حسين السمنودي يكتب : أصعب إحساس.. أن تبتسم وقلبك ينزف من الداخل
الخميس 22-10-2026 15:39
بقلم : حسين السمنودي
أصعب إحساس في الدنيا أن تضحك أمام الناس كي تبدو بخير، وأن تبكي وحدك حين تغلق باب غرفتك، وتخلع عن وجهك ابتسامتك المصطنعة، وتترك لدموعك فرصة أن تحكي ما عجز لسانك عن قوله. أصعب إحساس أن تكون الشخص الذي يطمئن الجميع، بينما لا تجد من يطمئن قلبك، وأن تسأل الآخرين عن أحوالهم بكل اهتمام، ولا يسألك أحد عن حالك الحقيقي، بعيدًا عن تلك الإجابة المعتادة التي تقولها وأنت تبتسم: أنا بخير.
هناك حزن لا تستطيع الكلمات أن تصفه، ولا تستطيع الدموع أن تغسله، ولا تستطيع الأيام وحدها أن تمحوه. حزن يسكن أعماق الإنسان، ويتسلل إلى روحه في هدوء، ويجلس في زاوية بعيدة من قلبه، لا يراه أحد، لكنه يرافقه في كل لحظة من لحظات حياته. حزن يجعلك تستيقظ من نومك وأنت متعب، وتبدأ يومك وكأنك تحمل فوق كتفيك جبلًا من الهموم، ثم تخرج إلى الناس بوجه بشوش، وكأن الدنيا لم تفعل بك شيئًا، وكأن قلبك لم يقضِ ليلته الماضية في معركة طويلة مع نفسه.
الإنسان الحزين ليس بالضرورة ذلك الذي يجلس في زاوية باكيًا، أو الذي يروي للناس مأساته في كل مجلس، أو الذي يشكو قسوة الحياة كلما وجد فرصة للحديث. أحيانًا يكون أكثر الناس حزنًا هو أكثرهم ضحكًا، وأكثرهم قدرة على صناعة البهجة في قلوب الآخرين، وأكثرهم حرصًا على ألا يشعر أحد بوجعه. قد يكون ذلك الصديق الذي يملأ المكان ضحكًا، أو الأب الذي يعود إلى بيته متعبًا فيخفي أوجاعه حتى لا يقلق أبناؤه، أو الأم التي تمسح دمعتها سريعًا قبل أن يراها أطفالها، أو ذلك الإنسان الذي اعتاد الجميع أن يجدوه قويًّا، حتى نسوا أن القوة لا تعني أنه لا يتألم.
كم من إنسان يضحك من قلبه في الظاهر، بينما يخوض في داخله حربًا لا يعرف عنها أحد شيئًا! كم من شخص يجلس وسط أصدقائه، يشاركهم الحديث والمزاح، ويصنع لهم من كلماته لحظات جميلة، ثم يعود إلى بيته فيشعر بوحدة لا يستطيع وصفها. وكم من إنسان يوزع ابتساماته على الجميع، لكنه حين يحتاج إلى ابتسامة صادقة من أحدهم، لا يجد سوى الصمت!
بعض البشر لا يخفون حزنهم لأنهم لا يريدون الحديث عنه فحسب، بل لأنهم جربوا الحديث طويلًا ولم يجدوا من يفهمهم. تكلموا ذات يوم بكل ما في صدورهم، فوجدوا من يقلل من أوجاعهم، ومن يقارن مصائبهم بمصائب الآخرين، ومن يطالبهم بالصبر وكأن الصبر زرٌّ يضغط عليه الإنسان فيختفي الألم. وربما وجدوا من استمع إليهم بدافع الفضول، لا بدافع الرحمة، ثم تحولت حكاياتهم الخاصة إلى أحاديث تتناقلها الألسنة. عندها يتعلم الإنسان الصمت، لا لأنه شُفي، بل لأنه فقد الأمل في أن يجد قلبًا يحتمل ما بداخله.
ومع مرور الأيام، يصبح الصمت عادة، ويصبح إخفاء الوجع مهارة، وتصبح الابتسامة قناعًا يرتديه الإنسان كل صباح قبل أن يواجه العالم. يتعلم كيف يغير الموضوع عندما يقترب الحديث من جرحه، وكيف يضحك عندما يشعر أن عينيه توشكان على البكاء، وكيف يقول «ولا يهمك» وهو في داخله يتمنى لو أن هناك من يهتم فعلًا. يتعلم كيف يعتذر عن حزنه، وكيف يخفي احتياجه، وكيف يتظاهر بأن غياب بعض الأشخاص لا يؤلمه، بينما هو في الحقيقة يتألم من غيابهم أكثر مما يستطيع الاعتراف به.
يا لقسوة الحياة حين يضطر الإنسان إلى تمثيل العافية وهو في أشد الحاجة إلى من يربت على كتفه ويقول له: لا تتعب نفسك، ليس مطلوبًا منك أن تكون قويًّا طوال الوقت. ليس عليك أن تشرح كل شيء، ولا أن تخفي دموعك، ولا أن تتظاهر بأنك قادر على تجاوز كل شيء وحدك. اجلس قليلًا، وخذ نفسًا عميقًا، واحكِ ما شئت، وابكِ إن احتجت إلى البكاء، فلن تقل قيمتك في عيني لأنك انكسرت، ولن تصبح ضعيفًا لأنك اعترفت بأنك لم تعد تحتمل.
لكن المشكلة أن هذا الإنسان قد يقضي عمره كله يبحث عن تلك الكلمات، ولا يجدها. قد يعيش بين عشرات الأشخاص، ويشعر بأنه وحيد أكثر من إنسان يسير في صحراء لا نهاية لها. فالوحشة ليست دائمًا غياب الناس، بل قد تكون وجودهم جميعًا حولك، وغياب الشخص الذي يستطيع أن يرى ما وراء عينيك، وأن يسمع ما لم تقله شفتاك، وأن يفهم أن ضحكتك هذه المرة ليست فرحًا، بل محاولة أخيرة منك حتى لا تنهار.
في البيت، حيث يفترض أن يجد الإنسان سكينته، قد يخفي الحزين حزنه عن أقرب الناس إليه. لا يريد أن يحمّل زوجته همومًا إضافية، ولا أن يشعر أبناؤه بالخوف، ولا أن يبدو عاجزًا أمام أسرته. يعود من عمله وقد استنزفته الحياة، وثقلت صدره كلمات قاسية سمعها، وحقوق ضاعت منه، وأحلام تأخرت، وأبواب أُغلقت في وجهه، ثم يجلس بينهم، يشاركهم الطعام والحديث والضحك، ويسأل أبناءه عن يومهم، ويطمئن على دراستهم، ويداعب الصغير منهم، بينما روحه في مكان آخر، تستعيد خساراتها واحدة تلو الأخرى.
كم من أبٍ نام مهمومًا لأنه لا يعرف كيف يوفر لأبنائه كل ما يحتاجون إليه! وكم من أمٍّ بكت في صمت لأنها تشعر بأنها تعطي الجميع من روحها ولا تجد من يسألها عما تحتاج إليه! وكم من زوجين يعيشان تحت سقف واحد، لكن كلًّا منهما يحمل في صدره حزنًا لا يعرف كيف يشرحه للآخر! وكم من ابنٍ يبدو صامتًا ومنعزلًا في أعين الناس، بينما هو في داخله يخوض معارك لا يعلم عنها أحد شيئًا!
الحزن لا يختار الفقراء وحدهم، ولا يترك الأغنياء وحدهم، ولا يرحم أصحاب المناصب، ولا يستثني المشهورين أو الناجحين. قد تملك بيتًا واسعًا، وسيارة جميلة، وعملًا يحسدك الناس عليه، وأصدقاء يحيطون بك، ثم تعود في نهاية يومك لتشعر بفراغ لا تستطيع كل ممتلكات الدنيا أن تملأه. فليست كل النعم التي تُرى قادرة على علاج الأوجاع التي لا تُرى، وليس كل من امتلك أسباب الراحة قد امتلك راحة البال، وليس كل من صفق له الناس في الخارج وجد قلبًا يحتضنه في الداخل.
وأشد أنواع الحزن قسوة ذلك الذي لا تستطيع أن تحدد له سببًا واحدًا. تتراكم في داخلك خيبات صغيرة، وكلمات لم تنسها، ووعود لم تتحقق، وأشخاص كنت تظن أنهم سيبقون، وأحلام كنت تعتقد أن الوصول إليها مسألة وقت. ثم تأتي لحظة لا تعرف فيها لماذا تشعر بكل هذا الثقل، فتتعب من نفسك، وتلوم قلبك لأنه لا يزال يتذكر، وتلوم عقلك لأنه لا يتوقف عن التفكير، وتلوم الأيام لأنها تمضي دون أن تحمل لك ما انتظرته طويلًا.
تجلس أحيانًا أمام هاتفك، تتصفح أسماء الناس، وتتوقف عند اسم شخص كان يومًا جزءًا من تفاصيل حياتك. تتذكر حديثًا طويلًا جمعكما، وضحكة خرجت من قلبك يومًا، وموقفًا كنت فيه مطمئنًا إلى أن هناك من يقف بجوارك. ثم تنظر إلى المسافة التي صنعتها الأيام بينكما، فتدرك أن بعض الغياب لا يترك فراغًا في المكان وحده، بل يترك فراغًا في الروح، وأن الإنسان قد يفتقد شخصًا رغم أنه لم يعد يريد العودة إليه؛ لأن ما يفتقده أحيانًا ليس الشخص نفسه، بل النسخة التي كان عليها من قلبه حين كان ذلك الشخص قريبًا منه.
وكم من إنسان يبكي على أشياء لا يستطيع استعادتها؛ على طفولة مضت دون أن يعيشها كما تمنى، وعلى أبٍ رحل قبل أن يشبع من وجوده، وعلى أمٍّ لم يعد يستطيع أن يضع رأسه في حجرها ويشكو لها الدنيا، وعلى صديق فرّقتهما المصالح، وعلى عمر قضاه في إرضاء الآخرين حتى نسي نفسه، وعلى أحلام تأخرت، وعلى فرص ضاعت بسبب الخوف، وعلى قرارات اتخذها وهو يظن أنها الصواب، ثم اكتشف متأخرًا أنها أخذته إلى طريق لم يكن يتمناه.
إن أصعب ما في الحزن أن بعض خساراته لا يمكن تعويضها. تستطيع أن تبدأ عملًا جديدًا، وأن تنتقل إلى مكان آخر، وأن تتعرف إلى أصدقاء جدد، لكنك لا تستطيع أن تعيد إنسانًا رحل عن الدنيا، ولا أن تعيش سنواتك الماضية مرة أخرى، ولا أن تمحو كلمة قاسية سكنت قلب شخص تحبه، ولا أن تعود إلى لحظة كنت فيها قادرًا على قول شيء ولم تقله. ولهذا يبقى بعض الحزن في داخلنا كذكرى لا تموت، لا لأنه أقوى من الحياة، بل لأنه ارتبط بأشياء كانت تعني لنا الحياة نفسها.
وفي الحب، يكون الحزن أكثر إيلامًا حين تحب بصدق ولا تجد الصدق نفسه، حين تمنح قلبك لشخص وتظن أنك وجدت أخيرًا مكانًا آمنًا، ثم تكتشف أنك كنت وحدك من يبني ذلك الأمان. تتعلق بالتفاصيل الصغيرة، تنتظر رسالة، وتفسر الصمت، وتبحث عن أعذار للغياب، وتخشى أن تسأل حتى لا تسمع إجابة تؤلمك. تتنازل مرة بعد مرة، وتقول لنفسك إن الحب يحتاج إلى الصبر، حتى يأتي يوم تدرك فيه أنك لم تعد تحافظ على العلاقة، بل تستنزف نفسك من أجل ألا تخسرها.
