الدكتورة منى حنا عياد منصه خدمات الرعايه الصحيه المنزليه
السبت 20-06-2026 17:18
بقلم الدكتورة : منى حنا عياد
ان فكرة إطلاق منصة لتقديم خدمات الرعاية الصحية المنزلية المقننة، تفتح الباب واسعاً أمام إعادة هيكلة إنفاقنا الصحي. ولكي ندرك أبعاد هذه الفكرة، علينا أن ننظر إلى الرعاية المنزلية باعتبارها الضلع الثالث الارتكازي الذي تعتمد عليه كبرى النظم الطبية العالمية، وهو ما يحتم على القطاع الحكومي تبني هذا التوجه ودعمه بقوة، خاصة وأن نواة منظومة التأمين الصحي الشامل الجديدة باتت تعتمد بشكل جوهري على توافر مثل هذه الخدمات لتوفير رعاية ممتدة وشاملة للمواطنين. وتكمن القيمة المضافة لتبني الدولة لنموذج منصة لتقديم خدمات الرعاية الصحية المنزلية في قدرتها الفورية على تخفيف الضغط الرهيب عن كاهل المستشفيات الحكومية والجامعية فالعشرات من أسِرّة الأقسام الداخلية وغرف العناية المركزة تظل مشغولة بحالات يمكن متابعتها طبيّاً، أو تأهيلها بعد العمليات الجراحية، أو تقديم الرعاية التلطيفية لكبار السن والأمراض المزمنة لها داخل منازلهم. تحويل هذه الشريحة إلى الرعاية المنزلية المنظمة يعني إخلاء المساحات والأسِرّة للحالات الحرجة والطارئة، وهو ما يؤدي تلقائياً إلى تقليص نسب الهدر في المستهلكات الطبية، والطاقة، والأدوات، والجهد البشري المستنزف داخل دور الرعاية الطبية المغلقة. ولغة الأرقام هنا لا تكذب؛ إذ تؤكد الدراسات الاكتوارية واقتصاديات الصحة أن إدارة الحالات المرضية منزلياً تضمن توفير ما لا يقل عن 30% من ميزانية الرعاية الصحية مقارنة بفترات الإقامة الطويلة وغير المبررة داخل المستشفيات. هذا التوفير الضخم يمثل شريان حياة جديد يمكن إعادة ضخه في موازنة التأمين الصحي الشامل لتسريع وتيرة تطبيقه في باقي المحافظات، ورفع جودة الخدمات المقدمة. علاوة على ذلك، فإن إرساء دعائم هذا القطاع تحت مظلة رقابية وتشريعية حكومية من شأنه خلق أسعار تنافسية في السوق المحلي. المستفيد الأول والأخير هنا هو المواطن البسيط؛ إذ سيتيح له الحصول على خدمة تمريضية وطبية آمنة، موثوقة، وتحت إشراف طبي معتمد، بعيداً عن عشوائية سوق التمريض المنزلي غير الرسمي وبعيداً عن الأسعار الفلكية التي تفرضها بعض الجهات. ولا تتوقف مكاسب هذا المشروع عند البعد المحلي فحسب، بل تمتد لتتقاطع مع الرؤية الاقتصادية للدولة. فمصر التي تحتضن اليوم الملايين من ضيوفها وأبناء الجاليات العربية والأجنبية، تحتاج إلى وجود منصة لتقديم خدمات الرعاية الصحية المنزلية بشكل ذكي يمنح هؤلاء الأمان الصحي في مقار إقامتهم. كما يمثل هذا القطاع ركيزة أساسية لدعم توجه الدولة نحو «السياحة الصحية»؛ فالمريض الأجنبي الذي يقصد مصر لإجراء جراحة دقيقة، سيفضل حتماً قضاء فترة نقاهته وتأهيله في منتجع سياحي أو سكن خاص شريطة وجود رعاية منزلية ممتازة ومؤهلة، وهو ما يدعم تدفقات العملة الصعبة للاقتصاد القومي. خلاصة القول؛ إن الاعتماد على منصة لتقديم خدمات الرعاية الصحية المنزلية ليس مجرد حل تكنولوجي، بل هو نموذج للتحول اللوجستي الشامل في قطاع الصحة. إن دعم الحكومة لهذا التوجه وإدماجه رسمياً كشريك في المنظومة الصحية هو استثمار ذكي يحمي ميزانية الدولة، ويخفف العبء عن كاهل الأطقم الطبية، ويمنح المواطن كرامته الصحية داخل بيته. لقد حان الوقت لنقل المستشفى إلى منزل المريض، بدلاً من إثقال كاهل المريض بالانتظار على أبواب المستشفيات.


اترك تعليقاً