رئيس التحرير

عبدالمجيد محمد الشوربجي يكتب :حقيبة الوزير.. أم خطة الدولة؟ من يرسم مستقبل أبنائنا الطلاب؟

الأحد 19-07-2026 14:14

بقلم : عبدالمجيد محمد الشوربجي

لا شك أن جميع تجارب ونماذج التنمية الناجحة حول العالم تنطلق من حقيقة راسخة، وهي أن الاستثمار الأهم والأبقى هو الاستثمار في البشر، وأن التعليم قبل الجامعي هو حجر الأساس والزاوية في بناء الإنسان. فالإنفاق على التعليم ليس ترفًا، بل هو الاستثمار الأعلى عائدًا؛ لأن طفل اليوم الذي يُعد إعدادًا صحيحًا في مدرسته، هو قائد وعالِم ومهندس وطبيب ومعلم الغد الذي سيقود عجلة الاقتصاد والتنمية.

أولًا: معضلة التمويل.. مليارات الجنيهات وإنتاجية غائبة

تخصص الدولة المصرية سنويًا مليارات الجنيهات من ميزانيتها لقطاع التعليم قبل الجامعي، وهو رقم ضخم يعكس رغبة حقيقية وإرادة سياسية واضحة للتطوير. ومع ذلك، يثور تساؤل مرير في الشارع المصري، وفي الأوساط النخبوية والشعبية على حد سواء: لماذا نشعر أن هذه الأموال لا تؤتي ثمارها المرجوة؟ ولماذا ما زال المواطن يواجه تكاليف باهظة تُنهك ميزانيته في منظومة التعليم الموازي والدروس الخصوصية؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تضعنا أمام الحقيقة، وتدفعنا إلى طرح السؤال الجوهري: هل نمتلك رؤية وطنية طويلة المدى للتعليم، أم نسير وفقًا لرؤية وهوى الوزير؟ وهل يسير ملف التعليم وفقًا لإستراتيجية دولة أم وفقًا لإستراتيجية مسؤول؟

ثانيًا: غياب التراكمية وسياسة “الهدم والبناء من الصفر”

تاريخيًا، ومع كل تغيير وزاري في مصر، نجد أنفسنا أمام فلسفة جديدة كليًا؛ يأتي وزير بفلسفة «التابلت والتعليم الرقمي»، ثم يغادر ليأتي خلفه ويهدم ما بناه سلفه، ويعود إلى الورق والامتحانات التقليدية، ثم يأتي وزير آخر ليغير نظام التقييم بالكامل.

لقد عانى ملف التعليم لسنوات من غياب ثقافة التراكمية والبناء على ما سبق، واستُبدلت هذه الثقافة بنهج الهدم والبناء من الصفر، لتظل المنظومة تدور في حلقة مفرغة من التغيير المستمر.

الطالب.. حقل تجارب

يرحل وزير، ويأتي غيره، وبين عشية وضحاها يجد ملايين الطلاب والمنظومة التعليمية بأكملها أنفسهم حقول تجارب لسياسات تولد وتموت برحيل صاحبها من الوزارة، دون أن تُمنح الفرصة الكافية للتقييم أو التطوير أو البناء عليها.

الفجوة مع سوق العمل

كانت النتيجة الطبيعية لهذا الاضطراب غياب الاستقرار الإستراتيجي، وظهور مخرجات تعليمية لا تلبي احتياجات سوق العمل، مع اتساع الفجوة بين ما يتعلمه الطالب داخل المدرسة، وبين المهارات والمعارف التي يتطلبها سوق العمل المحلي والإقليمي والدولي.

التعليم أمن قومي.. نحو خطوط حمراء لا تقبل العبث

أمام هذه التحديات الجسيمة، بات من الضروري والملح أن نلتف حول دعوة القيادة السياسية إلى صياغة رؤية وطنية راسخة ومستدامة للتعليم قبل الجامعي، تنبثق من إستراتيجية بناء الإنسان المصري، بدلًا من ترك هذا الملف المصيري للاجتهادات الفردية لوزير تلو الآخر.

لقد حان الوقت لوقف نزيف الموارد والجهود، وأن نبدأ عهدًا جديدًا يُعامل فيه التعليم باعتباره ملفًا من ملفات الأمن القومي. إن خطط الدولة ورؤيتها الإستراتيجية يجب أن تتحول إلى خطوط حمراء ملزمة، تتمتع بالاستمرارية والمؤسسية، ولا تملك أي حقيبة وزارية رفاهية العبث بها أو تغيير مسارها وفقًا لاجتهادات أو رؤى شخصية.

فالتعليم ليس مجرد وزارة تُدار، بل هو مستقبل وطن، ولن نصل إلى الريادة التي تليق بمصر إلا إذا أصبحت خطة الدولة هي القائد، وكان الوزير هو المنفذ الأكفأ لها.

تحيا مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *