رئيس التحرير

العلاقات والمصالح الاقتصادية تدعم التعايش والشراكة العربية الكردية

الثلاثاء 05-05-2026 11:19

بقلم : أسماء الحسينى 

في كثير من الأحيان، لا تُبنى العلاقات بين الشعوب عبر الخطابات الكبرى، بل عبر تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم دون ضجيج.

في الأسواق المختلطة، حيث يعمل العربي إلى جانب الكردي، لا يكون السؤال عن الهوية حاضراً بقدر ما يكون السؤال عن الرزق، من يبيع؟ من يشتري؟ كيف تُدار الشراكة؟ وكيف يمكن الاستمرار في ظل ظروف متقلبة؟ هناك، تتراجع السياسة خطوة إلى الخلف، ويتقدم الاقتصاد بوصفه لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة. 

هذه المساحات اليومية تكشف شيئاً مهماً هو أن المصالح، حين تتقاطع، تخلق نوعاً من الاستقرار الصامت، ليس استقراراً مثالياً، لكنه كافٍ ليمنع الانهيار، وكافٍ أيضاً ليبني حداً أدنى من الثقة.

العلاقة العربية–الكردية، في جانبها الاقتصادي، ليست جديدة، فعبر عقود، تشكلت شبكات عمل مشتركة في الزراعة، والتجارة، والخدمات، وحتى في الصناعات الصغيرة، وفي بعض المناطق، كان من الصعب فصل من ينتج عن من يوزع، ومن يزرع عن من يسوّق، فالكل كان جزءاً من دورة واحدة، حتى وإن اختلفت الأسماء والانتماءات.

لكن هذه الحقيقة، على بساطتها، لم تُقدَّم كما يجب، غالباً ما يتم تسليط الضوء على لحظات التوتر، بينما تُهمَل لحظات التعاون التي تشكل في الواقع القاعدة الأوسع.

ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو أن هذه العلاقات الاقتصادية لم تعد مجرد ضرورة، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى خيار قائم على إدراك متبادل بأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق لطرف دون الآخر، وأن أي خلل في هذه الشراكة سينعكس على الجميع.

وهنا تحديداً، تبرز أهمية العمل على إعادة تعريف هذه العلاقة خارج إطارها التقليدي، ليس فقط كعلاقة “تعايش اضطراري”، بل كشراكة يمكن تطويرها، والبناء عليها، وتحويلها إلى نموذج.

في هذا السياق، ظهرت خلال الفترة الماضية محاولات إعلامية وثقافية للاقتراب من هذا البُعد، بهدوء ودون مبالغة، من بينها حملة “تكامل… عرب وكرد، مصير مشترك”، التي تُعد أحد مشاريع شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والإعلام والاستشارات.

اللافت في هذه التجربة أنها لم تذهب مباشرة إلى الأرقام أو التحليلات الاقتصادية الجافة، بل حاولت أن تلتقط الصورة من زاوية إنسانية، من قصص العمل المشترك، من الحرف الصغيرة، من الأسواق، ومن تفاصيل الحياة اليومية التي تُظهر كيف يمكن للاقتصاد أن يكون جسراً، لا مجرد مصلحة.

هذا النوع من الطرح مهم، لأنه يعيد ترتيب الأولويات، فبدل أن نبحث عن حلول كبيرة ومعقدة منذ البداية، نبدأ بما هو موجود فعلاً على الأرض، ونحاول فهمه، ثم تطويره.

وفي الحقيقة، قد لا يكون الاقتصاد قادراً على حل كل الإشكالات، لكنه يملك ميزة لا تتوفر في غيره، اذ أنه يُجبر الأطراف على الاستمرار في التواصل، حتى في أصعب الظروف، وهذا بحد ذاته قيمة لا يُستهان بها.

في النهاية، حين تلتقي المصالح، لا تختفي الخلافات بالضرورة، لكنها تصبح أقل حدة، وأقل قدرة على تعطيل الحياة، ومع الوقت، يمكن لهذه المساحات المشتركة أن تتحول من مجرد ضرورة، إلى أساس يُبنى عليه تقارب أعمق وأكثر استدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *