بنغازي تروي حكاية استعادة الدولة.. من إرث عمر المختار إلى نهضة جامعة بنغازي واستادها الدولي
السبت 07-11-2026 15:50
كتبت : رندة رفعت
جولة الوفود العربية والدولية تكشف ملامح التحول العمراني والعلمي والرياضي في المدينة.. وإعادة الإعمار تتجاوز ترميم المباني إلى استعادة المؤسسات والذاكرة الوطنية ومقومات الحياة
لم تكن الجولة الميدانية التي نظمت للوفود الصحفية والإعلامية العربية والدولية المشاركة في مؤتمر الشراكة الدولية لمكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير النظامية مجرد برنامج لزيارة عدد من المعالم بمدينة بنغازي، وإنما مثلت فرصة للاطلاع المباشر على مسار التحولات التي شهدتها المدينة، ورصد ما طرأ على مؤسساتها ومنشآتها الحيوية من أعمال إعادة بناء وتأهيل وتطوير.
فمن ضريح شيخ الشهداء عمر المختار، بما يمثله من قيمة تاريخية ووطنية في الوجدان الليبي والعربي، إلى جامعة بنغازي التي استعادت حضورها الأكاديمي بعد سنوات من الأضرار والدمار، وصولاً إلى استاد بنغازي الدولي الذي يجسد جانباً من تطوير البنية التحتية الرياضية، قدمت الجولة صورة متعددة الأبعاد لمدينة تسعى إلى تجاوز آثار الصراع واستعادة دور مؤسساتها في الحياة العامة.
واكتسبت الزيارة أهميتها من مشاركة وفود متعددة الجنسيات، أتاحت لها مشاهدة المشروعات والمنشآت على أرض الواقع، والاطلاع على حجم الجهود المبذولة في إعادة الإعمار، بعيداً عن الاكتفاء بالتقارير والصور المتداولة عن ليبيا خلال سنوات الاضطرابات.
عمر المختار.. الذاكرة الوطنية التي لا تغيب
كانت محطة ضريح شيخ الشهداء عمر المختار من أبرز المحطات الرمزية في برنامج الجولة، لما يحمله هذا المعلم من دلالات تاريخية تتجاوز حدود الجغرافيا الليبية، وترتبط بتاريخ الكفاح الوطني ضد الاستعمار الإيطالي.
واستمع الوفد إلى شرح حول المسيرة النضالية لعمر المختار، وما يضمه الضريح من مقتنيات ووثائق وشواهد تاريخية توثق مرحلة مهمة من تاريخ المقاومة الليبية، إلى جانب أعمال التطوير والصيانة التي تستهدف الحفاظ على هوية المكان وقيمته المعمارية والتراثية.
ولا تنفصل أهمية هذه المحطة عن طبيعة الرسالة التي تحملها بنغازي اليوم؛ فمدينة تستحضر أحد أبرز رموز المقاومة والتحرر في تاريخها، تضع في الوقت نفسه إعادة بناء مؤسساتها واستعادة مقوماتها العمرانية والعلمية ضمن أولويات مرحلة جديدة.
وهنا تتقاطع الذاكرة الوطنية مع مشروع الإعمار؛ فالحفاظ على الرموز التاريخية لا يقل أهمية عن تشييد المنشآت الحديثة، لأن بناء المستقبل لا يعني الانقطاع عن التاريخ، بل الاستناد إليه بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية.
جامعة بنغازي.. إعادة بناء منارة علمية واستعادة دورها الأكاديمي
وفي المحطة الثانية، زار الوفد جامعة بنغازي، التي تأسست عام 1955، وتُعد من أقدم مؤسسات التعليم العالي في ليبيا، وتمثل إحدى الركائز الأساسية للحياة العلمية والأكاديمية في البلاد.
وكانت الجامعة قد تعرضت لأضرار جسيمة خلال سنوات الصراع، طالت مبانيها ومرافقها، الأمر الذي وضع مستقبل أحد أهم الصروح التعليمية الليبية أمام تحديات كبيرة.

وخلال الزيارة، استعرض مسؤولو الجامعة مراحل إعادة الإعمار والتأهيل، والجهود التي أسهمت في إعادة بناء المنشآت الجامعية وتطوير بنيتها التحتية، بمشاركة القوات المسلحة الليبية، وبجهود صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، في إطار أعمال استهدفت استعادة قدرة الجامعة على أداء رسالتها التعليمية والبحثية.
واستمع الوفد إلى شرح من الدكتور خالد الفضلي، وكيل جامعة بنغازي، حول مسيرة الجامعة ومشروعات تطويرها، وما تشهده من توسع في الكليات والبرامج الأكاديمية، إلى جانب توجهاتها لتعزيز التعاون العلمي مع المؤسسات التعليمية داخل ليبيا وخارجها.
وكشف الفضلي عن شراكات أكاديمية مع جامعات مصرية عريقة، من بينها جامعات القاهرة والمنصورة وقناة السويس، ولا سيما في مجالات التعليم الطبي وتبادل الخبرات البحثية والعلمية، فضلاً عن التعاون مع جامعات بريطانية وأمريكية وإيطالية وأردنية.
كما أشار إلى حصول كلية الطب البشري بالجامعة على الاعتماد المؤسسي والبرامجي واعتماد الاتحاد العالمي للتعليم الطبي (WFME)، في خطوة تعكس توجه الجامعة نحو تعزيز معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي والانفتاح على المؤسسات التعليمية الدولية.
وأوضح أن الجامعة تستوعب أعداداً كبيرة من الطلاب، وتضم 35 كلية، مع امتداد كلياتها إلى عدد من المدن والمناطق الليبية، إلى جانب إطلاق برامج للدراسات العليا والدكتوراه، واستقبال طلاب من جنسيات متعددة.
وتكشف هذه المؤشرات عن أن إعادة إعمار الجامعة لا تتعلق باستعادة المباني وحدها، وإنما بإعادة تشغيل منظومة علمية متكاملة، وتوسيع قدرتها على إعداد الكفاءات، وتطوير البحث العلمي، وبناء شراكات أكاديمية عابرة للحدود.
فالمؤسسات التعليمية تمثل أحد أهم مقاييس التعافي طويل الأجل، لأن استعادة الجامعة لوظيفتها تعني استعادة أحد المسارات الرئيسية لبناء الإنسان وإعداد الأجيال القادرة على المشاركة في التنمية وإدارة مؤسسات الدولة.

استاد بنغازي الدولي.. البنية الرياضية عنوان آخر للتعافي العمراني
واختتمت الجولة بزيارة استاد بنغازي الدولي، الذي يمثل أحد أبرز المنشآت الرياضية التي شهدت أعمال تطوير وتجهيز، ويعكس توجهاً نحو تحديث البنية التحتية الرياضية وتوفير منشآت قادرة على استضافة المنافسات والفعاليات الكبرى.
واطلع الوفد على أرضية الملعب والمدرجات والمرافق الخدمية وأنظمة التشغيل والتجهيزات الفنية والإعلامية، وما تتطلبه استضافة الأحداث الرياضية الدولية من بنية تقنية وتنظيمية متكاملة.
وتتجاوز أهمية الاستاد حدود النشاط الرياضي؛ فالمنشآت الكبرى تمثل جزءاً من البنية الحضرية والاقتصادية للمدن، وتوفر مساحات لاستضافة الفعاليات، وتفتح مجالات للحركة الاقتصادية والسياحة الرياضية، وتعزز حضور المدينة على خريطة المنافسات الإقليمية والدولية.
كما أن تطوير المنشآت الرياضية يتيح فرصاً أوسع أمام الشباب لممارسة الأنشطة الرياضية، ويدعم دور الرياضة باعتبارها مساحة للتواصل المجتمعي والتفاعل بين الأجيال والثقافات.
ومن هذا المنطلق، شكل الاستاد محطة مكملة للصورة التي قدمتها الجولة؛ فبعد استحضار الذاكرة الوطنية في ضريح عمر المختار، والاطلاع على استعادة الدور العلمي في جامعة بنغازي، جاءت المنشأة الرياضية لتبرز جانباً آخر من مسار تطوير المدينة ومرافقها العامة.
إعادة الإعمار.. من استعادة المنشآت إلى استعادة وظائف الدولة
تكمن الدلالة الأوسع للجولة في أنها قدمت ثلاثة نماذج مختلفة لمفهوم إعادة الإعمار: الحفاظ على الذاكرة الوطنية والتراث، واستعادة المؤسسات التعليمية والبحثية، وتطوير البنية التحتية الرياضية والخدمية.
وهذه المسارات، على اختلاف طبيعتها، تلتقي عند هدف واحد هو استعادة قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، وتحويل مشروعات البناء والتطوير إلى عناصر مؤثرة في حياة المواطنين.
كما أتاحت الجولة للوفود التعرف على جوانب من الأوضاع الأمنية والخدمية في المدينة، ومشاهدة ما تشهده من أعمال تطوير عمراني، في سياق الجهود الرامية إلى ترسيخ الاستقرار وإعادة تنشيط الحياة العامة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور القوات المسلحة العربية الليبية في ملف إعادة الإعمار، إلى جانب المؤسسات والجهات التنفيذية المختصة، باعتباره أحد الملفات التي ارتبطت بمراحل إعادة تأهيل عدد من المنشآت والمرافق الحيوية في بنغازي.
رسالة إلى الخارج.. الحكم على التحولات يبدأ من المشاهدة المباشرة
تحمل مشاركة الوفود العربية والدولية في هذه الجولة أهمية خاصة من الناحية الإعلامية والدبلوماسية، إذ تتيح للصحفيين والإعلاميين نقل مشاهداتهم الميدانية إلى مؤسساتهم وجمهورهم، وتقديم صورة أكثر شمولاً عن التطورات التي تشهدها المدينة.
فالإعلام الدولي لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يسهم أيضاً في تشكيل المعرفة العامة بالمدن والدول، وتوثيق التحولات التي تمر بها، وإبراز التحديات والفرص المرتبطة بمشروعات التنمية والاستقرار.
ومن هنا، فإن الاطلاع المباشر على المنشآت والمؤسسات، والاستماع إلى المسؤولين عنها، يمثلان عنصرين مهمين في بناء تغطية إعلامية تستند إلى المشاهدة والمعلومات، وتتيح للقارئ التعرف على جوانب متعددة من الواقع الليبي.
كما تفتح مثل هذه الزيارات المجال أمام تعزيز التواصل بين المؤسسات الإعلامية العربية والإفريقية والدولية، وتبادل الخبرات المهنية، وإقامة جسور للتعاون في تغطية قضايا إعادة الإعمار والتنمية.
بنغازي.. حين يصبح الإعمار اختباراً للمستقبل
بين ضريح يحتفظ بذاكرة النضال الوطني، وجامعة تستعيد رسالتها العلمية، واستاد حديث يعكس تطور المنشآت الرياضية، تتشكل ملامح مشهد يتجاوز المفهوم التقليدي لإعادة البناء.
فإعادة الإعمار لا تُقاس فقط بعدد المباني التي أُعيد تشييدها، أو حجم المشروعات التي نُفذت، وإنما بقدرة هذه المنشآت على استعادة دورها، وتقديم خدمات مستدامة، وخلق فرص جديدة للتعليم والعمل والحياة العامة.
وتبقى المرحلة الأهم هي ضمان استدامة هذه المشروعات، ورفع كفاءة تشغيلها، وربطها بخطط تنمية متكاملة تستجيب لاحتياجات المواطنين وتدعم مؤسسات الدولة.
لقد قدمت الجولة الميدانية للوفود صورة لبنغازي من زوايا مختلفة؛ مدينة تحمل تاريخاً وطنياً عميقاً، وتعمل على استعادة مؤسساتها، وتطوير بنيتها التحتية، وتوسيع حضورها العلمي والرياضي.
وبين ذاكرة الماضي ومشروعات الحاضر، تطرح بنغازي رسالة مفادها أن قيمة الإعمار الحقيقية لا تكمن في إعادة بناء ما تهدم فحسب، بل في تأسيس واقع أكثر قدرة على الاستمرار، وصناعة مستقبل تستعيد فيه المؤسسات دورها، ويصبح الاستقرار أساساً للتنمية.


اترك تعليقاً