ناصر عبد الحفيظ يكتب: أيمن مصطفى ومروة عبد المنعم وحكايات «سما»
الأربعاء 28-10-2026 11:28
ليست كل الحكايات التي تُروى على المسرح تنتهي بانطفاء الأضواء، فبعضها يغادر الخشبة ليبدأ حياة أخرى في ذاكرة المتفرج. تظل الشخصيات حاضرة، وتتردد الأسئلة، ويجد الإنسان نفسه أمام تفاصيل لم ينتبه إليها من قبل، كأن الفن يمنحه فرصة ثانية لرؤية العالم، ولكن من زاوية مختلفة.
من هذه المساحة يمكن الاقتراب من «سما»، العرض المسرحي الذي يجمع المخرج أيمن مصطفى بالفنانة مروة عبد المنعم، في تجربة مونودرامية تتخذ من حكاية امرأة مدخلًا إلى قضايا اجتماعية وإنسانية تتجاوز حدود الشخصية، لتضعنا أمام أسئلة تتعلق بالاختيار والحرية، وبالعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع.
ليست الحكاية هنا مجرد مأساة تُروى، بل محاولة لفهم ما يصنع المأساة، وكيف تتشكل حياة الإنسان تحت وطأة ظروف لم يخترها، وأحكام قد تسبقه إلى العالم قبل أن تتاح له فرصة التعبير عن نفسه.
أيمن مصطفى.. رهان المخرج على المساحة الواحدة
اختيار المونودراما ليس مجرد تقليل لعدد الشخصيات فوق الخشبة، بل انتقال إلى منطقة فنية شديدة الحساسية، تصبح فيها الممثلة مركز الثقل، ويتحول كل عنصر مسرحي إلى جزء من بناء الحكاية.
في هذا الشكل، لا توجد شخصيات كثيرة تتبادل الحوار وتوزع الأعباء الدرامية؛ هناك حضور رئيسي مطالب بأن يحمل وحده تحولات الشخصية، بينما تتولى الإضاءة والديكور والموسيقى والحركة مسؤولية المساهمة في بناء عالمها.
ومن هنا تبرز أهمية الرؤية الإخراجية لأيمن مصطفى؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تقديم موضوع اجتماعي مؤثر فحسب، بل في تحويله إلى تجربة مسرحية تتجاوز الشرح المباشر، وتمنح الجمهور فرصة اكتشاف المعنى من خلال الأداء والصورة والإيقاع.
إن المسرح لا يصبح أكثر تأثيرًا لمجرد أنه يتناول قضية عادلة، بل حين ينجح في تحويل هذه القضية إلى حياة نابضة فوق الخشبة، ويجعل المتفرج شريكًا في اكتشافها بدلًا من الاكتفاء بتلقي رسالتها.
مروة عبد المنعم.. حين تتحمل الممثلة عبء الحكاية
في المونودراما، تقف الممثلة أمام امتحان مضاعف؛ فهي مطالبة بالحفاظ على انتباه الجمهور، وبناء التحولات النفسية للشخصية، وإدارة إيقاع العرض، من دون أن تتوزع بؤرة الاهتمام على شخصيات أخرى.
هنا تكتسب التفاصيل الصغيرة أهميتها: نظرة تتغير، وصوت يتردد، وخطوة تتراجع، وصمت قد يحمل من المعنى أكثر مما تحمله جملة طويلة. فالأداء المؤثر لا يُقاس بكمية الانفعال، بل بقدرة الممثلة على منح الشخصية حياة داخلية تجعلها قابلة للتصديق، بعيدًا عن الاختزال في البكاء أو الصراخ.
وتأتي بطولة مروة عبد المنعم في «سما» ضمن هذا السياق، بوصفها مواجهة مباشرة مع متطلبات شكل مسرحي لا يترك مساحة كبيرة للاختباء خلف الآخرين.
وقد تُوّج حضورها بحصولها على جائزة أفضل دور أول نساء في الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري عام 2026، وهو تقدير يضيف إلى أهمية التجربة، ويفتح الباب أمام قراءة أعمق لما يمكن أن تمنحه المونودراما للممثلة وما تتطلبه منها.
فالرهان الأهم ليس أن تحمل الممثلة الحكاية وحدها، بل أن تجعل الجمهور يشعر بأن الشخصية أكبر من حدود جسدها وصوتها، وأن وراء كل لحظة تعيشها تاريخًا من التجارب والمخاوف والرغبات.
«سما».. اسم يفتح باب التأويل
يحمل اسم العرض احتمالًا رمزيًا لافتًا؛ فالسماء توحي بالاتساع والتحليق، بينما قد تضيق الحياة أمام الإنسان حتى تبدو خياراته محدودة، ومحاصرة بقرارات اتخذها الآخرون نيابة عنه.
ومن هذه المفارقة يمكن قراءة «سما» بوصفها سؤالًا عن المسافة بين الحلم والواقع: كم من إنسان يتطلع إلى حياة أوسع، لكنه يجد نفسه محاصرًا بتقاليد أو ظروف اجتماعية لا تمنحه فرصة الاختيار؟
هذه قراءة تأويلية للاسم، وليست تفسيرًا منسوبًا إلى صُنّاع العرض، لكنها تتيح الاقتراب من عالم الشخصية من زاوية تتجاوز الأحداث المباشرة.
ووفق المعلومات المنشورة عن المسرحية، تدور الحكاية حول فتاة ريفية تواجه ضغوطًا وصراعات اجتماعية ونفسية، وتتقاطع تجربتها مع قضايا ختان الإناث وزواج القاصرات والحرمان من التعليم، إلى جانب آثار الزواج والاغتراب في حياة المرأة.
غير أن أهمية هذه الموضوعات لا تكمن في تعدادها، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها إنسانيًا. فالمرأة ليست عنوانًا لقضية، ولا نموذجًا جاهزًا للضحية؛ إنها إنسان يحمل تناقضاته ورغباته ومخاوفه، ويستحق أن تُروى حكايته بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
وهنا يصبح الفن مساحة لاستعادة الفرد من خلف العناوين العامة، ولرؤية التجربة الإنسانية بكل ما فيها من تعقيد وألم وقدرة على المقاومة.
الديكور والإضاءة.. لغة أخرى فوق الخشبة
حين تنحصر الحكاية في شخصية محورية واحدة، تصبح الصورة المسرحية أكثر من مجرد إطار للأحداث. فالديكور يحدد علاقة الشخصية بالمكان، والإضاءة ترسم حدود الرؤية، والفراغ قد يتحول إلى عنصر درامي يكشف العزلة أو يضاعف الإحساس بالحصار.
ولا تتحقق قيمة هذه العناصر بجمالها المنفرد فقط، بل بمدى انسجامها مع حركة الممثلة وإيقاع المشاهد وتطور الصراع. فالصورة المسرحية الناجحة لا تشرح كل شيء، وإنما تترك مساحة لخيال الجمهور كي يشارك في بناء المعنى.
وقد حصل فادي فوكيه على جائزة أفضل تصميم ديكور، وأبو بكر الشريف على جائزة أفضل تصميم إضاءة عن «سما» في المهرجان القومي للمسرح المصري لعام 2026، وهو ما يمنح التشكيل البصري موقعًا مهمًا في قراءة التجربة.
وتظل دراسة العلاقة الفعلية بين عناصر الصورة والأداء مفتاحًا لفهم كيفية تشكل العالم المسرحي، وكيف يمكن لتفصيلة بصرية واحدة أن تختصر إحساسًا تعجز الكلمات عن وصفه.
من مأساة امرأة إلى سؤال المجتمع
أحد التحديات التي تواجه المسرح الاجتماعي أن تتحول القضايا التي يناقشها إلى موضوعات مألوفة، يعتاد الجمهور سماعها دون أن يتوقف طويلًا عند آثارها.
نقرأ عن طفلة حُرمت من التعليم، أو فتاة وجدت نفسها أمام زواج لم تختره، أو امرأة اصطدمت بتقاليد تقيد حياتها، ثم نمضي إلى يومنا كأن الأمر لا يعنينا. وهنا تأتي مسؤولية الفن في إعادة الإنسان إلى قلب الحكاية، وتحويل الخبر العابر إلى تجربة تستدعي التأمل.
إن تناول قضايا المرأة لا يكتسب قيمته بمجرد إدانة الممارسات المؤذية، بل بقدرته على كشف الظروف التي تسمح باستمرارها، والتناقضات التي تجعل المجتمع يعلن قيمًا ثم يتصرف أحيانًا على النقيض منها.
ومن هذه الزاوية، تتيح «سما» التفكير في العلاقة بين حق الفرد في الاختيار وسلطة التقاليد، وبين التعاطف مع من يعاني والاستعداد الفعلي لتغيير الظروف التي صنعت معاناته.
لكن القراءة النقدية لا ينبغي أن تكتفي بنبل الموضوع؛ فالقضية العادلة تحتاج أيضًا إلى معالجة فنية متماسكة، قادرة على الموازنة بين الرسالة وخصوصية المسرح، وبين ما يقوله النص وما يتركه للأداء والصورة وخيال المتلقي.

الجوائز بداية للحوار وليست نهايته
حصد «سما» ثلاث جوائز في الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري عام 2026: أفضل دور أول نساء لمروة عبد المنعم، وأفضل تصميم ديكور لفادي فوكيه، وأفضل تصميم إضاءة لأبو بكر الشريف.
تمثل هذه الجوائز محطة مهمة في مسيرة العرض، لكنها لا تغني عن الأسئلة التي ينبغي أن ترافق أي تجربة مسرحية: كيف بُني إيقاعها؟ وما طبيعة العلاقة بين النص والأداء؟ وإلى أي مدى تكاملت العناصر الفنية في صياغة رؤية واحدة؟
فالاحتفاء يمنح العمل مساحة من الضوء، أما النقد فيحاول فهم ما الذي صنع هذا الضوء، وما الذي كشفه، وما الذي لا يزال بحاجة إلى قراءة واكتشاف.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى «سما» باعتباره تجربة تستحق النقاش، لا الاكتفاء بتقديمها في صورة خبر عن عرض أو قائمة بالجوائز التي حصل عليها.
حين تغادر «سما» الخشبة
ربما يكون الاختبار الحقيقي لأي عرض مسرحي هو ما يتركه في المتفرج بعد انتهاء زمنه المحدد. فالمسرح فن عابر بطبيعته؛ يحدث أمامنا ثم يتلاشى، ولا يبقى منه سوى ما تحفظه الذاكرة وما تتركه التجربة من أثر.
في «سما»، يلتقي رهان أيمن مصطفى الإخراجي مع حضور مروة عبد المنعم، وتتكامل معهما عناصر فنية تسهم في تشكيل العالم الذي تتحرك فيه الشخصية. لكن ما يمنح الحكاية امتدادها الحقيقي هو قدرتها على دفعنا إلى مراجعة علاقتنا بالأصوات التي نسمعها، وبالتجارب التي نمر بجوارها، وبالأحكام التي نتعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.

هل ننصت فعلًا إلى الآخرين، أم نكتفي بسماع ما يتفق مع تصوراتنا عنهم؟ وهل نمنح الإنسان حق رواية حكايته بنفسه، أم نتولى صياغتها نيابة عنه ثم نحاسبه على تفاصيلها؟
إنها أسئلة تتجاوز العرض إلى الحياة اليومية، حيث قد لا تكون المشكلة دائمًا في غياب الصوت، بل في غياب من يستعد للاستماع إليه.
فليست المأساة دائمًا أن يُحرَم الإنسان من صوته؛ قد تكون المأساة الأكبر أن يجد صوته أخيرًا، ثم يكتشف أن العالم لم يتعلم بعد كيف ينصت.
وعندما تنطفئ الأضواء وتعود الخشبة إلى سكونها، لا يعني ذلك أن الحكاية انتهت. فقد تبدأ حياتها الحقيقية في سؤال يحمله متفرج إلى بيته، أو في موقف يعيد النظر فيه، أو في يقين لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بصلابته القديمة.
هناك، خارج حدود المسرح، تُختبر قدرة الفن على البقاء؛ لا بما يقوله لنا فحسب، بل بما يجعلنا نراه في أنفسنا وفي الآخرين.


اترك تعليقاً