الكاتبة الفلسطينية د. أحلام أبو السعود تكتب : ديموغرافيا البقاء وصراع الوجود في قطاع غزة دراسة سوسيولوجية في فلسفة الخصوبة الثائرة وتحدي الفناء
الخميس 11-06-2026 17:20
بقلم: د. أحلام أبو السعود سفيرة الإعلام العربي والباحثة في الشؤون الفلسطينية
🪶 مقدمة: حين تلد الأرض مقاتليها من رحم الرماد
في قطاع غزة، لا تسير قوانين الطبيعة الإنسانية والاجتماعية وفق المعتاد السائد؛ فبينما تقضي الحروب المدمرة وحرب الإبادة الجماعية الممتدة منذ أكتوبر 2023 على مقومات الحياة الأساسية، وبينما ينزف القطاع بفقدان أو إصابة نحو ربع مليون فلسطيني (أي ما يقارب 10% من إجمالي السكان البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة)، يخرج من قلب الركام مشهد يذهل علماء الديموغرافيا والاجتماع على حد سواء: شلال متدفق من المواليد الجدد، وأعراس جماعية تُقام فوق الأنقاض، وإصرار أسطوري على الامتداد البشري والوجودي.
إن الإحصائية الأخيرة الصادرة عن الإدارة العامة للأحوال المدنية بوزارة الداخلية، والتي وثقت تسجيل (1701) مولود جديد مقابل (159) حالة وفاة طبيعية مسجلة رسمياً خلال شهر مايو الماضي، ليست مجرد أرقام إحصائية جافة تمر عابرة، بل هي “وثيقة إدانة تاريخية للاحتلال” وصك ولادة متجدد لبلد يرفض الموت، وتجلي حقيقي لغريزة بقاء فلسطينية تتحدى قوى الفناء المحيطة بها.
📊 أولاً: الهندسة الجغرافية للحياة والتوزيع الرقمي للمواليد
لو تتبعنا التوزيع الجغرافي للمواليد الجدد في قطاع غزة، لوجدنا أن جغرافيا الألم هي ذاتها جغرافيا الأمل والتحدي، حيث سجلت المحافظات المختلفة نسباً تعكس حيوية متفجرة حتى في أكثر المناطق تدميراً واستجابة لواقع الحصار والنار:
💪 محافظة غزة (الصدارة المطلقة): سجلت 635 مولوداً جديداً، لتتصدر القطاع رغماً عن التدمير الممنهج لأحيائها السكنية ومرافقها الطبية.
💪 محافظة خان يونس: سجلت 286 مولوداً جديداً، لتثبت عودة الحياة السريعة والتجذر بالأرض بعد كل اجتياح.
💪 محافظة شمال غزة: سجلت 282 مولوداً جديداً، فرغم الحصار الخانق ومجاعة الشمال، تولد الحياة من خاصرة المعاناة الشديدة.
💪 المحافظة الوسطى: سجلت 273 مولوداً جديداً، نتيجة استقرارها النسبي الديموغرافي واستيعابها لأعداد ضخمة من النازحين.
💪 محافظة رفح: سجلت 225 مولوداً جديداً، بالرغم من العمليات العسكرية المستمرة والتهجير القسري.
🤔 ومن الملاحظ في هذه الإحصائية الرسمية أن عدد المواليد الذكور قد بلغ 919 مولوداً بنسبة بلغت 54% من إجمالي المواليد، بينما بلغ عدد المواليد الإناث 782 مولودة بنسبة 46%. وفي هذا التمايز الرقمي دلالة رمزية وعجيبة؛ وكأن الطبيعة والقدر يعوضان سياق الفقد المستمر والشهادة المستمرة بـ “مشاريع بناة ومقاومين مستقبليين” يحملون الراية من بعد آبائهم.
✨ ثانياً: “القدر الرباني” والمعجزات البيولوجية في زمن الحرب
يتساءل الكثير من المراقبين والمحللين في الشؤون الديموغرافية: كيف لبيئة تفتقر للحد الأدنى من الرعاية الصحية، وتعاني فيها النساء الحوامل من سوء التغذية الحاد، والخوف المستمر، والنزوح المتكرر، أن تشهد هذه القفزات الهائلة في معدلات الإنجاب؟ بل إن شهادات الواقع الميداني والأطباء تؤكد تفجر الخصوبة العالية حتى لدى عائلات عانت من العقم لسنوات طويلة وعقود ممتدة قبل حرب أكتوبر 2023، ليرزقوا بالأطفال في أشد فصول الحرب ضراوة.
ثمة تفسيران جوهريان يتكاملان لصياغة هذه المعجزة الوجودية:
💡 البُعد الإيماني والقدر الرباني: يوقن الإنسان الفلسطيني في غزة أن وجوده على هذه الأرض هو رباط مقدس لا ينفك عن العقيدة. يصبح فعل الإنجاب هنا فعلاً عبادياً وقراراً واعياً لإفشال مخططات الإخلاء، والترانسفير، والتهجير القسري. إنه قدر الله القاضي ببقاء هذه الطائفة، حيث تتحول الأرحام إلى خنادق مواجهة صامتة لا تقل أثراً عن البنادق.
🧠 غريزة التكاثر الدفاعي (السيكولوجيا البيولوجية): علمياً وسوسيولوجياً، عندما تشعر الكائنات الحية (والإنسان في قمتها) بتهديد وجودي يهدد نوعها بالفناء التام، تنشط لديها إشارات البقاء اللاشعورية. الخوف من الفقد يدفع العائلات إلى التعويض السريع لحفظ النسل. الزواج الجماعي والأعراس التي تُقام تحت الخيام وفي مراكز النزوح ليست ترفاً اجتماعيّاً، بل هي إعلان صارخ عن استمرار الحياة، ورفض جماعي لسياسة الموت الحتمي التي يحاول الاحتلال فرضها.
«الاحتلال يتقن صناعة الموت، وغزة تتفوق في صناعة الحياة»
🌋 ثالثاً: “جيل الغضب” .. الأرحام الثائرة والقنابل الموقوتة
إن هذا الجيل الجديد الذي وُلِد تحت وابل القذائف، وتنفس غبار الفسفور, واغتسل بدموع الفقد والحرقة، ليس جيلاً عادياً يمكن تدجينه أو نسيان مظلوميته؛ إنه “جيل الثأر المقدس”. إن الاحتلال الغاصب، بارتكابه جرائم الإبادة الجماعية وسحق الحجر والبشر، اعتقد واهماً أنه يكسر إرادة الغد ويمحو المستقبل الفلسطيني، ولم يدرك بعقليته العسكرية العقيمة أنه يقوم بـ “هندسة عكسية” لدماره الذاتي. لقد ظن أن أشلاء الأطفال وترويع الآمنين سيرهب الأجيال القادمة، فإذا بالألم يفجر في قلوبهم وعقولهم ثورة عارمة ستقتلع جذور هذا المحتل يوماً ما.
🍼 رضاعة الغضب والقهر: هذا الرضيع الذي لم يذق حليب أمه هانئاً بل شرب مع وعيه الأول ملامح القهر، والجوع، والنزوح، وضجيج الطائرات، صُبت في جيناته وعقيدته خلاصة مظلومية شعب كامل.
👁️ ذاكرة الدم التي لا تنسى: هؤلاء الأطفال الذين فتحوا أعينهم على مشهد دمار بيوتهم وفقدان عائلاتهم، والذين تجرعوا مرارة اليتم في شهورهم الأولى، لن ينسوا ولن يغفروا حجم الألم. إن الذاكرة الفلسطينية لا تصدأ، والألم المتراكم يتحول بفعل القمع والظلم المتواصل إلى طاقة غضب وانتقام مشروعة ضد الجلاد.
💣 قنابل موقوتة في وجه المحتل: كل طفل وُلد أو كبر في أتون هذه الحرب هو مشروع قنبلة ديموغرافية ونفسية موقوتة ستنفجر حتماً في وجه الغاصب؛ جيل تعمد بالدم والنار، لا يملك ما يخسره، ولن يساوم على دماء الشهداء والجرحى، ولن يترك ثأره التاريخي.
إن دماء ربع مليون مصاب وشهيد في غزة لم تصنع خوفاً أو استسلاماً، بل أسست لمدرسة ثورية جديدة ممتدة؛ فالإبادة لم ترهب الأرحام بل فجرت فيها ثورة عارمة ستقتص من هذا المغتصب، ولن تترك ثأرها ولن تنسى حجم الألم مهما طال الزمن.
🏁 خاتمة: الأرحام التي لا تُهزم
إن ما تشهده غزة اليوم هو إعادة كتابة حقيقية للتاريخ الإنساني وصياغة جديدة لقوانين الصراع. إن “الإنجاب بالجملة” و”الأعراس فوق الرماد” هي الرسالة الأبلغ والرد الأقوى من غزة إلى العالم المتواطئ والعدو المستكبر: نحن لا نموت.. نحن نتضاعف ونمتد.
سيذكر التاريخ أن حرب أكتوبر 2023، التي أرادها الاحتلال مقبرة لقطاع غزة ونهاية للقضية الفلسطينية، تحولت بفعل الإيمان الصادق، والقدر الرباني، وغريزة البقاء الأسطورية إلى “مخاض عسير” لولادة جيل فلسطيني جديد لا يعرف الخوف؛ جيل وُلد تحت صوت القذائف، وتربى في العراء، وحمل جينات التحدي قبل أن يرى النور. قد تدمر الطائرات البيوت والمستشفيات، وتزيل أحياء كاملة من الخارطة، لكنها أبداً لن تستطيع تدمير الأرحام الثائرة أو كسر إرادة أمة قررت أن تولد من جديد في كل ثانية.


اترك تعليقاً