حين يغدو الطب رسالة للإنسانية
الإثنين 03-08-2026 12:48
ليس القلب مجرد محرك ينبض في أجسادنا ليدفع الدم في الشرايين، بل هو المستودع الذي تعزف على أوتاره الحياة نغماتها. وحين يتعثر هذا المحرك أو يوشك على التوقف، يصبح الفارق بين الأمل والعدم مكمناً في يدٍ ماهرة وقلبٍ مفعم بالإنسانية قبل العلم.
عن تجربة شخصية حبستُ فيها الأنفاس إثر أزمة قلبية مفاجئة، كان الدكتور أحمد أبو ريا -بفضل الله- سبباً رئيساً في نجاتي وعودتي إلى الحياة. رجل يمنح كل ما لديه بلا حدود، ويواصل الليل بالنهار ليرد للمرضى الأمل من جديد، مؤمناً بأن كل نبضة يستعيدها المريض هي انتصار حقيقي للإنسانية.
في هذا التقرير ، أفتح أوراق رحلة هذا الاستشاري الخبير في عالم طب القلب والقسطرة العلاجية،لنستكشف واقع هذا التخصص الحرج، وأبرز التحديات التي تواجهه، والوصايا الذهبية لحماية هذا العضو النفيس.
مسيرة زاخرة بالعطاء في محراب الطب
تتعدد الميادين الطبية التي وضع فيها د. أحمد أبو رية بصماته، حيث جمعت مسيرته بين الخدمة الطبية في كبرى المؤسسات التعليمية الحكومية والمستشفيات الخاصة المرموقة. وصقل خبراته عبر سنوات من العمل في صروح الطليعة الطبية بمصر، وفي مقدمتها الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، لاسيما معهد القلب القومي ومعهد السكر.
ولم تتوقف خدماته عند القطاع الحكومي والتعليمي، بل امتدت للتواجد في القطاع الخاص ليكون قريباً من مختلف الفئات، وذلك من خلال عمله في مستشفى الشفاء بالتجمع الخامس، ومستشفى ابن سينا التخصصي بالدقي، إضافة إلى مستشفيي علاء عزت والريان بمنطقة المعادي.
وحول كثافة العمل الميداني، يوضح د. أحمد أن معدل إجراء عمليات القسطرة وتركيب الدعامات لديه يصل إلى 50 إلى 60 حالة شهرياً، وهو معدل يعكس تراكم الخبرات السريعة والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الحاشدة بالخطر.
من ذاكرة الطوارئ:
معركة حبس الأنفاس في أروقة العناية المركزة وغرف القسطرة، تتجلى المواقف التي تظل محفورة في الذاكرة. يستحضر الدكتور أحمد أبو رية إحدى أصعب الحالات التي مرت عليه: فتاة في مقتبل العمر (18 عاماً)، كانت تعاني من داء السكري من النوع الأول بغير انتظام، ووصلت إلى المستشفى في حالة طوارئ حرجة تعاني من اضطراب شديد في الوعي إثر الارتفاع الحاد في السكر، بالتوازي مع إصابتها بجلطة حادة في القلب.
وعن خطة التعامل، يذكر الطبيب أنه بدأ فوراً بضبط مستويات السكر بالتزامن مع نقلها لغرفة القسطرة. وفي أثناء إجراء القسطرة، حدث التطور الأشد خطورة بتوقف قلب المريضة نتيجة اضطراب في الضفيرة الكهربائية.
لم يفقد الفريق الطبي السيطرة، إذ سارع د. أحمد لتركيب جهاز مؤقت لمنظم نبضات القلب، وأعاد فتح الشريان المغلق بالقسطرة بنجاح، ثم وضعت الفتاة على جهاز التنفس الصناعي حتى استقرت حالتها. وبإعادة القسطرة للاطمئنان تبين سلامة الشرايين، لتعود الفتاة إلى بيتها سالمة بفضل الله، بعد ساعات عصيبة اختبرت الحد الفاصل بين الحياة والموت.
ناقوس خطر في عصر الرفاهية.
في ظل التزايد الملاحظ في معدلات إصابة الشباب بأزمات القلب، يحلل د. أحمد أبو رية هذه الظاهرة مؤكداً أن العصر الحالي شهد تحولاً نمطياً ندرت فيه الحركة وزادت الضغوط. ويرى أن التدخين بأشكاله كافة يظل المتهم الأول والرئيسي في هذه الجلطات المبكرة، يليه انتشار تناول المواد المخدرة والمشروبات الكحولية بين بعض الفئات الشابة، إلى جانب الضغط العصبي والنفسي والسهر المتواصل.
ويضيف الاستشاري عاملاً جوهرياً آخر، وهو ظهور الأمراض المزمنة في سن مبكرة، وعلى رأسها متلازمة الأيض المنتشرة بكثرة، وتتضمن: السمنة وزيادة الوزن. ارتفاع ضغط الدم. ارتفاع مستويات السكر الكامن بالدم. ارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول. وتتضافر هذه العوامل مجتمعة لتجعل شرايين الشباب أكثر عرضة للإصابة المفاجئة مقارنة بالعقود الماضية.
تقنيات القسطرة والذكاء الاصطناعي:
يؤكد الدكتور أحمد أن طب القلب في مصر يقف على قدم المساواة مع المعايير العالمية بفضل الاطلاع المستمر واستيراد التقنيات الحديثة فور إقرارها دولياً. وحول المفاهيم الخاطئة، يصحح الاستشاري الفكرة الشائعة بأن القسطرة “عملية جراحية خطيرة ومؤلمة تتطلب تخديرًا كلياً”، موضحاً أنها إجراء طفيف التداخل يتم من خلال كانيولا صغيرة جداً عبر شريان اليد أو القدم، ويكون المريض خلالها واعياً تماماً، ولا تستغرق القسطرة التشخيصية أكثر من 10 دقائق، بينما تزيد المدة قليلاً بحسب طبيعة تركيب الدعامات.
وعن إمكانية دخول الذكاء الاصطناعي والروبوتات بدلاً من الطبيب، يشدد د. أحمد على أنه لا يمكن حالياً للذكاء الاصطناعي التغلب على العنصر البشري في القسطرة العلاجية، إذ يتطلب العمل داخل شرايين القلب حساً لمسياً دقيقاً، وقدرة على تقييم مرونة الشريان واختيار المقاسات المناسبة لكل مريض، وهي مهارات تفاعلية حية لا تملكها الآلات بعد.
التوعية والوقاية: وجه د. أحمد أبو ريا رسائل توعوية بالغة الأهمية، محددًا علامة الخطر الرئيسية التي تتطلب التوجه الفوري إلى طبيب القلب: الشعور بثقل أو ألم ضاغط في منتصف الصدر يظهر عند القيام بمجهود (كالمشي أو صعود السلم)، ثم يختفي هذا الألم بمجرد أخذ قسط من الراحة.
وللوقاية من أمراض القلب، يضع الاستشاري حزمة من النصائح الذهبية: السيطرة التامة على السكر: لمرضى السكر، يجب إجراء تحليل السكر التراكمي كل 3 أشهر مع المتابعة المستمرة. تنظيم النوم والتهدئة النفسية،تجنب السهر القاتل، والحرص على النوم والاستيقاظ المبكرين، وتخصيص وقت يومي لقراءة القرآن الكريم أو القراءة العامة لتهدئة النفس وتبديد التوتر.
ممارسة الرياضة والحركة: حيث يقارن الطبيب بين حياة الماضي المليئة بالحركة الطبيعية وحياة اليوم القائمة على التكييفات والمصاعد والرفاهية الزائدة التي أضرّت بصحة القلب.
السوشيال ميديا وأمل الطليعة
لم يخفِ د. أحمد أبو ريا التحديات المعاصرة التي تلاحق أطباء القلب في مصر، مشيراً إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت سلاحاً ذو حدين، حيث تتسبب في نقل بعض المعلومات الطبية المغلوطة أو تداول التعليمات بشكل غير مضبوط، مما قد يؤدي إلى تصرفات خاطئة تؤثر في حياة المرضى، محذراً من استقاء المعلومات إلا من الأطباء الثقات.
وفي المقابل، ينظر د. أحمد بعين الأمل إلى مستقبل علاج القلب في مصر، مؤكداً أنه مستقبل واعد ومبشر جداً؛ فالعقول المصرية تمتلك تاريخاً وباعاً طويلاً في الجمعية الأوروبية لطب القلب ولها جلسات علمية باسم مصر، كما أن المستجدات العلمية العالمية يتم تطبيقها في مصر أولاً بأول.
واختتم استشاري القلب والقسطرة العلاجية حديثه المفعم بالإنسانية برسالة مركزة تختصر فلسفة الوقاية والحياة الصحية، قائلاً: الرياضة، ثم الرياضة، ثم الرياضة، هي خط الدفاع الأول، وسر الحياة، والركيزة الأساسية لحماية قلوبكم من كل سوء.


اترك تعليقاً