وحين تنتهي الحكاية، لا ينتهي الألم بمجرد أن تنتهي الكلمات. قد يظل الإنسان يحادث نفسه طويلًا، يسأل أين أخطأ، ولماذا تغيرت الأشياء، وهل كان يمكن إنقاذ ما ضاع. وربما يلوم نفسه لأنه أحب، أو لأنه وثق، أو لأنه منح أكثر مما ينبغي. لكنه ينسى أن الحب الصادق ليس عيبًا، وأن طيبة القلب ليست جريمة، وأن الخطأ ليس في أن تمنح المشاعر لمن تحب، بل في أن تفقد نفسك تمامًا وأنت تحاول أن تجعل شخصًا آخر سعيدًا.
وفي الصداقة، ثمة وجع لا يقل قسوة عن وجع الحب. أن تكتشف أن الشخص الذي كنت تحمل همَّه لم يكن يحمل همَّك، وأنك كنت أول من يسأل وآخر من يُسأل عنه، وأنك كنت تفتح أبوابك وقت ضيقه، بينما غابت خطواته حين احتجت إلى وجوده. أن تتذكر كم مرة دافعت عنه في غيابه، ثم تكتشف أنه لم يدافع عنك في حضور الآخرين. عندها لا تحزن فقط على خسارة الصديق، بل تحزن على السنوات التي منحتها له، وعلى الصورة التي رسمتها له في قلبك، وعلى ثقتك التي أصبحت بعد التجربة أكثر خوفًا وحذرًا.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يفعله الحزن بالإنسان أنه قد يجعله يشك في كل شيء؛ في الناس، وفي الحب، وفي الصداقة، وفي قدرته على البدء من جديد. قد يتحول الشخص الطيب إلى إنسان كثير الصمت، ليس لأنه فقد طيبته، بل لأنه يخشى أن يدفع ثمنها مرة أخرى. وقد يصبح الذي كان يمنح الثقة بسهولة شديد الحذر، والذي كان يفرح من أبسط الأشياء عاجزًا عن الشعور بالفرح كما كان من قبل. لا يعني ذلك أن قلبه مات، بل ربما يعني أنه أُنهك طويلًا، وأنه يحتاج إلى وقت حتى يصدق أن الحياة لا تزال قادرة على أن تمنحه شيئًا جميلًا.
أما في العمل، فهناك أحزان لا يراها أحد. إنسان يبذل جهده سنوات، ثم يجد أن جهده لم يُقدَّر، وأن من أقل منه عملًا سبقوه لأنهم أتقنوا المجاملة، وأن إخلاصه لم يكن كافيًا ليحميه من الظلم. يقف أمام الناس مبتسمًا، يؤدي واجباته، ويعامل الجميع باحترام، لكنه في داخله يشعر بأن شيئًا من روحه قد انطفأ. وربما يعود إلى بيته وهو يفكر في مستقبل أبنائه، وفي الالتزامات التي تنتظره، وفي أحلامه التي يؤجلها كل يوم، لأنه لا يستطيع أن يتوقف عن العمل حتى لو كان العمل نفسه يستنزف قلبه.
وهناك من يحزن لأنه لا يستطيع أن يمنح أهله الحياة التي يتمناها لهم. لا يطلب القصور، ولا السيارات الفارهة، ولا الرفاهية الزائدة؛ كل ما يريده أن يرى أبناءه مطمئنين، وألا يقف عاجزًا أمام احتياج بسيط، وألا يضطر إلى الاعتذار عن طلب لم يستطع تلبيته. هؤلاء قد يبتسمون أمام أسرهم، لكنهم حين ينفردون بأنفسهم يحاسبونها بقسوة، وكأن ضيق الحال ذنب شخصي ارتكبوه، مع أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بقدرته على شراء كل ما يتمناه الآخرون.
والأشد إيلامًا أن الحزين قد يُساء فهمه من الجميع. إن تكلم قالوا إنه كثير الشكوى، وإن صمت قالوا إنه متكبر، وإن ابتعد قالوا إنه تغير، وإن حاول أن يحمي نفسه قالوا إنه أصبح قاسيًا. لا يعرفون أن التغير الذي يرونه قد يكون نتيجة ليالٍ طويلة قضاها في مقاومة الانهيار، وأن المسافة التي صنعها بينهم قد تكون آخر ما تبقى له من القدرة على حماية قلبه. لا يعرفون كم مرة أراد أن يشرح نفسه ثم تراجع، وكم مرة انتظر أن يفهمه أحد من دون أن يضطر إلى رواية كل ما يؤلمه.
وما أقسى أن يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه! ينظر إلى صور قديمة فيرى شخصًا كان يضحك من قلبه، ويخطط للمستقبل بحماس، ويثق بأن الأيام تحمل له أشياء جميلة. يتساءل أين ذهب ذلك الشخص، ومتى أصبح كل شيء يحتاج إلى هذا القدر من الجهد، ولماذا صار الاستيقاظ من النوم مهمة ثقيلة، ولماذا أصبحت اللقاءات التي كان يحبها تستنزفه، ولماذا صار يختار الصمت بعدما كان يتحدث طويلًا عن أحلامه.
وربما يخيفه هذا التغير، فيحاول أن يعود كما كان بالقوة، يخرج مع الأصدقاء، ويشارك في المناسبات، ويضحك حين يضحكون، لكنه يعود إلى وحدته فيكتشف أن التعب ما زال هناك. عندها يجب أن يفهم أن الإنسان ليس آلة، وأن الروح لا تُشفى بالأوامر، وأن مطالبة النفس بالسعادة طوال الوقت قد تتحول إلى عبء جديد فوق أعبائها. ليس مطلوبًا منك أن تكون سعيدًا في كل لحظة، ولا أن تتجاوز كل خسارة بسرعة، ولا أن تثبت للناس أنك قوي بما يكفي حتى لا يحتاجوا إلى الاطمئنان عليك.
إن للدموع لغة لا يعرفها إلا من جرب أن يبكي دون صوت. هناك دموع تنزل على الخدين، وهناك دموع لا تنزل أبدًا، لكنها تظل عالقة خلف العينين، تحرق القلب كلما مر طيف ذكرى أو أعادت كلمة عابرة فتح جرح قديم. وهناك بكاء يحدث في منتصف الليل، حين ينام الجميع وتصبح الأصوات قليلة، فيسمع الإنسان ضجيج أفكاره بوضوح مخيف. يتذكر ما خسره، وما لم يستطع تحقيقه، وما يخشى أن يخسره غدًا، ثم يمسح وجهه ويقول لنفسه إنه يجب أن ينام، لأن الحياة لن تنتظر حتى ينتهي من حزنه.
وفي الليل تحديدًا، تسقط الأقنعة التي صنعناها طوال النهار. لا يعود هناك داعٍ إلى إقناع أحد بأننا بخير، ولا حاجة إلى الضحك حتى لا نفسد أجواء المجلس. تصبح الغرفة شاهدًا على الحقيقة التي نخفيها، ويصبح الوساد مكانًا تسقط عليه الدموع التي حبسناها طويلًا. قد يمد الإنسان يده إلى هاتفه، يكتب رسالة طويلة ثم يمحوها، يريد أن يقول لشخص ما إنه متعب، لكنه يخشى أن يكون عبئًا عليه، أو أن يأتيه رد بارد يزيد وحدته. فيختار الصمت مرة أخرى، ويؤجل الحديث إلى يوم آخر، حتى تتراكم الأيام ويصبح ما بداخله أكبر من قدرته على التعبير.
لكن لا ينبغي أن يتحول هذا الصمت إلى سجن أبدي، ولا أن يقتنع الإنسان بأن عليه أن يواجه كل شيء وحده. فطلب المساندة ليس ضعفًا، والحديث عن الألم ليس عيبًا، والبكاء ليس انتقاصًا من الكرامة. أحيانًا تكون أول خطوة نحو الراحة أن تجد إنسانًا أمينًا تستطيع أن تقول أمامه الحقيقة كما هي، دون تزيين أو اعتذار، وأن تبحث عن مساعدة مختص إذا أصبح الحزن مستمرًّا وأثر في نومك أو عملك أو علاقتك بالناس. ليس مطلوبًا منك أن تنتظر حتى تنهار تمامًا كي تستحق العون.
ومن الظلم أن نطلب من كل إنسان حزين أن ينهض وحده، ثم نلومه إذا تعثر. بعض الجروح تحتاج إلى وقت، وبعض الخسارات تحتاج إلى حزن حقيقي قبل أن يستطيع القلب تقبلها، وبعض المعارك لا يكفي فيها أن نقول لأنفسنا: كن قويًّا. نحن بشر، نتعب ونخاف ونشتاق ونفقد الأمل أحيانًا، ونحتاج إلى من يذكرنا بأننا لسنا مطالبين بحمل العالم فوق ظهورنا، وأن لنا حقًّا في الراحة، وفي الاحتواء، وفي أن نجد من يسمعنا دون أن يحاكمنا.
كم نحتاج إلى أن نتعلم فن الرحمة في تعاملنا مع بعضنا! أن نتوقف قليلًا أمام الشخص الذي يضحك أكثر من المعتاد، فربما يخفي خلف ضحكته حزنًا لا يريد أن يظهر. أن نسأل صديقنا عن حاله ثم نمنحه الوقت ليجيب بصدق. أن نلاحظ غياب من اعتاد الحضور، وأن نطمئن على من اعتاد أن يطمئن علينا. أن نفهم أن بعض الناس لا يطلبون المساعدة لأنهم اعتادوا أن يكونوا هم المساعدين، وأن من يقف إلى جوار الجميع قد يحتاج هو أيضًا إلى كتف يستند إليه.
لا تستهِن بكلمة طيبة تقولها لإنسان، ولا برسالة قصيرة ترسلها إلى شخص غاب عنك، ولا بزيارة تقوم بها لمن تعرف أنه يمر بأيام صعبة. قد ترى هذه الأشياء بسيطة، لكنها في قلب إنسان أنهكه الحزن قد تعني الكثير. قد لا تستطيع أن تحل مشكلته، ولا أن تعيد إليه من فقد، ولا أن تمحو ما مر به، لكنك تستطيع أن تجعله يشعر بأنه ليس وحده، وأن هناك من يراه بعيدًا عن مظهره، ويحترم وجعه دون أن يطالبه بتبريره.
وإلى كل إنسان يبتسم أمام الناس وقلبه ينزف، إلى من يخفي تعبه كي لا يقلق أحدًا، وإلى من يعتذر دائمًا عن احتياجاته، أقول: لا تجعل من قوتك عقوبة لك. ليس واجبًا عليك أن تكون الشخص الذي يتحمل كل شيء، ولا أن تنقذ الجميع بينما تغرق أنت في صمتك. أنت أيضًا تستحق أن يُسأل عنك، وأن يُحتضن حزنك، وأن تجد من يسمعك حتى النهاية. لا يلزم أن تشرح للعالم كله ما بك، لكن لا تحرم نفسك من فرصة أن تتكلم مع شخص تثق به، ولا تعامل قلبك كأنه لا يتعب.
تذكر أن قيمتك لا تتوقف على مقدار ما تقدمه للآخرين، ولا على قدرتك على إخفاء دموعك، ولا على عدد المرات التي تجاوزت فيها وجعك دون أن يراك أحد. أنت إنسان قبل أن تكون أبًا أو أمًّا أو صديقًا أو موظفًا أو سندًا للآخرين. لك قلب يحتاج إلى الراحة، وروح تحتاج إلى الطمأنينة، وأيام تستحق أن تعيشها دون أن تكون مضطرًا إلى ارتداء قناع القوة في كل لحظة.
قد لا تتغير الحياة غدًا، وقد لا تعود الأشياء التي فقدتها، وقد يظل بعض الحزن جزءًا من ذاكرتك، لكن هذا لا يعني أن كل ما ينتظرك هو الحزن. لا تسمح لخذلان واحد أن يقنعك بأن الجميع خذلان، ولا لخسارة أن تسلبك حقك في الحلم، ولا لمرحلة مظلمة أن تجعلك تعتقد أن حياتك كلها لن ترى النور. أحيانًا لا تأتي الراحة في صورة حدث عظيم، بل تبدأ بنوم هادئ، أو حديث صادق، أو خطوة صغيرة نحو ما تحب، أو قرار بأن تتوقف عن جلد نفسك بسبب أشياء لم تكن كلها تحت سيطرتك.
وإذا ضاقت بك الدنيا، فلا تخجل من أن تستريح. وإذا غلبتك دموعك، فلا تعتذر عنها. وإذا لم تستطع أن تضحك اليوم، فلا تجبر نفسك على ابتسامة لا تشبهك. امنح قلبك بعض الرحمة، وتذكر أن الأيام الصعبة لا تنقص من إنسانيتك، وأنك لست مطالبًا بأن تنتصر في كل معركة وحدك. وإن بدا الطريق طويلًا، فخذ منه خطوة واحدة، ثم أخرى، واستعن بمن تثق به، ولا تتردد في طلب المساعدة حين يصبح الحمل أكبر من قدرتك.
فالحياة ليست دائمًا عادلة، والناس ليسوا دائمًا كما نظن، والقلوب لا تخرج من التجارب القاسية دون ندوب، لكن يبقى في الإنسان شيء يستحق أن نحافظ عليه؛ تلك القدرة الصغيرة على أن يبدأ من جديد، وأن يمنح نفسه فرصة أخرى، وأن يصدق يومًا ما أن الفرح قد يعود، ولو بصورة مختلفة عما عرفه من قبل.
وكم هو مؤلم أن يعتاد الناس رؤيتك قويًّا، حتى يصبح ضعفك في نظرهم أمرًا غريبًا، وأن يعتادوا ابتسامتك، حتى لا يخطر ببالهم أن وراءها دموعًا مؤجلة. أن تصبح مصدر الأمان للجميع، بينما تبحث أنت عن لحظة واحدة تشعر فيها بالأمان. أن يسمعك الناس وأنت تضحك، ولا يسمعك أحد وأنت تتألم. أن تكون حاضرًا في تفاصيل حياة الكثيرين، بينما لا تجد من ينتبه إلى غيابك عن نفسك.
لهذا، لا تحكم على إنسان من ضحكته، ولا تظن أن كل من يمزح سعيد، ولا تعتبر الصمت دائمًا دليلًا على الراحة. بعض القلوب تخوض معاركها بعيدًا عن العيون، وبعض الأرواح تتألم دون أن تطلب النجدة، وبعض البشر لا يريدون أكثر من شخص يشعر بهم دون أن يضطروهم إلى شرح كل شيء.
أصعب إحساس أن تبتسم وقلبك ينزف، أن تضحك حتى لا يسألك أحد عن حزنك، وأن تقول إنك بخير لأنك لا تملك القوة الكافية لتشرح أنك لست بخير. والأصعب من ذلك كله أن يعتاد الناس ابتسامتك، فينسوا أن يسألوا عنك، حتى يصبح حزنك حكاية لا يراها أحد، ووجعك سرًّا لا يعرفه إلا الله.
فيا رب، هوِّن على كل قلب أثقله ما لا يستطيع قوله، وعلى كل روح أرهقها التظاهر بالقوة، وعلى كل إنسان يبتسم نهارًا ويبكي ليلًا، وعلى كل من يخوض معركة لا يعلم عنها أحد. ارزقهم سكينة تسكن صدورهم، ورفقًا يحيط بأيامهم، وأشخاصًا صادقين لا يكتفون برؤية ابتساماتهم، بل يشعرون بوجعهم أيضًا. واجعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل حزن فرجًا، ومن كل ليلة ثقيلة فجرًا يحمل شيئًا من الأمل.
فليس أصعب ما في الحزن أن تبكي، بل أن تتعلم كيف تخفي بكاءك، ثم تخرج إلى العالم في الصباح، تبتسم للجميع، وتقول إنك بخير، بينما كل ما في داخلك يتمنى أن يجد أخيرًا من يصدقه حين يقول: أنا تعبت، ولم أعد أستطيع أن أبدو قويًّا طوال الوقت.


اترك تعليقاً