رئيس التحرير

د. حنان الشاذلي لـ”مجلة مصر”: الإدمان ليس ضعف إرادة.. والعلاج الحقيقي يبدأ عندما نرى الإنسان خلف المشكلة

الخميس 10-09-2026 11:37

حوار محمد أكسم

من حوارنا مع الدكتورة حنان الشاذلي استشاري نفسى وعلاج إدمان كان الجزء الأول قد اقترب من الإنسان من الداخل، وتوقف أمام القلق والخوف وضغوط الحياة والعلاقات الأسرية، فإن الجزء الثاني يذهب إلى منطقة أكثر حساسية وخطورة, حيث تتقاطع الأزمات النفسية والاجتماعية مع الإدمان، والضغوط الاقتصادية مع مستقبل الشباب، والعلاج مع إعادة بناء الإنسان من جديد.
فالإدمان، في رؤية د. حنان الشاذلي، لا يمكن اختزاله في صورة شخص فقد السيطرة على نفسه، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد ضعف في الإرادة, خلف كل حالة أسباب ودوافع وظروف متشابكة، قد تبدأ بألم نفسي، أو محاولة للهروب من واقع قاسى، أو بحث عن القبول والانتماء، أو ضغوط أسرية واجتماعية، ثم تتحول مع الوقت إلى دائرة أكثر تعقيدًا تحتاج إلى تدخل علمي ونفسي واجتماعي متكامل.
وهنا تتجلى أهمية رؤيتها؛ فهي لا تتعامل مع المدمن باعتباره “مشكلة” يجب التخلص منها، وإنما باعتباره إنسانًا يحتاج إلى العلاج والتأهيل واستعادة قدرته على اتخاذ القرار وبناء حياة مستقرة, ومن هذا المنطلق، يصبح التأهيل النفسي والاجتماعي جزءًا أساسيًا من رحلة التعافي، وليس مجرد مرحلة تكميلية بعد العلاج.
وفي هذا الجزء من الحوار، نفتح مع د. حنان الشاذلي واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا في المجتمع
لماذا يقع بعض الشباب في دائرة الإدمان؟ وهل تتحمل الأسرة جزءًا من المسؤولية؟ وكيف يمكن اكتشاف الخطر مبكرًا؟ وهل يستطيع الشخص أن يتوقف عن التعاطي بمجرد أن يقرر ذلك؟
كما نتوقف أمام ضرورة تطوير حملات التوعية من المخدرات، بحيث لا تكتفي بتخويف الشباب من النتائج، وإنما تساعدهم على فهم الأسباب التي قد تدفعهم إلى التجربة من البداية، وتمنحهم مهارات مواجهة ضغط الأصدقاء والقلق والإحباط، وتعلمهم أن طلب المساعدة ليس ضعفًا ولا عيبًا.
ويمتد الحوار إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشباب اليوم؛ ما بين الدراسة والعمل والرغبة في الاستقلال ومساندة الأسرة وارتفاع تكاليف الحياة، وما يمكن أن تتركه هذه الضغوط من آثار نفسية عميقة إذا لم يجد الشاب الدعم والاحتواء والمساحة التي تساعده على التعبير عن مخاوفه.
وتتوقف الدكتورة حنان كذلك أمام التأهيل والإصلاح، مؤكدة أن إعادة بناء الإنسان لا تنتهي بمجرد خروجه من المؤسسة العلاجية أو الإصلاحية، وإنما تحتاج إلى متابعة ورعاية لاحقة تساعده على العودة إلى المجتمع بصورة أكثر استقرارًا وقدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ قرارات صحيحة.
وفي هذا السياق، تبرز رؤيتها لأهمية مراكز الإصلاح والتأهيل باعتبارها مساحة يمكن أن يحدث فيها تغيير حقيقي عندما يجتمع العلاج النفسي والاجتماعي مع التأهيل وإعادة بناء السلوك والفكر. فالإنسان، حتى عندما يخطئ، لا يفقد حقه في فرصة جديدة، والمجتمع لا يستفيد من إدانته إلى الأبد بقدر ما يستفيد من مساعدته على استعادة دوره والاندماج من جديد.
إنه جزء ثانٍ لا يكتفي بطرح الأسئلة الصعبة، بل يحاول البحث عن الطريق إلى الحل؛ من الوقاية إلى العلاج، ومن العلاج إلى التأهيل، ومن التأهيل إلى العودة للحياة.
ومع د. حنان الشاذلي، يبدو المعنى أكثر وضوحًا: مواجهة الإدمان لا تبدأ فقط بمحاربة المخدر، وإنما تبدأ بفهم الإنسان الذي يبحث عن مهرب، وبناء أسرة أكثر احتواءً، ومجتمع أكثر وعيًا، وشباب يجدون من يسمعهم قبل أن يبحثوا عن شيء آخر يسمع آلامهم.
وفي النهاية، تظل رسالتها الأهم أن إنقاذ الإنسان لا يكون بإدانته، وإنما بمنحه فرصة حقيقية ليبدأ من جديد.

ما الأسباب والدوافع النفسية والاجتماعية التي قد تدفع الإنسان إلى الوقوع في دائرة الإدمان؟

الإدمان ينتج عن تفاعل معقد بين عوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية وبيئية. وقد يبدأ التعاطى كاختيار أو تجربة، ثم يتحول تدريجيا إلى وسيلة يعتمد عليها الشخص لتنظيم مشاعره أو الهروب من ضغوطه، إلى أن يصبح سلوكا قهريا يصعب السيطرة عليه.
أولًا: الدوافع النفسية
1.الهروب من الألم النفسى فقد يلجأ الإنسان إلى المادة المخدرة لتخفيف الحزن، القلق، الوحدة، الإحباط أو الصدمات النفسية.
2.البحث عن المتعة أو الإحساس بالنشوة بعض الأشخاص يبدأون بدافع الفضول أو الرغبة في تجربة شعور جديد، خاصة عندما تكون المادة مرتبطة لديهم بالمتعة أو الجرأة.
3.ضعف مهارات التعامل مع الضغوط عندما لا يمتلك الفرد مهارات فعالة لحل المشكلات وتنظيم الانفعالات، قد تصبح المادة وسيلة سريعة للهروب من الضغط بدلا من مواجهته.
4.انخفاض تقدير الذات فقد يستخدم البعض المواد لإخفاء مشاعر العجز أو النقص أو لتعويض شعور داخلي بعدم الكفاءة.
5.الحاجة إلى الانتماء والقبول خصوصا لدى المراهقين والشباب فقد يبدأ التعاطى حتى لا يشعر الشخص بأنه مختلف عن أصدقائه أو حتى يحصل على قبول المجموعة.
6.الاندفاعية والبحث عن الإثارة فبعض أنماط الشخصية تتسم بالمغامرة والبحث عن الخبرات القوية وضعف تقدير العواقب، مما يزيد قابلية تجربة المواد.
7.التعامل غير الصحى مع الصدمات فقدان شخص عزيز، العنف، الإهمال، الفشل أو الخبرات المؤلمة قد تجعل الإنسان أكثر عرضة لاستخدام المخدرات كطريقة للتكيف.
ثانيًا: الدوافع الأسرية والاجتماعية
•التفكك الأسرى والصراعات المستمرة.
•ضعف الرقابة والاحتواء الأسرى.
•العنف أو الإهمال داخل الأسرة.
•وجود أحد أفراد الأسرة ممن يتعاطون المخدرات.
•ضغط الأصدقاء وجماعة الرفاق.
•البطالة والفراغ والشعور بانعدام المستقبل.
•الفقر أو الظروف الاجتماعية القاسية.
•سهولة الحصول على المواد المخدرة.
•تطبيع التعاطى في بعض البيئات الاجتماعية.
•ضعف الوعى بمخاطر المخدرات واعتقاد بعض الأشخاص أنهم يستطيعون التوقف فى أى وقت.وخاصة مع مخدر الحشيش.

ثالثًا: لماذا يتحول التعاطى إلى إدمان؟

مع تكرار التعاطى تحدث تغيرات فى دوائر المكافأة والتحفيز في الدماغ، ويبدأ الشخص في ربط المادة بالراحة أو التخلص من الألم. ومع تطور الاعتماد قد يصبح التعاطى مدفوعا أيضا بالرغبة في تجنب أعراض الانسحاب أو الضيق النفسى.
وليس من الدقيق وصف المدمن بأنه ضعيف الإرادة فقط. فالإدمان اضطراب معقد تتداخل فيه آليات التعلم والمكافأة، والسمات الفردية، والبيئة الاجتماعية، والضغوط النفسية. لذلك فإن العلاج الفعال لا يقتصر على إيقاف المادة، بل يحتاج أيضا إلى معالجة الأسباب والدوافع والمهارات النفسية والبيئة الاجتماعية التى ساهمت فى استمرار المشكلة.

هل تتحمل الأسرة جزءًا من مسؤولية وصول أحد أبنائها إلى الإدمان؟

نعم، قد تتحمل الأسرة جزءا من المسؤولية، ولكن من الخطأ أن نحولها إلى متهم. الإدمان لا تصنعه الأسرة وحدها، وإنما هو نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية وبيئية. لكن الأسرة قد تكون أحيانا عامل حماية، وقد تكون في بعض الحالات عامل خطر، خاصة إذا غاب الحوار والاحتواء، أو ساد العنف والإهمال، أو كان هناك تفكك وصراعات مستمرة، أو كان التعاطى موجودا داخل البيئة الأسرية.
وفي المقابل، لا يمكن أن نقول إن كل شخص نشأ في أسرة مضطربة سيصبح مدمنا، ولا أن كل أسرة لديها ابن مدمن هي أسرة فاشلة. الأهم من البحث عن المسؤول هو أن نسأل ماذا يمكن للأسرة أن تفعل الآن؟
فالأسرة الواعية تستطيع أن تكون جزءًا أساسيا من العلاج؛ بالاحتواء، ووضع الحدود، وطلب المساعدة المتخصصة، والتوقف عن الوصم أو التستر على المشكلة. وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن تفعله الأسرة هو أن تتعامل مع الإدمان باعتباره فضيحة يجب إخفاؤها بدلا من اعتباره مشكلة تحتاج إلى علاج. فالأسرة قد تكون جزءا من المشكلة، لكنها أيضا يمكن أن تكون جزءا كبيرا جدا من الحل.

هل التوعية الحالية بمخاطر المخدرات كافية؟ أم أننا بحاجة إلى أساليب جديدة تخاطب الشباب بلغتهم؟
أعتقد أن التوعية الحالية مهمة وحققت خطوات كبيرة، ولا يمكن إنكار حجم الجهود المبذولة في المدارس والجامعات ومراكز الشباب والتى وصلت الى توعية النزلاء بمراكز الإصلاح والتأهيل أيضا، بل إن البرامج الحديثة بدأت بالفعل تستخدم الأفلام القصيرة والفيديوجراف والأنشطة التفاعلية، وتعمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الشباب.
لكن في رأيي نحن بحاجة إلى تطوير مستمر في طريقة الخطاب لأن الشاب اليوم لا يتلقى معلوماته بالطريقة التي كان يتلقاها منذ سنوات.
لذلك نحن بحاجة إلى توعية تتحدث مع الشباب وليس إليهم؛ بلغة قريبة منهم، وبمحتوى قصير وواقعى، وباستخدام المنصات التي يتواجدون عليها، مع الاستعانة بالمؤثرين والشباب أنفسهم، والانتقال من التخويف فقط إلى بناء المهارات النفسية: كيف أقول «لا»؟ كيف أتعامل مع ضغط الأصدقاء؟ كيف أواجه القلق والإحباط؟ وكيف أطلب المساعدة دون خوف أو وصمة؟
وأرى أن الرسالة الأقوى ليست خاف من المخدرات وإنما: افهم لماذا قد يدفعك أحد إليها، وتعلّم كيف تحمى نفسك عندما تواجه هذا الموقف.
وهنا تتحول التوعية من مجرد معلومات عن أضرار المخدرات إلى وقاية نفسية حقيقية. وهذا الاتجاه يتوافق أيضًا مع تطور برامج الوقاية فى مصر نحو تصحيح المفاهيم وبناء المهارات واستخدام أدوات إعلامية أكثر إبداعا.

كيف أثرت الضغوط الأسرية والاقتصادية في الصحة النفسية للشباب خلال السنوات الأخيرة؟

نعم، ليس فقط بسبب الأزمة الاقتصادية في حد ذاتها، وإنما بسبب الإحساس المستمر بعدم الأمان وعدم وضوح المستقبل. وتشير تقارير حديثة في مصر إلى استمرار الضغوط على قدرة الأسر الشرائية، مع وجود تفاوتات في الفقر والفرص، وهي عوامل تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على رفاه الأطفال والشباب.
الشاب اليوم قد يشعر بأنه مطالب بأن ينجح دراسيا، ويجد وظيفة، ويحقق استقلاله، ويساعد أسرته، وفى الوقت نفسه يواجه ارتفاع تكاليف الحياة وتوقعات اجتماعية مرتفعة, وعندما تتراكم هذه الضغوط دون وجود مساحة آمنة للتعبير أو الدعم النفسى، قد تظهر في صورة قلق مزمن، إحباط، اضطرابات في النوم، عصبية، انسحاب اجتماعى، فقدان الدافعية، وأحيانا سلوكيات خطرة كالتعاطى. عندما يتحول الضغط الاقتصادى إلى صراعات أسرية أو عنف أو لوم مستمر أو مقارنة بين الأبناء، فإن الشاب لا يعود يشعر بأن البيت مساحة أمان، بل يصبح مصدرا إضافيا للضغط.
ولذلك أرى أننا نحتاج إلى تغيير نظرتنا للصحة النفسية للشباب. ليس المطلوب أن نقول للشاب كن قويا وتحمل فقط، وإنما أن نسأله ما الذي تتحمله وحدك؟ والحل لا يكون نفسيًا فقط؛ فنحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تجمع بين الدعم الأسرى، والتمكين الاقتصادى، وفرص العمل والتدريب، وخدمات الصحة النفسية، وتعليم الشباب مهارات التعامل مع الضغوط وحل المشكلات لأن حماية الشباب نفسيا ليست رفاهية، بل هى استثمار في قدرة المجتمع كله على الاستمرار والتعافى.

ما أكثر الظواهر النفسية والاجتماعية التي تشغلك حاليًا وتتمنين إجراء دراسات أعمق حولها؟

منذ إعلان السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى الخطة الوطنية لحقوق الإنسان ومن ثم تحويل السجون الى مراكز إصلاح وتأهيل من أجل تعزيز تطبيق نظم السياسة العقابية الحديثة وتأهيل النزلاء للدمج المجتمعى بأساليب علمية صحية أصبح أكثر ما يشغلني حاليا هو دراسة وتطوير البرامج النفسية والاجتماعية المرتبطة بالإصلاح والتأهيل، خاصة البرامج الموجهة للتعامل مع الإدمان لأنني أرى أن السياسة العقابية الحديثة لم تعد تنظر إلى العقوبة باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما أصبحت تولي اهتماما أكبر بالإصلاح والتأهيل والرعاية اللاحقة، بهدف إعادة دمج النزيل في المجتمع والحد من احتمالات العودة إلى السلوك الإجرامي.
ومن خلال مشاركتي في البرامج النفسية والتأهيلية المقدمة للنزلاء، لمست حجم الجهد الذي يبذل داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، خاصة في التعامل مع حالات الإدمان، حيث لا يقتصر الأمر على التعامل مع السلوك الظاهر، وإنما يمتد إلى محاولة فهم العوامل النفسية والاجتماعية التي ساهمت في ظهور المشكلة، والعمل على تعديل الأفكار والسلوكيات، وتنمية مهارات المواجهة واتخاذ القرار، وتعزيز تقدير الذات والمسؤولية والقدرة على بناء حياة أكثر استقرارا.
وأعتقد أن علاج الإدمان تحديدا يحتاج إلى رؤية متكاملة؛ لأن الإدمان ليس مجرد مشكلة إرادة، وإنما ظاهرة لها أبعاد نفسية واجتماعية وسلوكية، ولذلك فإن نجاح التأهيل يرتبط بتكامل التدخلات الطبية والنفسية والاجتماعية، وباستمرار المتابعة والدعم بعد انتهاء البرنامج.
وأتمنى في الوقت نفسه أن يحظى هذا الجهد بمزيد من الاهتمام الاكاديمى والإعلامي؛ لأن ما يحدث داخل مراكز الإصلاح والتأهيل يستحق أن يعرف بصورة حقيقية وإنسانية,والإعلام هنا يمكن أن يكون شريكا مهما في منظومة الإصلاح، من خلال إبراز قصص النجاح والتجارب الإيجابية بصورة مهنية تحافظ على خصوصية أصحابها وكرامتهم، وتساعد في تغيير الصورة النمطية عن النزيل.
فالنزيل ليس مجرد شخص ارتكب خطأ ويقضي عقوبة، وإنما هو إنسان يمكن أن يخضع للعلاج والتأهيل ويكتسب مهارات جديدة ويستعيد قدرته على تحمل المسؤولية والاندماج في المجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية ما تقدمه الرعاية اللاحقة لأن عملية الإصلاح لا تنتهى بمجرد خروج النزيل من المؤسسة، وإنما تحتاج إلى متابعة ودعم يساعدانه على الحفاظ على ما اكتسبه خلال فترة التأهيل ومواجهة الضغوط التي قد يتعرض لها بعد العودة إلى المجتمع.
وهذه التجارب والنتائج الناجحة التى ترتقي فى نجاحها الى النسب العالمية وأشادت بها المنظمات الدولية تستحق أن يراها المجتمع المحلى والإعلام بوضوح؛ لأنها تعكس جانبا مهما من فلسفة الإصلاح والتأهيل، وتؤكد أن حماية المجتمع لا تتحقق بالعقوبة وحدها، وإنما أيضا بإعادة بناء الإنسان ومساعدته على ألا يعود إلى الطريق الذي أضر به وبالمجتمع من حوله.

كيف يستطيع الإنسان أن يتصالح مع ماضيه دون أن يظل أسيرًا له؟

التصالح مع الماضى لا يعنى ان ننسى ما حدث، وإنما أن نتوقف عن السماح له بالتحكم في حاضرنا ومستقبلنا. فالإنسان لا يستطيع تغيير ما مضى، لكنه يستطيع ان يغير الطريقة التى ينظر بها اليه ويتعامل مع أثاره. ومن المهم ان نتقبل أنفسنا، بما فيها أخطاؤنا وقراراتنا السابقة، وان نتعلم منها بدلا من معاقبة انفسنا عليها باستمرار. كما يجب ان ندرك ان ما حدث فى الماضى كان جزءا من رحلة التعلم والنضج، وليس حكما نهائيا على شخصيتنا. والتسامح مع الذات خطوة اساسية، وكذلك التوقف عن اجترار الذكريات المؤلمة كلما حاولنا البدء من جديد. فالماضي فصل من حياتنا، لكنه ليس الكتاب كله. نحن لا نستطيع تغيير الصفحة التى مضت، لكننا نستطيع ان نختار كيف نكتب الصفحة القادمة هكذا نعيد صياغة صفحة الماضى.

حدثينا عن العادات اليومية البسيطة التي يمكن أن تساعد الإنسان على تحسين حالته النفسية؟

هناك عادات يومية بسيطة يمكن أن تحدث فرقا كبيرا في حالتنا النفسية، ولا تحتاج الى وقت طويل او مجهود كبير. من أهمها الحصول على نوم منتظم، والحركة أو المشي ولو لفترة قصيرة، والتعرض للضوء الطبيعى، وتنظيم الوقت وتحديد أولويات واضحة لليوم. كما أن التواصل مع الأشخاص الذين نشعر معهم بالأمان، والابتعاد قدر الإمكان عن المقارنة المستمرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنح النفس وقتا للراحة والهدوء، كلها أمور تساعد على تقليل الضغوط. ومن المهم أيضا ان نتعلم التوقف للحظات خلال اليوم والتنفس بهدوء، وان نسأل أنفسنا: ماذا احتاج الان؟ بدلا من الاستمرار في الضغط على أنفسنا. والاهم ان نهتم بالأشياء الصغيرة التي تمنحنا معنى ومتعة، مثل القراءة، أو ممارسة هواية، او مساعدة شخص أخر. فتحسين حالتنا النفسية لا يحتاج دائما الى تغييرات كبيرة؛ أحيانا عادة صغيرة نكررها كل يوم يمكن ان تصبح بداية لتغيير كبير في حياتنا.

من وجهة نظر د/ حنان الشاذلي ما أهم الصفات التي يتمتع بها الإنسان المتوازن نفسيًا.. ؟

رحم الله امرىء عرف قدر نفسه .. من وجهة نظري، الإنسان المتوازن نفسيا ليس هو الإنسان الذى لا يغضب ولا يحزن ولا يمر بالأزمات، وإنما هو الإنسان الذي يعرف كيف يتعامل مع مشاعره وظروفه دون ان يفقد قدرته على إدارة حياته. ومن أهم صفاته ان يكون لديه وعى بذاته، يعرف نقاط قوته وضعفه، ويتقبل نفسه دون ان يتوقف عن تطويرها. كما يستطيع التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، ويعرف كيف يضع حدودا فى علاقاته دون قسوة او عدوان. والإنسان المتوازن أيضا قادر على اتخاذ قراراته، وتحمل مسؤولية اختياراته، والتكيف مع التغيير والأزمات، وطلب المساعدة عندما يحتاج اليها دون ان يعتبر ذلك ضعفا.
ومن أهم الصفات كذلك المرونة النفسية، فهو قد يتعثر ويتألم، لكنه لا يسمح للتجربة الصعبة بان تعرفه أو تحدد مستقبله. وفي رأيي، أجمل ما يميز الإنسان المتوازن نفسيا هو أن يكون قادر على توكيد ذاته ويكون متصالحا مع نفسه، متوازنا في علاقاته، واقعيا في توقعاته، وقادرا على ان يعيش الحاضر دون ان يظل أسيرا للماضي او خائفا بصورة دائمة من المستقبل.

فى النهاية نشكر د/حنان الشاذلى على هذا الحوار الاكثر من رائع متمنيين لها مزيدا من النجاح

وفي ختام هذا الحوار، ربما تكون الرسالة الأهم التي تتركها لنا الدكتورة حنان الشاذلي هي أن الإنسان أكبر من أزمته، وأكبر من خطئه، وأن باب العودة إلى الحياة يجب ألا يُغلق في وجه من يبحث عن فرصة جديدة.
من القلق والخوف، إلى العنف الأسري، ومن الضغوط التي تحاصر الشباب، إلى الإدمان، تتضح حقيقة واحدة: أن المشكلات لا تظهر من فراغ، وأن وراء كل سلوك حكاية، ووراء كل أزمة إنسانًا يحتاج إلى أن نفهمه قبل أن نحكم عليه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *