رئيس التحرير

مها زين.. حين يصبح الفن مرآة للروح ورسالة لإعادة اكتشاف الجمال

الأربعاء 04-11-2026 16:17

حوار محمد أكسم
الفنانة التشكيلية مها زين في حوار صحفي: أرسم ما تشعر به المرأة لا ما تراه العيون، وأؤمن أن ما يراه البعض نهاية قد يكون بداية لحياة فنية جديدة
في عالم تتعدد فيه الرؤى الفنية وتتباين فيه أساليب التعبير، استطاعت الفنانة التشكيلية مها زين أن تصنع لنفسها ملامح فنية خاصة، تستند إلى المدرسة التعبيرية التجريدية، وتتخذ من المرأة محورًا إنسانيًا وجماليًا لأعمالها، فتقدمها برؤية تتجاوز الملامح الخارجية إلى ما تحمله من مشاعر وتجارب وتحديات.

وفي أعمالها، لا تتوقف التجربة عند اللون والتكوين، بل تمتد إلى توظيف خامات متنوعة وإعادة تدويرها ودمجها ونسجها داخل اللوحة، لتصبح الخامة جزءًا من لغتها التشكيلية، وعنصرًا يمنح كل عمل خصوصيته التي يصعب تكرارها. كما تتداخل تجربتها الفنية مع عملها في مجال التربية الفنية، حيث تؤمن بأن رسالة الفن لا تقتصر على إنتاج أعمال جميلة، بل تمتد إلى بناء الإنسان وتنمية إحساسه بالجمال والوعي والإبداع.

وفي هذا الحوار، نقترب من مها زين الإنسانة والفنانة، ونتعرف إلى فلسفتها في الفن، وعلاقتها بالمرأة واللون والخامة، ورؤيتها لدور الفن في المجتمع، وحلمها بتحويل الأشياء المهملة إلى أعمال تنبض بالجمال والحياة.
فى البداية نرحب بالفنانة التشكيلية مها زين اهلا بكم فى موقع مجلة مصر


بعيدًا عن الألوان واللوحات والمعارض، من هي مها زين الإنسانة؟ وكيف تصفين شخصيتكِ بعيدًا عن هويتكِ الفنية؟

مها زين الإنسانة هي شخصية تؤمن بالجمال، ليس فقط ذلك الجمال الذي تراه العين، بل الجمال الكامن في التفاصيل الصغيرة والمواقف الإنسانية البسيطة. أحب التأمل واكتشاف ما وراء الأشياء، وأميل إلى رؤية الجانب المختلف في كل ما يحيط بي. أعتقد أنني شخصية تجمع بين الحساسية والقدرة على التجدد، وبين حب الهدوء والشغف بالتجربة والاكتشاف. فالفن بالنسبة لي ليس مهنة منفصلة عن حياتي، بل هو جزء من طريقة تفكيري ونظرتي إلى العالم.

هل تشعرين أن اللوحات التي ترسمينها تكشف عنكِ أشياء تعجز الكلمات أحيانًا عن التعبير عنها؟

بالتأكيد. أحيانًا تكون اللوحة مساحة أوسع من الكلمات؛ لأنها تمنحني القدرة على التعبير عن مشاعر وأفكار يصعب وصفها بشكل مباشر. أجد في اللون والخط والملمس لغة خاصة أستطيع من خلالها أن أقول ما لا تقوله الكلمات. وربما تحمل بعض أعمالي شيئًا مني دون أن أكون قد قصدت الإفصاح عنه بصورة واضحة؛ فالفنان يترك دائمًا جزءًا من روحه داخل عمله.

مها زين فنانة ترسم ما تراه عيناها، أم ما يشعر به قلبها؟ وهل يمكن أن تختلف اللوحة التي نراها عن الحكاية التي تعيشينها بداخلها؟

أرسم ما أشعر به أكثر مما أكتفي برسم ما تراه عيناي. فالعين تلتقط الشكل، لكن الإحساس هو الذي يمنحه المعنى. وقد يرى المتلقي في اللوحة حكاية مختلفة تمامًا عن الحكاية التي بدأت منها، وهذا أمر أحبه وأقدّره؛ لأن العمل الفني لا يكتمل عند لحظة انتهائه، بل يبدأ في رحلة جديدة مع كل شخص يشاهده. فاللوحة بالنسبة لي ليست حكاية مغلقة، وإنما مساحة مفتوحة للتأويل والشعور.

ما الصفة الإنسانية التي تحرصين على الاحتفاظ بها مهما تغيرت الظروف وتعددت التجارب؟

أحرص على الاحتفاظ بالقدرة على رؤية الجمال في الآخرين وفي الحياة، وبالصدق في المشاعر والتعامل. أؤمن أن الإنسان مهما اكتسب من خبرات ونجاحات، يجب ألا يفقد إنسانيته وبساطته وقدرته على التعاطف. فالفن الحقيقي لا ينفصل عن القيم الإنسانية، ولا يمكن أن تكون هناك رسالة جمالية صادقة دون إحساس بالآخرين.

هل ترين أن الحساسية المرهفة نعمة للفنان التشكيلي، أم أنها تجعله أكثر تأثرًا بما يدور حوله من أحداث ومواقف؟

أراها نعمة ومسؤولية في الوقت نفسه. الحساسية تجعل الفنان أكثر قدرة على التقاط التفاصيل التي قد تمر على الآخرين دون انتباه، وتمنحه عمقًا في قراءة المشاعر والمواقف. صحيح أنها تجعله أكثر تأثرًا بما يدور حوله، لكنها أيضًا تمنحه مادة ثرية للتعبير والإبداع. وأعتقد أن التحدي الحقيقي هو أن يحوّل الفنان هذا التأثر إلى طاقة خلاقة، لا أن يظل أسيرًا له.

من أول شخص آمن بموهبتكِ وشجعكِ على الاستمرار؟ وهل كان هناك من شكك في قدرتكِ على تحويل الفن إلى مشروع حياة؟

كانت والدتي أول من آمن بموهبتي، وأول من منحني الدعم والتشجيع للاستمرار في الطريق الفني. ولا أنسى أثر هذا الدعم في نفسي؛ فإيمان الأم بموهبة ابنتها يمنحها قدرًا كبيرًا من الثقة والدافع لمواصلة الحلم. أؤمن أن وجود شخص يراكِ بعين الإيمان بقدراتكِ، خاصة في البدايات، قد يصنع فارقًا كبيرًا في رحلتكِ. ومع مرور الوقت، أصبح إيماني بفني ورغبتي المستمرة في التطور هما الدافع الأكبر للاستمرار وتجاوز أي تحديات.

هل كان دخولكِ عالم الفن اختيارًا واعيًا منذ البداية، أم أن الألوان أخذتكِ إلى طريق لم تكوني تتوقعينه؟

أعتقد أن الفن يبدأ أحيانًا بشغف فطري، ثم يتحول مع الوقت إلى اختيار واعٍ ومسؤولية. فكلما تعمقت في التجربة، اكتشفت أن الفن ليس مجرد ممارسة جمالية، بل عالم واسع من البحث والتجريب والتعلم. ومع مرور الوقت أصبح الفن جزءًا أساسيًا من رؤيتي للحياة، وطريقة أعبّر بها عن أفكاري وأعيد من خلالها اكتشاف الأشياء.

ما الفنان أو المدرسة الفنية التي تركت أثرًا في تكوين مها زين، وهل استطعتِ مع الوقت التحرر من تأثير الآخرين للوصول إلى أسلوبكِ الخاص؟

المدرسة التعبيرية التجريدية هي الأقرب إلى تكويني الفني؛ لأنها تمنحني مساحة واسعة للتحرر من النقل الحرفي للواقع، والاعتماد على اللون والتكوين والخط والملمس للتعبير عن الحالة الشعورية. وقد تعلمت من المدارس والتجارب الفنية المختلفة أهمية الانفتاح والتجريب، لكنني أؤمن أن الفنان لا يصل إلى هويته بتقليد تجربة أخرى، وإنما من خلال استيعاب ما يتعلمه ثم إعادة صياغته بما يتوافق مع رؤيته الخاصة. وأسعى دائمًا إلى أن تكون لأعمالي بصمتها المميزة في معالجة المرأة، واختيار الألوان، ودمج الخامات ونسجها داخل اللوحة.

هل تختارين الألوان وفقًا لحالة شعورية تعيشينها، أم أن لكل لوحة عالمها الخاص الذي يفرض عليكِ ألوانه؟

الأمران يتداخلان؛ فالحالة الشعورية قد تكون نقطة البداية، لكن لكل لوحة عالمها الخاص الذي يتشكل تدريجيًا ويفرض اختياراته. لا أعتمد على مجموعة محددة من الألوان، بل أستخدم تنوعًا لونيًا يتناسب مع فكرة كل عمل وحالته. قد أستخدم الوردي أو البنفسجي، وقد أتجه إلى ألوان أخرى تمامًا، فالأهم بالنسبة لي أن يكون اللون جزءًا من روح اللوحة، وليس مجرد عنصر جمالي فيها.

هل يمكن للون واحد أن يحمل مشاعر متناقضة؛ كالحزن والأمل، أو الخوف والطمأنينة؟ وكيف توظفين ذلك في أعمالكِ؟

بالتأكيد، فاللون ليس له معنى ثابت أو إحساس واحد في جميع السياقات. قد يحمل اللون نفسه شعورًا مختلفًا باختلاف الدرجات اللونية وطريقة استخدامه وعلاقته بالألوان الأخرى. أحيانًا تنشأ قوة اللوحة من هذا التناقض؛ فقد يجتمع الهدوء مع التوتر، أو الحزن مع بصيص من الأمل. وأحب أن أترك للألوان مساحة للحوار فيما بينها، لأن هذا الحوار يمنح العمل عمقًا ويجعله أكثر ثراءً.

ما اللون الأقرب إلى روح مها زين؟ ولو طلب منكِ اختيار لون واحد يعبر عن شخصيتكِ، فماذا تختارين ولماذا؟

يصعب عليّ حصر روحي الفنية في لون واحد؛ لأنني أرى نفسي في التنوع والتغير والتجدد. لكل لون حالة خاصة أقترب منها في وقت معين، وقد يكون الوردي أو البنفسجي حاضرًا في بعض أعمالي، لكنني لا أعتبر لونًا بعينه ممثلًا دائمًا لشخصيتي. ربما أختار لوحة متعددة الألوان لتكون الأقرب إلى روحي؛ لأنها تعبّر عن تعدد المشاعر والتجارب، وعن أن الإنسان لا يمكن اختصاره في حالة واحدة.

هل تؤمنين بأن اللوحة الناجحة هي التي يفهمها كل من يشاهدها، أم أن من حق العمل الفني أن يحتفظ ببعض أسراره وغموضه؟

أؤمن أن من حق العمل الفني أن يحتفظ ببعض أسراره. ليست وظيفة اللوحة أن تقدم إجابة واحدة أو معنى مباشرًا للجميع، بل أن تفتح أبوابًا للتأمل وتثير الأسئلة والمشاعر. قد يرى شخص في العمل قوة، ويرى آخر حزنًا أو حنينًا، وقد يكتشف ثالث معنى لم يكن حاضرًا في ذهن الفنان نفسه. بالنسبة لي، نجاح اللوحة لا يقاس بمدى اتفاق الناس على تفسيرها، بل بقدرتها على أن تترك أثرًا وتجعل المتلقي يتوقف أمامها ويتفاعل معها.

هل تستطيع اللوحة أن تقول ما تعجز عنه الخطب والكلمات، وأن تغير طريقة رؤية الإنسان لقضية أو موقف؟

نعم، فالفن يمتلك قدرة خاصة على الوصول إلى الوجدان، وقد يفتح بابًا للتفكير في قضية ما دون أن يقدم خطابًا مباشرًا. الصورة أحيانًا تترك أثرًا عميقًا لأنها تخاطب الإحساس والخيال معًا. وأرى أن الفنان لا يكتفي بتقديم شكل جميل، بل يستطيع أن يطرح رؤية إنسانية، ويجعل المتلقي يعيد النظر في أشياء اعتاد رؤيتها بطريقة مختلفة. فالفن الحقيقي لا يكتفي بأن يُرى، بل يدعو إلى التأمل.
كيف يمكن للفن التشكيلي أن يساهم في بناء وعي الأطفال والشباب، وتنمية قدرتهم على التفكير والخيال والتعبير عن أنفسهم؟

من خلال عملي في مجال التربية الفنية، أؤمن أن دور الفن يتجاوز تعليم الرسم والتلوين واستخدام الخامات. فالفن يساعد الطفل والشاب على التفكير بطريقة مختلفة، ويمنحهما فرصة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، ويشجعهما على الابتكار وحل المشكلات والتواصل مع الآخرين. كما أنه ينمي تقدير الجمال والقدرة على اكتشافه في أبسط الأشياء.

أتمنى أن يتخرج طلابي وهم لا يمتلكون مهارات فنية فقط، بل يحملون أثر الفن في سلوكهم وشخصياتهم وعلاقاتهم الإنسانية. أريدهم أن يتعلموا الحب والجمال والصدق والتعاون والانتماء، وأن يدركوا أن الفن يمكن أن يجعل الإنسان أكثر وعيًا ورقيًا ورحمة. بالنسبة لي، النجاح الحقيقي ليس في أن يصنع الطالب عملًا فنيًا جميلًا فحسب، بل في أن يصبح الفن جزءًا من طريقة تعامله مع الحياة والناس.

مع انتشار الذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج صور ولوحات مبهرة خلال ثوانٍ، هل تشعرين أنه يمثل تهديدًا للفنان التشكيلي أم فرصة جديدة لتوسيع حدود الإبداع؟

أرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة جديدة يمكن الاستفادة منها، لكنه لا يلغي خصوصية التجربة الإنسانية للفنان. فهناك فرق بين إنتاج صورة مبهرة بصريًا وبين عمل فني يحمل تجربة إنسانية وذاكرة ومشاعر ورؤية شخصية. الفنان لا يقدم شكلًا فقط، بل يقدم جزءًا من فهمه للحياة ومن تفاعله مع العالم. ويمكن للتكنولوجيا أن تفتح آفاقًا جديدة للتجريب، لكن تظل قيمة الفنان في رؤيته وقدرته على الابتكار ومنح العمل روحه الخاصة.

ما المعرض أو التجربة الفنية التي تعتبرينها محطة فارقة في مشواركِ، ولماذا؟

لا أستطيع أن أختزل محطاتي الفنية في معرض واحد؛ لأن كل معرض شاركت فيه، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، أضاف إلى تجربتي شيئًا مختلفًا وأسهم في تشكيل رؤيتي الفنية.

كانت مشاركاتي مع فنانين من بلدان مختلفة وثقافات متنوعة فرصة ثرية للاطلاع على أساليب فنية جديدة، والتعرف إلى طرق مختلفة في التفكير والتعبير والتعامل مع الخامات والتكوينات. هذا التنوع منحني مساحة أوسع للتعلم والتجريب، وساعدني على صقل أسلوبي الفني وتطوير رؤيتي الخاصة.

أؤمن أن الفنان لا يتوقف عن التعلم، وأن كل تجربة يمر بها تترك أثرًا في تكوينه. وما وصلت إليه اليوم هو حصيلة تراكم هذه المشاركات والخبرات واللقاءات الفنية، التي لم تكن مجرد محطات للعرض، بل كانت محطات حقيقية للتعلم والنضج واكتشاف آفاق جديدة في الفن.

حدثينا عن عمل فني أنجزتِه وشعرتِ أنه يمثل نقطة تحول في رؤيتكِ لنفسكِ وللفن.

