سهيلة الرملي لمجلة مصر: أؤمن أن حماية الحضارة تبدأ من وعي الطفل
الخميس 09-07-2026 17:10
حوار محمد أكسم
منذ طفولتها، كانت علاقتها بالحضارة المصرية القديمة أشبه بحكاية عشق لا تعرف بدايتها, لم تنظر إلى الملوك والملكات باعتبارهم أسماءاً محفوظة في كتب التاريخ، بل رأت فيهم بشراً عاشوا، وحلموا، وخافوا، وأحبوا، وصنعوا حضارة ما زالت تبهر العالم حتى اليوم.
ومن هنا جاءت فرادة مشروعها الثقافي، الذي يقوم على إعادة اكتشاف الإنسان المصري القديم، وإخراجه من صفحات التاريخ الجامدة إلى فضاء الأدب والسرد والدراما والمعرفة المبسطة.
هناك أشخاص يدرسون التاريخ، وهناك من يهبونه حياة جديدة, وسهيلة عمر الرملي تنتمي إلى الفئة الثانية, فهي لم تكتفى بأن تكون باحثة أثرية تحمل شهادات أكاديمية، بل اختارت أن تكون صوتاً معاصراً للحضارة المصرية، وأن تعيد تقديمها للأجيال بلغة تجمع بين دقة العلم وسحر الحكاية.
تجمع سهيلة بين عقل الباحثة المدققة، وخيال الكاتبة المبدعة، وشغف الحكاءة التي تعرف كيف تحول النقوش الصامتة إلى أصوات تنبض بالحياة.
سهيلة تمتلك ذكاءاً بحثياً فريداً، وقدرة استثنائية على الربط بين المعلومة العلمية والسرد الأدبي، فتقدم التاريخ بلغة تصل إلى العقل والقلب معًا، دون أن تفقد دقتها الأكاديمية أو رسالتها الثقافية.
ورغم ما حققته من نجاحات في البحث الأثري والكتابة، وما قدمته من كتب وروايات وموسوعات وبرامج وإذاعات ومحاضرات، فإن أكثر ما يميزها هو إيمانها العميق بأن حماية الحضارة لا تبدأ داخل المتاحف، بل داخل وعي الإنسان، وأن الطفل الذي يعرف تاريخ أجداده اليوم، هو المواطن الذي سيدافع عن هويته غداً.
لذلك كرست جزءاً كبيراً من جهدها لنشر الثقافة الأثرية بأساليب مبتكرة، مؤمنة بأن المعرفة الحقيقية يجب أن تصل إلى الجميع، لا أن تبقى حبيسة القاعات الأكاديمية.
كما تلفت سهيلة الانتباه بحضورها الراقي وشخصيتها الأنيقة التي تعكس احترامها لتاريخها وهويتها، فتجمع بين شياكة المظهر ورقي الفكر، وبين الطموح الذي لا يعرف التوقف والتواضع الذي يزيدها قرباً من قلوب الناس, إنها واحدة من الوجوه الثقافية الشابة التي تحمل مشروعاً واضحاً، وتسير بخطوات واثقة نحو تقديم الحضارة المصرية للعالم بعيون مصرية، وبخطاب علمي حديث، بعيداً عن التكرار والتلقين.
في هذا الحوار، نقترب من سهيلة عمر الرملي كما لم يعرفها كثيرون, الباحثة التي تعشق الاكتشاف، والكاتبة التي تمنح التاريخ روحًا جديدة، والإنسانة التي تؤمن بأن الحضارات العظيمة لا تعيش بالحجارة وحدها، بل بمن يحسن رواية حكاياتها للأجيال القادمة.
فى البداية نرحب بالكاتبة والباحثة سهيلة الرملي آهلا بكم فى مجلة مصر.
من هي سهيلة عمر الرملي بعيدًا عن الألقاب الأكاديمية والجوائز؟
هي بنت بتحب الحكايات بتعيش في الخيال اكتر من الواقع بتحب تستكشف بهدوء تام مش بتسأل كتير لكن بتحب تستنتج وقعت في غرام الحضارة المصرية من الطفولة بشكل غريب و لحد دلوقتي متعرفش لية اه الحضارة المصرية مبهرة جدا لكن في حالتي مكنش انبهار كان تناغم معرفش سرة لكن كنت بحس اني اعرف عنهم الكتير من قبل ما ادرس أصلا.
لماذا اخترتِ الآثار المصرية تحديدًا، وما أول لحظة شعرتِ فيها أن التاريخ سيكون مشروع حياتك؟
الآثار المصرية لم تكن اختياراً، بل كانت نداءً أنا كنت طالبه غير متفوقة بالمعني التقليدى في المدارس و لم يكن يهمني أن أكون متفوقة من الأساس كان كل همي أن أنجز السنين الدراسية دون مشاكل لا متعة لا حب لا غضب لكن ما كان يحركني هي مادة التاريخ و بالأخص إذا كان عن القدماء المصريين و في الثانوية العامة و لسخرية القدر دخلت علمي علوم لحبى الشديد لمادة الأحياء أيضا و فكرة البحث العلمي لكني كما ذكرت لست من محبين المذاكرة كما أنها كانت سنة الورق الملون 2014 مجبش مجموع كبير فكان تفكيرى اني ادخل معهد التمثيل لحبي للفن أيضا و لكن في مجتمعي كان طرح الفكرة نفسها مخاطرة فكنت صامتة و لكني لست نادمة علي المجموع أو اي شيء فأنا لم أحب الدراسة و يشاء السميع العليم أن اقبل في كلية الآثار جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا و هنا لبيت النداء.
اخترتِ أن تحولي النقوش والمومياوات إلى قصص إنسانية.. من أين جاءت فكرة “أنسنة التاريخ”؟
جاءت من رغبتي في كسر النمط الأكاديمي الجاف الذي حصر أجدادنا في خانة “التاريخ الميت” الأنسنة تعني أن ننظر إلى “خوفو” ليس كصاحب الهرم الأكبر فحسب، بل كملك واجه أزمات سياسية وإنسانية,الأثر وثيقة إنسانية تحمل ذاكرة شعب، وليس مجرد حجر.
عندما تقفين أمام تمثال أو مومياء، هل تنظرين إليها كباحثة أم ككاتبة تبحث عن بطل لرواية جديدة؟
انظر إلية كإنسان لم يكمل حديثة بعد و أحاول أتخيل تعبيرات وجهة صوته مشيته قراراته مخاوفه و كنت أسجل هذا من أيام الجامعة و لم اعلم أني سوف استخدمها ذات يوم فلم أكن اعرف إنني سوف اكتب لاحقا.
تعرضت لظلم كبير في كتب التاريخ؟
نعم، وبشدة ملوك كثيرة تم اختزالهم في معركة أو لوحة، بينما إنجازاتهم الفكرية والاجتماعية طُمست,التاريخ يكتبه المنتصر أحياناً، وأحياناً يكتبه من لا يفهم الروح المصرية ومهمتنا هي إعادة الإنصاف لملوكنا وملكاتنا بأصوات علمية مصرية لان للأسف اغلب اللي كتب أجانب و المصريين يستند علي كلام الأجنبي و ده عار.
إذا أُتيح لكِ أن تتحاوري مع أحد ملوك أو ملكات مصر القديمة، فمن ستختارين؟ وما أول سؤال ستوجهينه إليه؟
دة سؤال محير لكن ممكن نقول الملك حور محب و هو احد ملوك عصر الدولة الحديثة كنت هسألة بعد وفاه الملك توت عنخ أمون صغيرا و وجود اضطرابات و خلو العرش و اتخذت زوجة توت عنخ أمون قرار متهور و هو أنها أرسلت لملك مملكة ميتاني (شمال الهلال الخصيب) انها تتزوج ابنة و تجعلة حاكم مصر و حور محب كان قائد الجيش فا استنكر الفعل و قتل الأمير المرسل الي مصر و هو في الطريق و حكم هو مصر فيكون سؤالي من أين نبعت تلك الجرأة الكبيرة لم تخف من العواقب أو أن دولة ميتاني تحارب مصر أو يقوموا بقتلك فورا بالنسبالي ده كان وضع مثير للجدل.
حدثينا عن كتاب “را أن كمت” أثار اهتمامًا واسعًا داخل مصر وخارجها.. ما سر هذا النجاح في رأيك؟
بعد كرم المولى عز وجل كان بسبب أن الكتاب مكثف و صغير نسبيا و يطرح خلاصه المعلومات بدون حشو في هيئة مقالات فشعر القارئ انه علم الكثير مثل الأزياء و الزواج و صناعة الألوان و التحنيط و الأدب لمحات من كل هذا و أكثر بدون مجهود كبير أو صعوبة في الفهم.
لماذا اتجهتِ إلى الرواية بعد الكتب البحثية؟
في حقيقة الأمر بدأت في الرواية و أنا في حالة نفسية ليست جيدة لأن أفكاري تلقي تحديات مع بعض الجهات التي تعشق البيروقراطية فمازالنا لم نفهم ما يعني باحث اثري حر له طرح و جهة نظر بينما في الخارج ده وضع طبيعي لأن المنطق إني أحاسب الشخص علي ما يطرحه من علم لكن مش السؤال الغريب أنت تبع انهي جامعة و انهي دكتور مع كامل الاحترام للوسط الأكاديمي و لكن العصر أتغير, فوجد أن الرواية تمنحني حرية الطيران التي تقيدني بها الأبحاث الأكاديمية الصارمة في الرواية مثل “ورثة تحوت”، أستطيع أن أدمج السحر، والحكمة، والدراما، لأصل إلى قلب القارئ وعقله الباطن بطريقة لا تفعلها المراجع الجافة موسوعة “أتكلمي”
الموسوعة المكونة من 20 كتيباً تبدو مشروعًا مختلفًا تمامًا.. كيف ولدت الفكرة؟
بعد ما خلصت الرواية تم قبولها من دار نشر و العمل عليها فقد اقترح فريق دار النشر التعاون معي في مشروع ثقافي أثري مختلف بدأت الأفكار تتوالى حتى ظهرت فكرة “اتكلمي” في البداية شعرت بالخوف من حجم المشروع وكدت أتراجع لكنني تذكرت سنوات طويلة من جمع المعلومات عن الملوك والملكات وأدركت أن الوقت قد حان للاستفادة منها كما أني مؤمنة بأن حماية الحضارة تبدأ من استرداد الوعي. أردت تفكيك التاريخ إلى شخصيات حية من نعرمر، زوسر، حتشبسوت، توت عنخ آمون.. إلخ ليتحدث كل ملك وملكة عن نفسه بلسان إنساني، فتصبح الموسوعة بمثابة حوار ممتد بين الأجيال.
ما أصعب شخصية كتبتِ عنها حتى الآن؟ ولماذا؟
الحقيقة كل شخصية كان في صعوبتها لكن ممكن الملك إخناتون لأنه شخصية مركبة جداً، تتداخل فيها الروحانية بالسياسة والغموض بالثورة الفكرية,الكتابة عنه تتطلب حذراً شديداً لعدم الانحياز والوصول إلى الحقيقة الإنسانية وراء قناعه التاريخي رمسيس الثاني الصعوبة في هو إظهار مخاوفه و الأسباب النفسية وراء زيجاته الكثيرة و عدد أبنائه و تفكيك أسلوب حكمة و حبة لنفرتارى.

إلى أي مدى اعتمدتِ على كتابات سليم حسن وعبد الحليم نور الدين وغيرها من المراجع العلمية؟
هي الأساس الفولاذي الذي لا غنى عنه, كتابات العمالقة مثل سليم حسن ونور الدين هي المرجعية الصلبة التي تمنح كتاباتي شرعيتها العلمية وتجعلني أتحرك في عالم الرواية والبودكاست وأنا أستند إلى أرض أكاديمية صادقة و ما يربطنى بهم نفسيا الدكتور سليم حسن رحمه الله كان أول الأسباب لحبي للآثار لوجود موسوعته الشهيرة بمكتبة جدى رحمة الله الذى كان يقرأ لي منها في الطفولة و دكتور عبد الحليم نور الدين رحمة الله تشرفت أنه درس لي في أول سنة في كلية الآثار فكان عميد الكلية و كنت أخر دفعة درسها و كنت أحبه كثيرا فكان عالم و حكاء جميل.
بحثكِ عن الاستمرارية الجينية للمصريين أثار اهتمامًا كبيرًا.. ما أهم النتائج التي توصلتِ إليها؟
النتائج طبعا تخص الأطباء لكن اللي عملته هو طرح بمعني أن يقال إن لما شخص بيعمل تحاليل بيتطلع ٨٠٪ أو ٩٠٪ مصرى و طبعا ده كلام غير علمي و هي تحاليل تجارية ليس إلا علي النحو الأخر المركز القومي للبحوث اثبت حتي ألان أن الجينات المتوارثة من المصرى القديم الينا حوالي ١٨.٥٪ و دية تعتبر نسبة مهمة و قوية السنين و الهجرات و الاحتلال و الزيجات و غيرهم من متغيرات حدثت للشعب المصري و تعتبر مثيرة جدا للاهتمام وسط شعوب العالم اللي جيناتها اتغيرت تماماً فا كان واجب أن أطرح النتيجة و أناقشها لأني وجد عدد من الاكاديمين يظهرون في الإعلام و بيتكلمون عن نسب غير منطقية فأنا طرحت بناء عن نتائج الأطباء.
قدمتِ برامج إذاعية وبودكاست ومحاضرات للأطفال.. لماذا تعتبرين الطفل نقطة البداية في بناء الوعي الأثري؟
لأن الطفل هو الذي سيحمي هذه الآثار غداً إذا نشأ الطفل وهو يرى في الملك المصرى “جدّاً له” وليس مجرد تمثال في كتاب المدرسة فسينمو ولديه حصانة ضد أي محاولة لتزييف هويته أو سرقة تاريخه الوعي يبدأ من الطفولة لتستمر الهوية و لهذا لأني لاقيت صعوبات من قبل بعض الجهات أقوم بأغلب الأنشطة بإنتاجي الخاص لأني مؤمنة تلك الرسالة.
برأيكِ.. لماذا ما زالت الحضارة المصرية القديمة قادرة على إلهام العالم حتى اليوم؟
اكيد لأنها حضارة بنيت على “الماعت” (العدل والتوازن الكوني) ولأنها خاطبت الروح الإنسانية والخلود العالم يبهر بالغموض والمصري القديم كان محترفاً في صياغة الغموض المقدس الذي لا ينتهي مفعوله بمرور الزمن.

كيف تبدو يوميات سهيلة عمر الرملي بين البحث والكتابة والمحاضرات؟
هي يوميات تشبه التخطيط الإستراتيجي تجمع بين عزلة الكاتب الباحث وراء الكتب والمراجع وبين المعايشة مع الأفراد المختلفين والأطفال لكن اسمعهم و أتفهم وجهات نظرهم فأكون وسطهم متلقي فقط مع صنع المحتوى الذي يجب أن يخرج للناس ليوصل الرسالة بمعني أدق توازن دائم بين الصمت والكلام.
هل تشعرين أن الجوائز والتكريمات مسؤولية أكبر من كونها احتفاءً بالنجاح؟
أكيد التقدير و الاحتفاء شعور جميل لكن بالنسبالي التكريم الاكبر خفي التأثير في الوعي الجمعي و ان شاء الله اقدر أوصله.
هل تفكرين في تحويل أعمالك إلى أفلام أو مسلسلات أو أعمال مسرحية؟
نعم، وهذا هو مشروعي القادم والخطوة الحالية رواية مثل “ورثة تحوت” وموسوعات الملوك تحمل في طياتها كادرات سينمائية بصرية جاهزة، والدراما والسينما هما السلاح الأقوى في عصرنا الحالي لإيصال صوت حضارتنا للعالم كله وراء الكاميرا ما المشروع الذي تحلمين بإنجازه ولم يبدأ بعد؟ الإجابة: تحويل الموسوعة التاريخية الـ 20 إلى سلسلة درامية أو أنيميشن عالمي يُعرض على المنصات الدولية بأصوات وإنتاج مصري خالص ليراها العالم كله بعيوننا نحن.
شخصية مصرية قديمة تشبهك؟
الأصدقاء و أبي علي وجهه التحديد يدعوني حتشبسوت و آنا اعشقها و أول ملك مصرى اراى وجهة كانت الملكة حتشبسوت و لدينا بعض القواسم الشكلية و الطباع منها الإيمان بالموقف و الطموح و التخطيط و صعوبة التعامل مع المشاعر.
ما الرسالة التي تتمنين أن يتذكرها كل مصري عن حضارته بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة من أحد كتب سهيلة عمر الرملي؟
أتمني أن يقول وجدت شيء من نفسي فيما قرأتم أكتب
فى النهاية نشكر الكاتبة والباحثة سهيلة عمر الرملى على هذا الحوار الرائع متمنيين لها مزيداً من النجاح والتألق.
وتبقى سهيلة عمر الرملي واحدة من الأصوات الثقافية المصرية الشابة التي اختارت أن تحمل الحضارة المصرية على عاتقها، لا باعتبارها ماضياً نفتخر به فحسب، بل مشروعاً للمستقبل ورسالةً يجب أن تصل إلى العالم كله بعيون مصرية وعقول مصرية
ومن خلال كتبها ورواياتها وموسوعاتها ومحاضراتها ومحتواها الثقافي، تسعى إلى إعادة بناء الجسر بين المصري المعاصر وجذوره الممتدة آلاف السنين، لتصبح الحضارة جزءاً من الوعي اليومي، لا مجرد مادة تُدرَّس في المدارس.
وبين شغف الباحثة، وخيال الروائية، ورسالة المثقفة، تمضي سهيلة بخطوات واثقة نحو مشروع ثقافي طموح، يحمل حلمها بأن يرى العالم الحضارة المصرية كما يراها أبناؤها، لا كما يرويها الآخرون.
ولهذا تبقى نموذجاً مشرفاً لجيل جديد من الباحثين المصريين الذين جمعوا بين العلم والإبداع، وبين الأصالة والتجديد، وأثبتوا أن الدفاع عن التاريخ لا يكون بالشعارات، بل بالبحث الرصين، والفكر المستنير، والإيمان بأن كل حجر في أرض مصر يحمل حكاية تستحق أن تروى، وكل مصري يحمل في داخله جزءاً من حضارة لا تزال تلهم الإنسانية حتى اليوم.


اترك تعليقاً