رئيس التحرير

السفيرة ماجي دميان تكتب: بين نيران الصراع الدولي وتحديات الداخل … كيف تؤثر الحرب الإيرانية الأمريكية على الاقتصاد المصري وأين تكمن بارقة الأمل؟

الثلاثاء 28-04-2026 15:13

الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أو حتى مجرد التصعيد بينهما، لا تُعد صراعًا بعيدًا عن مصر كما قد يتصور البعض، بل هي حدث إقليمي شديد التأثير، تمتد تداعياته إلى الداخل المصري بشكل مباشر وغير مباشر. فموقع مصر الجغرافي، واعتمادها على استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، يجعلها دائمًا في قلب أي اضطراب دولي، خاصة إذا كان في منطقة الخليج أو الشرق الأوسط.

من أولى الانعكاسات الواضحة لأي مواجهة بين واشنطن وطهران، ارتفاع أسعار النفط عالميًا. ومصر، رغم تحقيقها خطوات مهمة في مجال الاكتفاء النسبي من الغاز، لا تزال تتأثر بارتفاع أسعار الطاقة، ما ينعكس على تكلفة الإنتاج والنقل، ومن ثم على أسعار السلع والخدمات. المواطن البسيط هو من يدفع الفاتورة في النهاية، في صورة تضخم متزايد وضغوط معيشية أكبر.

كذلك، تتأثر حركة التجارة العالمية، خاصة عبر الممرات الحيوية مثل قناة السويس. ففي حال تصاعد التوترات العسكرية، قد تتراجع حركة السفن أو ترتفع تكاليف التأمين، ما يقلل من إيرادات القناة التي تُعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر. إلى جانب ذلك، فإن أي اضطراب عالمي يدفع المستثمرين إلى التوجه نحو الملاذات الآمنة، ما يؤدي إلى خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة، ومنها مصر، وهو ما يضغط على سعر العملة ويزيد من التحديات الاقتصادية.

ولا يمكن إغفال تأثير السياحة، أحد أعمدة الاقتصاد المصري. فالصراعات الإقليمية تخلق حالة من القلق لدى السائحين، حتى وإن كانت مصر بعيدة نسبيًا عن بؤرة التوتر، وهو ما يؤدي إلى تراجع أعداد الزائرين وانخفاض الإيرادات السياحية.

لكن رغم هذه الصورة القاتمة، فإن الأزمة ليست قدرًا حتميًا بلا مخرج. بل يمكن النظر إليها كجرس إنذار يدفع مصر إلى تسريع خطوات الإصلاح الاقتصادي الحقيقي. فالحل لا يكمن فقط في انتظار هدوء الأوضاع الدولية، بل في بناء اقتصاد أكثر صلابة وقدرة على الصمود.

أول هذه الحلول يتمثل في تعزيز الإنتاج المحلي، خاصة في مجالات الغذاء والصناعة، لتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يصبح أكثر تكلفة في أوقات الأزمات. كما يجب التوسع في دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها المحرك الأساسي للتشغيل والنمو. كذلك، فإن تنويع مصادر الدخل القومي، وعدم الاعتماد على موارد محددة مثل السياحة أو قناة السويس، يعد ضرورة ملحة.

ومن المهم أيضًا الاستمرار في جذب الاستثمارات، ولكن ليس فقط في القطاعات التقليدية، بل في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجددة، التي تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي. إلى جانب ذلك، فإن ترشيد الإنفاق الحكومي، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، يساهمان في تخفيف الأعباء عن المواطنين.

ملامح خطة الإنقاذ: مقترحات لخروج مصر من تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية
في ظل تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يجد الاقتصاد المصري نفسه مرة أخرى أمام اختبار حقيقي لقدرته على الصمود. فبينما كانت المؤشرات الاقتصادية لمصر في بداية عام 2026 تُبشر بتحسن ملحوظ ونمو وتضارب منخفض، جاءت الحرب لتعيد خلط الأوراق وتُظهر هشاشة التعافي أمام الصدمات الخارجية . فمنذ اندلاع الصراع، تعرض الجنيه المصري لضغوط هائلة سجلت انخفاضًا بنسبة 9% أمام الدولار، مع خروج كبير لرؤوس الأموال الساخنة هو الأكبر منذ الحرب الروسية الأوكرانية .

إن التعقيدات الجيوسياسية الحالية، التي تشمل تهديدات بفرض رسوم عبور في مضيق هرمز، لا تهدد الملاحة العالمية فحسب، بل تخلق أيضًا فرصة استراتيجية لمصر إذا ما أحسنت إدارة أزمتها. تقف مصر عند مفترق طرق، يتطلب منها تحويل التحديات الراهنة إلى فرصة لإعادة هيكلة اقتصادها بشكل أعمق وجعله أقل عُرضة للصدمات الخارجية. فيما يلي مقترح متكامل لخروج مصر من هذه الأزمة، قائم على توظيف الأصول الاستراتيجية وتعميق الإصلاحات الهيكلية.

أولاً: توظيف الموقع الجيوسياسي كورقة ضغط اقتصادي (سيناريو بديل للعبور)
بينما يسعى البعض، مثل إيران، إلى تقاضي رسوم من السفن المارة في المضائق الطبيعية عبر انتهاك القانون الدولي، تمتلك مصر ميزة قانونية وتنافسية نادرة تتمثل في قناة السويس، وهي ممر مائي اصطناعي يسمح لها بفرض رسوم العبور بشكل قانوني . في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة إعادة رسم لخرائط التجارة بسبب تهديدات هرمز، تبرز أهمية القناة كبديل آمن واستراتيجي، وهو ما انعكس في زيادة الإيرادات مؤخرًا إلى 449 مليون دولار خلال بداية عام 2026 .

لتحويل هذه الميزة إلى أداة فعالة للخروج من الأزمة، يجب اتخاذ خطوات نوعية:

تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمنطقة لوجستية عالمية: يجب تجاوز فكرة القناة كممر عبور فقط، وتحويلها إلى منطقة صناعية ولوجستية جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة مع توجه الشركات العالمية لإعادة توجيه سلاسل التوريد بعيدًا عن مناطق النزاع. هذا يتسق مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية الشاملة التي تضع المنطقة الاقتصادية كأحد المحاور الأساسية لتعزيز القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي .

الاستفادة من الشحنات المحولة عن هرمز: مع محاولة إيران فرض نظام تراخيص أو رسوم في هرمز، قد تتجه شركات الشحن العالمية إلى البحث عن بدائل. هنا يمكن لمصر تسويق قناة السويس كملاذ آمن ومستقر، مع تقديم حوافز تسعيرية مؤقتة لتعزيز الحركة، التي تشكل مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة.

ثانياً: إدارة أزمة الطاقة وترشيد الاستيراد
تكشف الحرب عن أكبر نقطة ضعف في الاقتصاد المصري: الاعتماد على استيراد الطاقة رغم كونها دولة منتجة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على الغاز الإسرائيلي والمسال عبر الأنابيب . ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة بسبب اضطرابات الإمدادات يمكن أن يؤدي إلى تآكل احتياطي النقد الأجنبي وزيادة عجز الحساب الجاري، الذي يُتوقع أن يصل إلى -4.3% من الناتج المحلي الإجمالي .

لذلك، فإن المقترحات التالية تُعد ضرورة ملحة:

تسريع وتيرة التحول إلى الطاقة المتجددة: تمتلك مصر ثروات هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. التوسع السريع في مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة ليس مجرد خيار بيئي، بل هو ضرورة أمن قومي لتقليل الاعتماد على الواردات البترولية المتقلبة أسعارها. الاستراتيجية الوطنية تُشير بوضوح إلى دعم قطاع الطاقة كمُمكّن رئيسي للنمو .

سياسات ترشيد الاستهلاك وإحلال الواردات: يجب تفعيل برامج وطنية لترشيد استهلاك الوقود والكهرباء في القطاعين الحكومي والصناعي، مع تقديم حوافز للقطاع الخاص لاستخدام الطاقة النظيفة، مما يخفف الضغط على الميزانية العامة.

ثالثاً: تحصين الأمن الغذائي وتماسك المجتمع
المصريون لديهم حساسية شديدة تجاه ارتفاع الأسعار. ومع توقع استمرار التضخم عند مستويات 11% في 2026 بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة واضمحلال العملة، فإن الحفاظ على التماسك الاجتماعي يتطلب تدخلًا استباقيًا . أظهرت التقارير الرسمية أن الحكومة لديها خطط للحفاظ على الأمن الغذائي عبر مخزون استراتيجي وآليات رقابية .

وتتمثل المقترحات في هذا المحور بما يلي:

توسيع قاعدة السلع التموينية المدعمة: بدلاً من التركيز على خفض الدعم في وقت الأزمات، يجب إعادة توجيه الدعم بشكل أكثر كفاءة ليشمل السلع الأساسية المتأثرة بارتفاع الأسعار العالمية (كالزيوت والحبوب)، مع تعزيز دور هيئة السلع التموينية في الشراء المباشر من المزارعين المحليين لتقليل فاتورة الاستيراد، كما حدث مع استهداف جمع 5 ملايين طن قمح محلي .
كذلك تكثيف الرقابة على الأسواق: يجب تفعيل أقصى العقوبات ضد المخالفين والمحتكرين الذين يستغلون الأزمة لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، مع تطبيق آليات الشفافية في تداول السلع .
رابعاً: خريطة طريق مالية ونقدية لامتصاص الصدمة
يتوقع بنك “أليانز” تباطؤ النمو الاقتصادي في مصر إلى 4% خلال العام المالي الحالي قبل أن يتعافى إلى 5% عام 2027، وذلك بفضل الإصلاحات الهيكلية التي بدأت تؤتي ثمارها . لكن في ظل التوتر الحالي، تزداد الحاجة إلى سياسات نقدية ومالية مرنة.
أما المقترحات المطلوبة على الصعيدين المالي والنقدي تشمل:
تعزيز شبكة الأمان من النقد الأجنبي: طمأن البنك المركزي والحكومة بوجود احتياطيات آمنة من النقد الأجنبي . لكن المقترح هو تنويع مصادر هذه العملة بعيدًا عن “الأموال الساخنة” التي تهرب بسرعة وقت الأزمات. يجب التركيز على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات الإنتاج والتصدير، والاستفادة من تحويلات المصريين بالخارج.
إدارة الدين الخارجي بذكاء: مع توقع بقاء عجز الميزانية مرتفعًا عند -10.7%، يجب التوجه نحو صفقات مبادلة الديون، وهو ما تتبناه وزارة التخطيط كآلية مبتكرة لتحويل الديون إلى استثمارات خضراء أو مشروعات تنموية .
تحرير سعر الصرف المُدار: الإبقاء على سعر صرف مرن وموحد هو مطلب أساسي لاستمرار برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، ولكن يجب أن يصاحبه توفر السلع في الأسواق لامتصاص الصدمة التضخمية الناتجة عن التعويم.
ورغم كل التحديات، تبقى هناك بارقة أمل حقيقية للمصريين. فمصر تمتلك مقومات كبيرة: موقع استراتيجي فريد، سوقًا محلية ضخمة، وموارد بشرية قادرة على العمل والإبداع. وقد أثبتت التجارب أن المصريين قادرون على التكيف مع الأزمات، بل وتحويلها إلى فرص في كثير من الأحيان.

الأمل ليس مجرد شعار، بل هو رؤية قابلة للتحقق إذا ما ترافقت مع سياسات رشيدة وإرادة حقيقية للإصلاح. فوسط صخب الحروب وصراعات القوى الكبرى، يمكن لمصر أن تختار طريقها نحو الاستقرار والنمو، مستندة إلى قوة شعبها وإمكاناتها، لتخرج من الأزمات أكثر صلابة وثقة في المستقبل.

د. ماجي دميان

سفير دبلوماسي بالمنظمه الحكوميه بالأمم المتحدة و مستشار العلاقات الدولية بمجلس الاقتصاد العالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *