د/نشوى شاكر: من الصيدلة إلى التوازن النفسي…رحلة علم ورسالة إنسانية “حوار خاص لمجلة مصر”
الخميس 02-07-2026 16:54
حوار محمد أكسم
هناك أشخاص يختارون المهنة، وهناك من يختارون الرسالة فمنذ سنواتها الأولى في دراسة الصيدلة لم تكن تكتفي بحفظ العلوم أو ممارسة المهنة فحسب، بل كانت تبحث عن الإجابة التي لم تجدها في الكتب.
كانت تؤمن أن وراء كل ألم حكاية، وأن الإنسان ليس جسداً يعالَج بالعقاقير وحدها، بل روحاً تحتاج إلى من يفهمها قبل أي وصفة علاجية.
وربما لهذا السبب كانت رحلتها استثنائية,رحلة بدأت داخل معامل الصيدلة، ثم امتدت إلى علم النفس، والعلاج بالطاقة الحيوية، والدراسات الإنسانية، لتصنع لنفسها مدرسة خاصة تجمع بين العقل العلمي والبعد الإنساني.
يعتبرانتقالها إلى الاهتمام بالنفس والروح إيماناً بأن المعرفة الحقيقية لا تعرف الحدود، وأن الباحث الحقيقي لا يتوقف عن طرح الأسئلة حتى يجد ما يقنع عقله ويطمئن قلبه.
ما يلفت الانتباه في شخصية الدكتورة نشوى شاكر ليس فقط تنوع علومها أو كثرة مؤلفاتها، وإنما ذلك الذكاء الهادئ الذي يجعلها تنظر إلى الإنسان باعتباره عالماً متكاملاً، وتلك الثقافة الواسعة التي جمعت بين الطب وعلم النفس والفلسفة والتنمية الإنسانية، ثم صاغتها جميعاً بلغة بسيطة تصل إلى القلب قبل العقل.
نشوى شاكر لا تتحدث من موقع الواعظ أوالخبير، بل من موقع الإنسان الذي اختبر الحياة، وآمن أن الشفاء يبدأ بالفهم، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الدواء.
وفي كل محطة من مسيرتها، أثبتت أن العلم الحقيقي لا يكتمل إلا إذا صاحبه التعاطف، وأن الذكاء لا تقاس قيمته بما يحمله صاحبه من شهادات، بل بقدرته على تحويل المعرفة إلى نور يخفف آلام الآخرين، ويعيد إليهم الثقة بأنفسهم، والأمل في الحياة.
في هذا الحوار، نقترب من الدكتورة نشوى شاكر كما لم يعرفها كثيرون, الباحثة الشغوفة قبل أن تكون المعالجة، والإنسانة التي جعلت من العلم رسالة، ومن الرحمة منهجاً، ومن الأمل جسراً تعبر به مع الآخرين نحو حياة أكثر طمأنينة وسلاماً.
فى البداية نرحب بالدكتورة نشوى شاكر أهلا بكم فى موقع مجلة مصر
القارئ يتساءل: من هي د. نشوى شاكر بعيدًا عن الشهرة والأضواء؟
أنا إنسانة. عشت، مثل كثيرين، لحظات ألم وأسئلة وحيرة، وربما لهذا السبب أصبحت قريبة من آلام الناس, لا أرى نفسي خبيرة تقف فوق المنصة، بل رفيقة رحلة تساعد الآخرين على رؤية النور داخل أنفسهم.
بدأتِ حياتك المهنية كصيدلانية ناجحة، فما الذي دفعك إلى الانتقال من علاج الجسد بالأدوية إلى الاهتمام بعلاج النفس والروح؟
منذ دراستي، وأنا أرى الدواء يفيد ويضر، فما من دواء دون آثار جانبية, فكنت أتساءل في نفسي: كيف يكون الدواء بهذه الصورة ولماذا لا يوجد دواء يعالج دون ضرر ولما لم أجد إجابة عن سؤالي، قررت أن أبحث فيما يسمونه بالطب البديل,وكنت أعرف خصائص النباتات والأعشاب من دراستي بالكلية، فلم أقف عند ذلك، حتى قرأت مصادفة عما يسمى بالعلاج بالطاقة الحيوية, وكأي طبيب صيدلي وباحث، لم أقتنع في البداية، حتى قررت خوض غمار هذا العلم، فوجدت جامعات في أمريكا، وبعض التجارب السريرية التي تثبت تحسن الحالة الصحية مع الاسترخاء والتأمل والضغط على بعض النهايات العصبية بالجسم,فدرست حتى احترفت ذلك.
ولأن الأمراض المزمنة، كالضغط المرتفع ومرض السكري، هي في الأساس أمراض نفس-عضوية، ذهبت إلى دراسة علم النفس حتى أصبحت أخصائية نفسية معتمدة, ووجدت في النهاية أن العلاج الحقيقي يكون من خلال علاج الجسد والنفس والروح، وأن الدواء ضروري، وبممارسة تقنيات العلاج بالطاقة الحيوية مع علاج منشأ التوتر، نصل بالمريض إلى الشفاء، بأمر الله تعالى.
بعد سنوات من العمل مع الناس، ما أكثر ما اكتشفته عن الإنسان؟
أن جميع البشر، على اختلاف هوياتهم وثقافاتهم وجنسياتهم وأديانهم، لهم الاحتياجات النفسية نفسها, وأن أغلب الناس لا يحتاجون إلى المساعدة أو النصح، بل يحتاجون إلى من يفهمهم ويتقبلهم كما هم. وأن خلف القوة الظاهرة يوجد دائمًا طفل صغير يبحث عن الأمان والحب والتقدير، وأن الجميع يبحث عن عيش علاقات صحية يجد فيها إشباعًا كاملًا لاحتياجاته الفطرية.
تقولين إنك تساعدين الناس على “إعادة ضبط المصنع”، ماذا تقصدين بهذه العبارة؟
أقصد العودة إلى النسخة الأصلية للإنسان، وإلى الفطرة السليمة قبل البرمجة السلبية التي تؤذي النفس والجسد، وقبل أن يصدق أنه أقل مما خلقه الله ليكون.
وأعتمد، من خلال برنامجي الخاص “إعادة ضبط المصنع”، على تنظيف الجسد واستعادة صحة الخلايا والأعضاء الداخلية، وكذلك تحرير المشاعر المكتومة والتوتر النفسي، ثم التدريب على إعادة الاتصال بالروح، ليصل الشخص إلى أفضل حال على مستوى الجسد والنفس والروح، ويعيش حقيقته ويحيا حياته بأفضل صورة.
برأيك، لماذا يعاني كثير من الناس رغم توفر أسباب الراحة المادية؟
لأن الوفرة المادية لا تعوض الفراغ الداخلي, فالراحة لا تأتي من الفلوس، بل من النفوس, ومن امتلك علاقات صحية، فهو أحسن حالًا ممن ملك كل شيء، وهو وحيد أو أسير علاقات مرهقة.
ما أكثر الجروح النفسية انتشارًا في مجتمعاتنا العربية؟
جرح الرفض، وجرح عدم الاستحقاق، وجرح المقارنة، إضافة إلى التربية التي تجعل الإنسان يخجل من التعبير عن مشاعره.
كيف تؤثر المشاعر المكبوتة على صحة الإنسان؟
المشاعر المكبوتة هي السبب الرئيسي للأمراض المزمنة، أو ما يسمى بالأمراض النفس-عضوية، والتي يعتمد العلاج فيها على تخفيف الأعراض، لكننا لم نجد دواءً يشفي تمامًا من مرض الضغط المرتفع أو السكري.
كيف ترين العلاقة بين العقل والجسد والروح؟
هي علاقة تكامل. عندما يضطرب أحدها يتأثر الآخران، وعندما ينسجم الثلاثة يعيش الإنسان بأفضل حال.
كيف يمكن للإنسان أن يبدأ رحلة التصالح مع نفسه؟
عندما يتوقف عن جلد ذاته، ويعترف بألمه دون خجل، ويتعامل مع نفسه بالرحمة نفسها التي يمنحها لمن يحب.
أنتِ تمارسين العلاج بالطاقة الحيوية منذ سنوات، كيف تفسرين هذا المجال لمن يسمع عنه لأول مرة؟
أنظر إليه كأحد الأساليب التكميلية التي تهدف إلى تعزيز الاسترخاء والوعي بالجسد، وهو وسيلة تساعد الإنسان على الاستشفاء الذاتي, فالجسم يقوم بإصلاح ذاته، هكذا خلقنا الله، والدواء يساعد، أما العلاج بالطاقة الحيوية فيقوم بتسريع تلك العملية التي تتم طبيعيًا.
فمثلًا، حين يتعرض أحدهم إلى كسر في ذراعه، يقوم الطبيب بإعادة ضبط العظام، ووضع الجبيرة أو الجبس، ويصف المسكنات ومضادات الالتهاب، أما الالتئام فهو فطري وطبيعي، والعلاج بالطاقة الحيوية يعزز سرعة ذلك الالتئام الطبيعي.
أسستِ مدرسة الريكي الدوائي، كيف جاءت الفكرة؟
جاءت من رغبتي في الجمع بين الخلفية العلمية التي أحملها كصيدلانية، وبين خبرتي في الممارسات التكميلية، فجمعت بين أسس علاج الجسد، وعلاج النفس، وتحرير الاضطرابات النفسية، والعلاج بالطاقة الحيوية.
هل يبدأ الشفاء من الجسد أم من العقل أم من الروح؟
أظن أن العقل هو البداية؛ لأن ذبذبات الأفكار والمعتقدات التي يتبناها الشخص تؤثر بشكل مباشر في صحة الجسد ووظائفه الحيوية، وهي كذلك المعيق للاتصال الروحي.
في كتاب “شفرة الأنوثة”، ما الرسالة الأساسية؟
استعادة الاتصال بالفطرة، ومعرفة جوانب القوة الحقيقية للأنثى التي تؤهلها للوصول إلى كل أهدافها دون صراع مع الرجل أو مطالبة بالمساواة وبحقوق واهية. فالأنثى لا تساوي الذكر، ولا هي أفضل منه ولا أقل، بل هي كيان مختلف تمامًا، وقوة ناعمة داعمة، تستطيع أي أنثى أن تعيش من خلالها إذا استعادت اتصالها بجسدها، وحررت عقلها من الصراعات والأفكار الواهية.
ويتحدث الكتاب كذلك عن الجمال بطرق طبية ونفسية، وتمارين ذهنية مسجلة على أسطوانة خاصة بالكتاب، تحتوي برنامجًا متكاملًا لاستعادة الهوية الأنثوية، وتعزيز الثقة بالذات، ومعرفة جوانب قوة كل أنثى ورسالتها في الحياة.
وفي كتاب “الجنسانية بمفهوم آخر”؟
أردت أن تعود السعادة إلى البيوت، فتحدثت عن أسس اختيار شريك الحياة، ومفهوم الحب الحقيقي، ووضعت اختبارًا نفسيًا لتقييم العلاقة القائمة. ثم تحدثت عن التوافق، وأنه يجب أن يكون على مستوى النفس والروح، وكذلك الجسد، وعن أسس بناء علاقة زوجية مستقرة، ثم تطرقت إلى المشكلات المحتملة بين الأزواج وكيفية التغلب عليها، وكذلك كيفية استعادة رونق العلاقة على مستوى الجسد وطريقة التعامل، من خلال تقنيات عملية طبية ونفسية.

كيف ترين تأثير العلاقات غير الصحية؟
تدمر الإنسان وتسلبه السعادة، بل قد تسرق احترامه لنفسه، وتدمر ثقته بذاته، وتؤثر في صحته النفسية والجسدية.
ما أكثر شكوى تسمعينها من النساء؟ ومن الرجال؟
النساء يشتكين غالبًا من عدم التقدير والإرهاق العاطفي، ويبحثن عن الأمان والاحتواء, أما الرجال فيشتكون من الشعور بأنهم مطالبون دائمًا بالقوة، دون مساحة آمنة للتعبير عن ضعفهم.
هل أصبح الإنسان المعاصر أكثر وحدة؟
للأسف، نعم. كثرت وسائل التواصل، لكن قل التواصل الحقيقي.
حدثينا عن كتاب “اطمئن… لست وحدك”.
هو رسالة لكل من ظن أن ألمه لا يفهمه أحد، وأن ما يشعر به نهاية الطريق. أردت أن أقول له: هناك دائمًا أمل، وهناك دائمًا بداية جديدة، من خلال سرد قصص حقيقية عن المعاناة والمشكلات، وطرق الخلاص، مع شرح مفصل لتقنيات العلاج النفسي وبعض تمارين الاسترخاء، ليستطيع القارئ تطبيقها بسهولة.

ما أكثر قصة إنسانية أثرت فيك؟
كل مرة أرى شخصًا يستعيد رغبته في الحياة بعد أن فقدها، أشعر أن رسالتي تستحق كل هذا التعب.
هل لديك طقوس تمنحك السلام؟
أحب التأمل، والدعاء، والقراءة، والجلوس مع نفسي في مكان مفتوح وسط الطبيعة، كالحدائق، لأستعيد ذاتي وهدوئي بعيدًا عن ضجيج العالم.
كيف ترين دور التأمل؟
أراه ضرورة لكل إنسان. فما التأمل سوى لحظات هدوء وصمت واسترخاء، يستطيع بها الشخص تفريغ التوتر المخزون داخله، ليستطيع مواجهة الحياة وما تحمله من ضغوط نفسية وأعباء، ولكي لا يكون عرضة لتراكم التوتر الذي يضعف صحته النفسية والجسدية بمرور الوقت.

هل تؤمنين أن الإنسان قادر على تغيير حياته مهما كان حجم الألم؟
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. فتغيير الأفكار والمعتقدات، ورؤية الشخص لذاته وللحياة، وكذلك تفريغ مشاعر الألم والحزن والضيق مما نمر به، يغير حياة الإنسان ويجعله يعيش حياة أفضل.
هل تؤمنين أن بعض الأوجاع تأتي لتوقظ الإنسان لا لتعذبه؟
أؤمن أن الألم قد يكون نقطة تحول، وتغيير مسار يوجهنا إلى ما هو مناسب لنا ولدورنا في الحياة. فكثير من الناس يكتشفون أنفسهم بعد التجارب الصعبة، ويخرجون منها أكثر نضجًا ورحمة.
ما أكثر شيء تتمنين أن يعرفه الناس عن أنفسهم قبل فوات الأوان؟
أن قيمتهم لا يحددها رأي أحد، وأنهم يستحقون الحب والاحترام لأنهم بشر، لا لأنهم كاملون.
وأخيرًا… كلمة لكل إنسان يشعر اليوم بالوحدة أو الانكسار.
أقول له: إن أجمل الأيام لم تأتِ بعد, وإذا كنت تظن أن الحياة انتهت، فاطمئن… ربما تكون هذه بداية فصل جديد لم تره بعد, لا تجعل لحظة ألم تقنعك أنك خلقت لتتألم، بل هي مرحلة مؤقتة، حتمًا ستنتهي، فكل ليل آخره نهار.
وأقول للجميع: إنهم يستحقون الحب والعيش بسلام, عليهم فقط أن يحبوا أنفسهم، وأن يحيوا بيقين لا يقبل الشك أن الله قادر على أن يرزقهم ما يشاؤون وما يتمنون، بعيدًا عن المنطق ورؤيتهم المحدودة، فخزائن الله واسعة، ينهل منها من فهم أن السعي له شقان: شق نفسي، من خلال الطمأنينة واستشعار معية الله سبحانه في كل المواقف، وتفويض الأمر إليه تمامًا مع اليقين بقدرته وقوته، وشق عملي، بالحركة والعمل من خلال ما أتيح لنا من فرص للخلاص.

وفى النهاية نشكر الدكتورة نشوى شاكر على هذا الحوار الرائع متمنيين لها مزيداً من النجاح والتميز.
تبقى الدكتورة نشوى شاكر نموذجًا للباحثة التي لم تكتفِ بما تعلمته، بل جعلت من العلم رحلة لا تنتهي، ومن المعرفة رسالة تهدف إلى التخفيف من آلام الإنسان واستعادة اتزانه الداخلي.
فقد آمنت أن الشفاء ليس مجرد اختفاء للأعراض، بل رحلة تبدأ من العقل، وتعبر بالقلب، وتصل إلى الروح، ليعود الإنسان أكثر تصالحًا مع نفسه وأكثر قدرة على مواجهة الحياة.
ورغم ما حققته من نجاحات علمية ومهنية، ما زالت تتحدث بلغة الإنسان الذي يعرف أن خلف كل ابتسامة قصة، وخلف كل صمت وجعًا، وخلف كل قلب منهك أملاً ينتظر من يوقظه..
لقد استطاعت أن تجمع بين دقة الباحث، وحكمة المعالج، ورحابة الإنسان، فكانت مثالًا للعقل الذي لا يتوقف عن التعلم، والقلب الذي لا يتوقف عن العطاء, ومن خلال كتبها، وبرامجها، وتجاربها الطويلة، أكدت أن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس على الآخرين، بل على مخاوفه وآلامه وجراحه الداخلية.


اترك تعليقاً