رئيس التحرير

شيركو حبيب يكتب : هل يُحقق الاتفاق الأمريكي الإيراني الاستقرار في المنطقة؟

السبت 20-06-2026 14:13

بقلم : شيركو حبيب

على الرغم من أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاق لإنهاء الحرب والتوترات بينهما، إلا أن كلا الجانبين عانى من ويلات الحرب، وكذلك إسرائيل التي لم تكن بمنأى عن الحرب رغم أنها لم ترحب بالاتفاقية و لكن لا تستطيع بمفردها دون دعم أمريكي مواجهة إيران، ولكنها تستمر بهجماتها على جنوب لبنان بضرب حزب الله بحجة حماية حدودها، رغم أن العديد من دول العالم أعرب عن سعادته بهذا الاتفاق.

وعلى الرغم من أن رئيسي الجانبين وقعا على الاتفاق، إلا أن كليهما يشك في الآخر، فإيران تشك بشدة في ترامب، الذي شن هجومين في أقل من عام بينما كان الجانبان يتفاوضان.

من جانبهم، يبدي الأمريكيون شكوكًا ويراقبون عن كثب مدى التزام إيران بالاتفاق، وما إذا كانت تنوي عدم تنفيذه، وما إذا كان تعزيز قدراتها مضيعة للوقت.ويؤكد مساعدو ترامب أنهم استخدموا هذا التكتيك سابقًا. فإذا لم يتمكن الطرفان من تجاوز خلافاتهما للتوصل إلى تسوية شاملة، يبقى احتمال التوصل إلى اتفاق محدود أو تمديد المفاوضات قائمًا، ويظل خطر تجدد الأعمال العدائية قائمًا.

إذا نظرنا إلى دول المنطقة، بما فيها العراق والأردن ودول الخليج، وتابعنا ردود أفعالها ومواقفها، فإننا نتوقع أنها لم تجنِ شيئًا من هذا الاتفاق، وبالتالي فشلت في التوصل إلى حلٍّ يضمن مصالحها، ولا حلول فعّالة للمشاكل المزمنة. وبالطبع يكمن السبب الرئيسي لهذه المشاكل في استمرار وجود الأسلحة الإيرانية في أيدي عملاء طهران، الأمر الذي حوّل هؤلاء الميليشيات فعليًا إلى دول داخل بلدانهم.

ولا يمكن فهم التطورات الحقيقية في جهود تفكيك الميليشيات المسلحة في العراق ونزع سلاحها بمعزل عن تطورات الأزمة الإقليمية ودور إيران المستقبلي في العراق بعد الاتفاق الموقع مع واشنطن لإنهاء الحرب. ويشمل ذلك قبول استسلام بعض الجماعات المسلحة ورفض استسلام جماعات أخرى لا تندرج ضمن إطار الهيمنة الإيرانية.

بالنظر إلى العلاقات المتراكمة التي وصلت إلى حد التبعية المباشرة تقريباً لإيران، فمن الصعب على الميليشيات اتخاذ قرارات بشأن أنشطتها المسلحة بشكل مستقل دون إيران. رغم أن الإدارة الإيرانية على علم بأن الميليشيات العراقية لا تحظى بشعبية حتى داخل قاعدة المكون الشيعي.

من جهة أخرى، استفادت دول مثل الصين وروسيا وباكستان بشكل كبير من الاتفاق مادياً ومعنوياً، رغم أن تداعياته لا تزال غير واضحة، وكذلك بالنسبة لبعض دول الخليج العربي والأردن، التي دفعت ثمناً باهظاً في الحرب وبذلت جهوداً حثيثة للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.

إن أي اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران سيؤدي إلى أحداث بالغة الأهمية ستعيد تشكيل الشرق الأوسط الجديد في المستقبل القريب، فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، شكلت العداوة والتوتر بين الجانبين عاملاً رئيسياً يؤثر على التوازن السياسي والأمني ​​والاقتصادي في المنطقة.

اما على الصعيد الاقتصادي، ستستفيد إيران بشكل كبير من أي رفع أو تخفيف للعقوبات الأمريكية، ومع عودة بعض رؤوس الأموال الأجنبية المجمدة وزيادة صادرات النفط والغاز، قد يُشكل ذلك دفعة قوية للاقتصاد الإيراني في السنوات القادمة، و قد يكون لذلك أثر إيجابي على أسواق الطاقة العالمية من خلال زيادة إمدادات النفط واستقرار الأسعار.

إضافةً إلى ذلك، قد يمهد التحسن الاقتصادي في إيران الطريق لتوسيع التجارة مع العديد من دول المنطقة.

فيما يتعلق بالتوازن الإقليمي، من المتوقع أن تسعى دول الشرق الأوسط إلى إعادة هيكلة علاقاتها مع طهران على أسس تتناسب مع الواقع الجديد. قد ترى بعض الدول في الاتفاق فرصة لتوسيع التعاون الاقتصادي وتخفيف حدة التوترات الأمنية، بينما قد ترى دول أخرى في أي زيادة محتملة في النفوذ الإيراني فرصةً لتعزيز هذا التعاون.

نتيجةً لتحسن الوضع الاقتصادي والسياسي لإيران، لن ينهي الاتفاق التنافس الإقليمي، ولكنه قد يغير ديناميكيته من مواجهة مباشرة إلى تنافس سياسي واقتصادي.

في أكثر الأوضاع اضطراباً، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، يُمكن للاتفاق أن يُسهم في تهيئة مناخ أكثر ملاءمة للتسوية السياسية.

ومن الصعب حل هذه الأزمات دون حد أدنى من التفاهم بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة المعنية. إذا توفرت الإرادة السياسية، فمن المرجح أن نحرز تقدماً تدريجياً على طريق الحل، مع العلم أن الأزمات لا يُتوقع أن تختفي سريعاً نظراً لتعقيداتها الداخلية العميقة.

تعيد دول الخليج من خلال التوجه نحو شراكات استراتيجية أوسع مع قوى آسيوية كالصين وروسيا، النظر في أنظمتها الأمنية دون الاعتماد كلياً على الدعم الأمريكية، ويتزايد الاهتمام بتطوير الصناعات العسكرية المحلية وإيجاد طرق اقتصادية بديلة برية وبحرية للحفاظ على موارد الطاقة.

بالطبع، ستفقد دول الخليج ذلك التأثير على الاقتصاد الإقليمي بسبب انهيار البنية التحتية، الأمر الذي يتطلب وقتاً وميزانية ضخمة، لذا فإن المملكة العربية السعودية هي الوحيدة القادرة على لعب دور مهم بعد عودة الاستقرار.

لكن ينبغي على الحكومات العربية في الخليج السعي لإيجاد حلفاء جدد، وقد تجلى ذلك بوضوح في إحياء السعودية لتحالفها السياسي والعسكري مع باكستان، التي أرسلت قوات وأسلحة إلى رياض عقب الهجمات الثانية التي شنتها إيران على الأراضي السعودية.

ومن الأدلة الأخرى على هذا التوجه انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك. يشير هذا إلى أن الإمارات العربية المتحدة ربما قررت اتباع مسار جديد، تنأى فيه بنفسها عن حلفائها الإقليميين والأمريكيين، لإثبات أنها لا تحتاج إلى قوى خارجية لحمايتها، وهو أمر مستحيل حاليًا، بعد أن شهدت بعض المدن والمناطق الإماراتية هجمات إيرانية عنيفة مقارنة بدول خليجية أخرى، ومن المرجح أن توقع دول الخليج توقيع اتفاقيات طويلة الأمد مع إيران بشأن أي تحركات مستقبلية.

حيث أثبت أن هذه الدول لا تستطيع الدفاع عن أراضيها دون دعم الولايات المتحدة، لذا يجب ألا تعتمد على حليف واحد في المستقبل، بدلاً من ذلك، يجب أن تتحالف مع الصين وروسيا والدول الأوروبية.

ومن المرجح أن تولي إيران اهتماماً أكبر لميليشياتها، وسيكون العراق من بين الدول التي ستفرض نفوذها على مناطقها بطريقة مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *