شيركو حبيب يكتب : قراءة لما بعد الحصار الاقتصادي على إيران… من يدفع الثمن في المنطقة وماذا ينتظر العراق؟
الثلاثاء 25-08-2026 15:34
بقلم : شيركو حبيب
لم تعد العقوبات الأمريكية على إيران مجرد ورقة ضغط اقتصادية تستخدمها واشنطن في مواجهة طهران، بل تحولت إلى مواجهة أوسع يمكن أن تتجاوز حدود إيران، وتمتد تداعياتها إلى دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق.
ما يجري اليوم ليس مجرد تشديد جديد للعقوبات، وإنما محاولة للضغط على الاقتصاد الإيراني، وتقييد قدرته على الوصول إلى الأسواق والموارد المالية، ودفع الدول والشركات التي تتعامل مع طهران إلى إعادة حساباتها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا بعد هذا الحصار الاقتصادي؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق النتائج التي تريدها؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن للعراق أن يحمي نفسه من تداعيات صراع لا يملك قرار بدايته ولا نهايته؟
لا شك أن الاقتصاد الإيراني يواجه مرحلة صعبة. انخفاض قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، كلها عوامل تضغط على المواطن الإيراني قبل أن تضغط على الحكومة.
لكنني، ومن خلال قراءتي المتواضعة للمشهد، لا أتصور أن من الصحيح القول إن إيران ستنهار اقتصاديًا بمجرد تشديد العقوبات، إيران دولة كبيرة، تمتلك موارد طبيعية وبشرية واسعة، وراكم نظامها خلال العقود الماضية خبرة طويلة في إدارة اقتصاد يعيش تحت الضغوط والعزلة والعقوبات. كما طورت شبكات مالية وتجارية بديلة تساعدها على الاستمرار، حتى في أصعب الظروف، ولهذا أرى أن العقوبات يمكن أن تضعف إيران بشدة، وتزيد الضغوط على اقتصادها ومواطنيها، لكنها لا تعني بالضرورة سقوطها.
وهنا يكمن الفرق بين الضغط الاقتصادي وبين تحقيق الهدف السياسي، فإيلام الاقتصاد شيء، وتحويل هذا الألم إلى تغيير سياسي شيء آخر.
إذا كانت إيران تستطيع تحمل جزء من نتائج العقوبات، فإن العراق قد يجد نفسه أمام مشكلة مختلفة.
العراق ليس مجرد دولة مجاورة لإيران. هناك حدود طويلة، وتجارة واسعة، وحركة مستمرة للبضائع والأموال، وتشابك كبير في المصالح الاقتصادية، فضلًا عن اعتماد العراق على الغاز الإيراني في تشغيل جزء من منظومة الكهرباء، وهناك أيضًا علاقات سياسية واجتماعية متشابكة بين البلدين، تجعل عملية الفصل الاقتصادي الكامل بين بغداد وطهران أمرًا غير ممكن بين ليلة وضحاهان وهنا تجد بغداد نفسها أمام معادلة صعبة، من جهة لا تستطيع تجاهل علاقتها بالولايات المتحدة ومصالحها الاقتصادية والمالية المرتبطة بالنظام المالي الدولي.
ومن جهة أخرى، لا تستطيع قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران بصورة مفاجئة، لأن مثل هذه الخطوة قد تنعكس مباشرة على الكهرباء والأسواق والتجارة وحياة المواطن العراقي.
وتشير تقديرات إلى أن العراق يعتمد على الغاز الإيراني بمليارات الدولارات سنويًا، الأمر الذي يجعل ملف الطاقة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في أي تصعيد اقتصادي بين واشنطن وطهران.
وربما هناك سؤال هل بغداد مع إيران أم مع أمريكا؟
ولكن السؤال الأصح ، في رأيي، هو:كيف تحمي بغداد مصالح العراق من صراع لا يملك العراق قرار بدايته ولا نهايته؟ و العراق لا يستطيع أن يعيش على الأزمات؟
العراق يعتمد بدرجة كبيرة على النفط في إيراداته، وأي اضطراب إقليمي كبير يمكن أن ينعكس على أسعار النفط، وحركة التجارة، وأسعار النقل والتأمين، وسعر الصرف والاستثمارات، قد يستفيد العراق مؤقتًا من ارتفاع أسعار النفط إذا أدى التصعيد إلى تقليص المعروض العالمي، لكن هذه الفائدة ليست مضمونة ولا مستقرة، فالنفط المرتفع السعر لا يعني بالضرورة اقتصادًا عراقيًا قويًا إذا كان ارتفاع الأسعار يأتي نتيجة أزمة إقليمية تؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتعطيل التجارة، وزيادة المخاطر الأمنية، العراق ليس جزيرة معزولة عن المنطقة، أي أزمة في الخليج، أو في مضيق هرمز، أو في طرق التجارة الإقليمية، يمكن أن تصل آثارها إلى بغداد وأربيل والبصرة والمنافذ الحدودية والأسواق العراقية.
ولهذا فإن المطلوب من الحكومة العراقية ليس انتظار الأزمة، وإنما الاستعداد لها قبل أن تصل إلى الداخل العراقي.
هل نتائج العقوبات مضمونة؟ برأيي: لا توجد نتيجة مضمونة في الحروب الاقتصادية.
قد تنجح العقوبات في خفض الإيرادات الإيرانية، وإضعاف القدرة على تمويل بعض النشاطات، وزيادة الضغط على الحكومة، لكنها لا تضمن وحدها تغيير سلوك طهران أو تغيير النظام السياسي، والتجربة السابقة تؤكد أن إيران استطاعت في مراحل مختلفة التكيف مع العقوبات، من خلال الأسواق الموازية، والوسطاء، وشبكات التجارة غير المباشرة، وطرق مختلفة لبيع النفط وتحريك الأموال.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل تستطيع أمريكا إيلام الاقتصاد الإيراني؟ بالتأكيد تستطيع.
لكن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى نتيجة سياسية حاسمة؟
وهذا أمر مختلف تمامًا.
الخطر الأكبر… أن يتحول العراق إلى ساحة للعقوبات.
ما يقلقني من خلال قراءتي للوضع أن أكثر من تأثير العقوبات على إيران نفسها هو احتمال أن يتحول العراق إلى ساحة غير مباشرة للصراع الاقتصادي والسياسي، كلما زادت الضغوط على طهران، زادت الحاجة إلى طرق بديلة للتجارة والتحويلات والتمويل، وهنا يجب على الدولة العراقية أن تكون أكثر حذرًا من أي وقت مضى، فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الأزمات، يكفيه ما عانى منه خلال العقود الماضية، وأي تعامل مالي أو تجاري غير محسوب قد يضع مؤسسات عراقية أو مصارف أو شركات أمام عقوبات أو إجراءات دولية، وهو أمر ستكون كلفته في النهاية على الاقتصاد العراقي والمواطن العراقي.
وهناك ملف آخر لا يقل خطورة، وهو ملف سلاح الفصائل، فالعراق يجد نفسه أمام ضغوط أمريكية لحسم هذا الملف ضمن سقف زمني، في وقت تتحدث فيه تقارير عن رغبة إيرانية في تأجيل أو تمديد المهلة، وهنا، اعتقد بأنه يجب ألا تتعامل بغداد مع القضية باعتبارها استجابة لضغط أمريكي أو إيراني، فسلاح الدولة يجب أن يكون قرار الدولة، هذه ليست قضية ترضي واشنطن أو طهران، وإنما قضية تتعلق بسيادة العراق وأمنه ومستقبل مؤسساته، العراق لا يستطيع أن يكون دولة كاملة السيادة وفي الوقت نفسه يسمح بوجود قرارات أمنية وعسكرية خارج إطار الدولة.
وفي المقابل، فإن معالجة هذا الملف تحتاج إلى حكمة سياسية ومسار عراقي واضح، حتى لا يتحول نزع السلاح إلى مواجهة داخلية جديدة يدفع المواطن العراقي ثمنها، المطلوب هو أن يكون القرار عراقيًا، وأن تكون مصلحة العراق هي المعيار الأول والأخير.
بغداد أمام فرصة، وليست أمام أزمة، فقط كل أزمة يمكن أن تكون فرصة إذا أحسنّنا التعامل معها.
وقد تكون هذه المرحلة فرصة للعراق لإعادة ترتيب علاقاته الاقتصادية على أساس تنويع الشركاء وعدم الاعتماد على دولة واحدة.
العراق يحتاج إلى تطوير إنتاج الغاز المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتنويع مصادر الطاقة، وتقوية القطاع المصرفي، وحماية النظام المالي العراقي من أن يتحول إلى وسيلة للصراعات الإقليمية.
كما يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة تقول بوضوح: إن العراق يريد علاقات جيدة مع جميع جيرانه، لكنه لا يريد أن يدفع ثمن صراعاتهمن وهذا ليس موقفًا عدائيًا تجاه إيران، ولا انحيازًا للولايات المتحدة، إنه ببساطة دفاع عن المصلحة العراقية.
وماذا عن إقليم كوردستان؟
لا يمكن الحديث عن تداعيات الأزمة الإقليمية على العراق من دون النظر إلى إقليم كوردستان. فالإقليم يرتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية مع دول الجوار، وأي اضطراب في الحدود أو التجارة أو حركة الأموال والطاقة يمكن أن ينعكس على اقتصاده وأسواقه.
ولهذا فإن استقرار كوردستان الاقتصادي هو جزء من استقرار العراق كله، وفي مثل هذه الظروف، تصبح العلاقة بين بغداد وأربيل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الخلافات السياسية يمكن أن تستمر، وهذا أمر طبيعي في أي دولة، لكن القضايا الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية تحتاج إلى تفاهم وتنسيق، لأن الأزمات الخارجية لا تفرق بين بغداد وأربيل عندما تصل آثارها إلى الاقتصاد العراقي.
ولهذا أعتقد بأن هذه المرحلة يجب أن تكون فرصة جديدة لتعزيز التفاهم بين الطرفين على أساس الدستور والمصلحة المشتركة، وليس على أساس ردود الفعل السياسية.
إن المنطقة أمام مرحلة جديدة، وما يحدث مع إيران لن يبقى داخل الحدود الإيرانية، فالمنطقة كلها ستتأثر بدرجات مختلفة: الطاقة، التجارة، النقل، العملات، الاستثمارات، الأمن، وحتى حركة الناس بين الدول، وإذا استمر التصعيد، فإن دول المنطقة ستكون أمام خيارين: إما أن تتحول إلى ساحات للصراع بين القوى الكبرى والإقليمية، أو أن تبدأ ببناء مواقف أكثر استقلالًا تحمي مصالحها.
والعراق تحديدًا يجب ألا ينتظر حتى تبدأ الأزمة داخله، يجب أن يستعد من الآن، وأنا لا أرى أن المطلوب من العراق أن يختار بين واشنطن وطهران، بل يحتاج العراق إلى أن يختار العراق نفسه، وأن يحافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة، ويحترم علاقاته التاريخية والجغرافية مع إيران، ويحمي سيادته، ويمنع استخدام أراضيه ومؤسساته في الصراعات الإقليمية، وفي الوقت نفسه يعمل على بناء اقتصاد يستطيع الوقوف على قدميه دون أن يكون رهينة لأي طرف.
أما العقوبات الأمريكية، فمن المؤكد أنها ستزيد الضغوط على الاقتصاد الإيراني، وقد تضع طهران أمام اختبار اقتصادي صعب، لكن القول إن نتائجها مضمونة سيكون مبالغة، فالاقتصاد قد ينهار تحت الضغط، وقد يتكيف معه، وقد يتحول الضغط نفسه في مرحلة معينة إلى عامل يدفع الأطراف نحو التفاوض، ولهذا فإن المرحلة المقبلة لن تكون معركة بين العقوبات وإيران فقط، إنها ستكون اختبارًا لقدرة دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق، على حماية مصالحها وسط صراع كبير لا يبدو أن نهايته قد كُتبت بعد.
أما العراق، فعليه أن يتعلم من تجارب السنوات الماضية: لا مصلحة له في أن يكون طرفًا في صراع الآخرين، ولا مصلحة له في أن يتحول إلى منفذ للعقوبات، ولا مصلحة له في أن يدفع اقتصاده ثمن خلافات لا يملك قرارها.
وفي السياسة، كما في الاقتصاد، ليس المهم فقط أن تعرف من يضغط على من، بل أن تعرف كيف تمنع نفسك من أن تكون أنت الضحية.


اترك تعليقاً