لا أستطيع أن أحصر التحول في عمل واحد بعينه؛ لأن رؤيتي الفنية تتطور مع كل تجربة. لكن من أهم التحولات بالنسبة لي أنني أصبحت أنظر إلى الخامة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في التعبير، وليست مجرد وسيلة لتنفيذ العمل. بدأت أهتم أكثر بتجميع الخامات المختلفة وإعادة توظيفها ونسجها داخل اللوحة، لتصبح جزءًا من تكوينها وهويتها. هذا التوجه جعلني أكتشف إمكانيات جديدة، وأدرك أن الفن يمكن أن يولد من أشياء قد لا يلتفت إليها الآخرون.

ما المشروع الفني الذي تحلمين بتنفيذه، ولم تتح لكِ الظروف الفرصة لتحقيقه حتى الآن؟

أحلم بمشروع فني يقوم على إعادة اكتشاف الجمال فيما حولنا، وتحويل الأشياء المستهلكة والخامات التي فقدت قيمتها في نظر الآخرين إلى أعمال فنية ثرية ومبتكرة.

هناك عبارة تعبّر عن فلسفة هذا المشروع بالنسبة لي: «ما يراه البعض نهاية لحياة شيء ما، أراه بداية لحالة فنية جديدة، ثرية وإبداعية وجمالية».

أؤمن أن الخامة لا تفقد قيمتها بانتهاء استخدامها الأول، بل قد تبدأ رحلة أخرى أكثر جمالًا ودهشة عندما نعيد توظيفها ونسجها داخل عمل فني. أريد أن أحوّل ما يُنظر إليه باعتباره شيئًا مهملًا أو غير جميل إلى مصدر للدهشة والإبداع، وأن أقدم أعمالًا تحمل قيمة تشكيلية وجمالية، وفي الوقت نفسه تطرح رؤية مختلفة تجاه البيئة والموارد المحيطة بنا.

ولا يقتصر طموحي على إنتاج أعمال فنية مميزة، بل أتمنى أن تمتد هذه الرؤية إلى البيئة المحيطة بنا، وأن أساهم في جعلها أكثر بهجة وجمالًا، وأن أوقظ لدى الناس الشغف والتأمل والقدرة على اكتشاف الجمال في أبسط الأشياء. أريد أن يخرج الفن من حدود اللوحات وقاعات العرض إلى حياتنا اليومية، ليصبح جزءًا من تشكيل بيئة أكثر إلهامًا وإنسانية.

لو أتيحت لكِ فرصة إقامة معرض دولي يحمل اسم مها زين، فما الفكرة أو القضية التي تتمنين أن تدور حولها لوحاته؟

أتمنى أن يحمل المعرض فكرة «المرأة.. ما وراء المرئي»، لأن المرأة في أعمالي ليست مجرد ملامح جميلة أو حضور بصري، بل عالم إنساني متكامل يحمل مشاعر وتجارب وتحديات وقوة داخلية. أحب أن أقدم المرأة بعيدًا عن الصورة النمطية، وأن أعبّر عن جوانبها التي لا تظهر دائمًا على السطح؛ عن هدوئها وقوتها، ورقتها وقدرتها على المواجهة، وعن المساحات العميقة التي تسكن داخلها. وأتمنى أن تكون الأعمال متنوعة في ألوانها وخاماتها وتكويناتها، بحيث تصبح كل لوحة حكاية مستقلة، لكنها تنتمي إلى رؤية إنسانية واحدة.

هل ترين أن الفنان يحتاج أحيانًا إلى العزلة حتى يسمع صوته الداخلي ويستعيد قدرته على الإبداع؟

أعتقد أن الفنان يحتاج أحيانًا إلى مساحة من الهدوء والخصوصية، ليس بالضرورة عزلة كاملة عن العالم، وإنما فرصة للتأمل وترتيب أفكاره والإنصات إلى صوته الداخلي. فالإبداع يحتاج إلى لحظات من السكون بقدر ما يحتاج إلى الاحتكاك بالحياة والناس والتجارب. وقد تكون التفاصيل اليومية والمواقف الإنسانية مصدر إلهام لا يقل أهمية عن لحظات التأمل الفردية.

حدثينا عن موقف جعلكِ تعيدين اكتشاف نفسكِ؟

أعتقد أن إعادة اكتشاف الذات ليست مرتبطة دائمًا بموقف واحد، بل قد تحدث من خلال تراكم التجارب والتحديات والتعلم. ومن أكثر الأمور التي ساعدتني على اكتشاف جوانب جديدة في نفسي علاقتي بالخامات وإعادة تدويرها؛ فقد جعلتني أنظر إلى الأشياء المهملة بعين مختلفة، وأبحث عن إمكانياتها بدلًا من الحكم عليها من شكلها الأول. كما أن عملي في تدريس التربية الفنية يفتح أمامي باستمرار أبوابًا جديدة للتجريب والاكتشاف، ويذكرني بأن التعلم والإبداع لا يتوقفان عند مرحلة معينة.

لو استطعتِ أن ترسمي لوحة واحدة تختصر رحلتكِ في الحياة، فماذا سيكون عنوانها؟ وما الألوان التي ستختارينها؟

ربما أختار لها عنوان «حياة تتجدد»؛ لأنه يعبر عن إيماني الدائم بأن الإنسان قادر على أن يبدأ من جديد، وأن يجد الجمال حتى في التجارب الصعبة والأشياء التي تبدو منتهية. سأختار لوحة متعددة الألوان والخامات، لا تلتزم بلون واحد أو شكل محدد؛ لأن الرحلة الإنسانية مليئة بالتناقضات والتحولات. أريدها لوحة تحمل شيئًا من الهدوء والقوة، ومن الأمل والتجدد، وتجمع بين التجريد والتعبير، كما تجمع الحياة بين لحظاتها المختلفة.

ما الرسالة التي تتمنين أن تصل إلى كل فتاة تمتلك موهبة فنية، لكنها تخشى أن تخطو أولى خطواتها؟

أقول لها: لا تنتظري أن تصبحي مثالية حتى تبدئي، ولا تجعلي الخوف من الخطأ أو مقارنة نفسك بالآخرين يمنعك من اكتشاف موهبتك. ابدئي بما تمتلكينه، وبالخامات البسيطة المتاحة أمامك، وامنحي نفسك فرصة للتجريب والتعلم. لا تبحثي عن تقليد تجربة أحد، بل ابحثي عن صوتك الخاص، فلكل إنسان رؤيته التي لا يستطيع أحد أن يقدمها بالطريقة نفسها.

تذكري أن الموهبة تحتاج إلى صبر وممارسة وثقة، وأن الطريق الفني ليس سباقًا، بل رحلة لاكتشاف الذات. والأهم أن تحافظي على حبك للفن؛ لأنه ليس مجرد وسيلة لإنتاج لوحة جميلة، بل طريقة لرؤية الحياة والتعبير عنها ومنحها مزيدًا من الجمال.

⸻

كلمة أخيرة

أؤمن أن الفن ليس مجرد ألوان تُوضع على سطح، أو خامات تتجمع داخل إطار، بل هو رؤية للحياة وقدرة على إعادة اكتشاف ما حولنا. أحاول في أعمالي أن أبحث عن الجمال فيما قد لا يراه الآخرون، وأن أمنح المرأة مساحة للتعبير عن عالمها الإنساني، وأن أجعل من الخامة واللون لغة تحمل معنى وأثرًا.

وأؤمن أن كل تجربة فنية، وكل لقاء مع فنان من ثقافة مختلفة، وكل خامة جديدة أكتشف إمكاناتها، تضيف إلى رحلتي وتفتح أمامي أفقًا جديدًا. أتمنى أن يظل الفن قادرًا على تغيير نظرتنا للأشياء، وأن يجعل عالمنا أكثر جمالًا ووعيًا وإنسانية؛ فربما لا يحتاج الجمال إلى أشياء جديدة بقدر ما يحتاج إلى عين تعرف كيف تكتشفه من جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *