً للإصلاح، ومن كلمته دعوةً إلى التماسك، ومن علاقاته الاجتماعية جسرًا للتواصل والتفاهم بين الناس.
ولعل من أجمل المعاني التي تتوارثها القبائل العربية قصة هانئ بن مسعود الشيباني، التي ارتبطت بصون أمانة النعمان بن المنذر ورفض تسليمها إلى كسرى، فأصبحت في الذاكرة العربية مثالًا على الوفاء بالعهد والتمسك بالأمانة في مواجهة الضغوط. ومثل هذه المواقف التاريخية تذكرنا بأن الكرامة لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الشجاعة الحقيقية لا تعني التعدي على الآخرين، وإنما تعني الثبات على الحق، وحماية الأمانة، والوفاء بالوعد، والوقوف إلى جانب المظلوم.
وفي السياق ذاته، يتردد على ألسنة أبناء البادية القول: «أبوهن دونهن، إبحور إتغرق ونار إتحرق»، وهو تعبيرٌ شعبي يحمل معاني الحمية والذود عن الحرمات والأعراض، ويعكس جانبًا من ثقافة البادية التي تعتز بالنخوة والشجاعة وصون الكرامة. وتظل قيمة هذه المعاني مرتبطة بحسن توظيفها في حماية الحقوق، ونصرة المظلوم، والدفاع عن الوطن، لا في إشعال الخصومات أو التعدي على حقوق الآخرين؛ فالمروءة الحقيقية تجمع بين قوة الموقف وعدالة التصرف، وبين الاعتزاز بالكرامة واحترام كرامة الناس.
وإذا كان التاريخ يمنح القبائل والأسر جذورها التي تعتز بها، فإن الحاضر يمنح أبناءها الفرصة ليبرهنوا على قيمة هذا الإرث. فالإنسان لا يُكرم لمجرد أنه ينتمي إلى قبيلة عريقة، بل بما يقدمه من عملٍ نافع، وما يلتزم به من أخلاق، وما يتركه من أثرٍ طيب. ومن هنا فإن مكانة الشيخ محمد البريدي المسعودي، كما يراها محبوه ومقدّروه، ترتبط بما يمثله لقب قاضي البادية من معانٍ تتصل بالحكمة والإصلاح وتحمل المسؤولية الاجتماعية، وهي معانٍ تزداد قيمةً كلما اقترنت بالعدل والتواضع واحترام الجميع.
كما أن الحفاظ على تقاليد القبائل لا يعني التمسك بالخلافات القديمة أو إحياء الخصومات، بل يعني المحافظة على أفضل ما في هذا التراث من كرمٍ وشهامةٍ ووفاءٍ وإغاثةٍ للملهوف، وتطوير ما يحتاج إلى التطوير بما يتفق مع متطلبات العصر واحترام القانون. فالأعراف التي تخدم الناس وتحفظ حقوقهم وتساعد على الصلح تكون ذات قيمة اجتماعية، أما الحقوق والواجبات العامة فيظل مرجعها القانون، ويظل القضاء الرسمي صاحب الاختصاص في الفصل في المنازعات وفقًا لأحكامه. وبهذا يتحقق التوازن بين احترام التراث الاجتماعي والالتزام بقواعد الدولة التي تجمع أبناء مصر جميعًا.
إننا اليوم في حاجة إلى ترسيخ ثقافة الإصلاح في كل مكان، داخل العائلات والقبائل، وفي القرى والمدن، وبين الشباب والأجيال الجديدة. نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا أن القوة ليست في الخصام، وأن الرجولة ليست في الانتقام، وأن الحفاظ على الكرامة لا يكون بإهدار كرامة الآخرين، بل بالتمسك بالحق والقدرة على التسامح عندما يكون التسامح سبيلًا إلى إنهاء النزاع. كما نحتاج إلى رجالٍ يذكرون الناس دائمًا بأن ما يجمع المصريين أكبر بكثير مما قد يختلفون حوله، وأن استقرار المجتمع يبدأ من احترام الإنسان لأخيه الإنسان.
وإذا كان لقب قاضي البادية المصرية قد وضع الشيخ محمد بن عيد بن عيادة البريدي المسعودي في دائرة الاهتمام والتقدير لدى من يعرفونه، فإن المسؤولية الحقيقية التي يحملها هذا اللقب تظل في القدرة على مواصلة طريق الإصلاح، وتقديم نموذجٍ يقوم على الإنصاف والحكمة والتواضع، ويجعل من حل النزاعات فرصةً لإعادة العلاقات إلى طبيعتها، لا مجرد إنهاء خلافٍ عابر. فالمكانة الاجتماعية الحقيقية لا يصنعها عدد المجالس التي يحضرها الإنسان، بل ما يخرج به الناس من هذه المجالس من شعورٍ بالإنصاف والاحترام والاطمئنان.
وما أجمل أن يظل أبناء قبيلة المساعيد، وسائر القبائل المصرية، نموذجًا في الجمع بين الاعتزاز بالأصل والوفاء للوطن، وبين المحافظة على الموروث الطيب والانفتاح على ما يخدم المجتمع، وبين التمسك بالكرامة واحترام حقوق الآخرين. فمصر تحتاج إلى كل أبنائها، وإلى كل جهدٍ مخلص يحمي وحدتها ويعزز تماسكها، وإلى كل كلمةٍ صادقة تطفئ نار الخلاف وتفتح طريق المحبة والتعاون.
وفي النهاية، تبقى قيمة الإنسان فيما يتركه من سيرةٍ طيبة، وما يقدمه من خيرٍ للناس، وما يزرعه من محبةٍ واحترامٍ في محيطه. وتبقى القبائل العريقة أكثر اعتزازًا بتاريخها حين يكون حاضر أبنائها امتدادًا مشرفًا لهذا التاريخ، وتبقى الوطنية أصدق تعبيرًا حين تتحول من كلماتٍ إلى مواقف وأعمال.
كل التحية والتقدير للشيخ محمد بن عيد بن عيادة البريدي المسعودي، مع أطيب الأمنيات له بموفور الصحة والعافية ودوام التوفيق في كل مسعىً للإصلاح وجمع الكلمة. والتحية كذلك لأبناء قبيلة المساعيد، ولكل القبائل والعائلات المصرية التي تجعل من حب مصر والوفاء لها قيمةً راسخة في وجدان أبنائها. حفظ الله مصر، وأدام على شعبها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل المحبة والعدل والإخاء طريقًا يجمع أبناءها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *