رئيس التحرير

. ساندي حسنين تستعد لإطلاق منافس مصري يدخل سباق منصات التواصل بتحديث جديد ورؤية تعيد للمستخدم العربي صوته

الإثنين 14-09-2026 15:11

كتب : أحمد صابر

في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية بين منصات التواصل الاجتماعي، وتتزايد المخاوف المرتبطة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي وسياسات إدارة المحتوى وغلق الحسابات وتقييد الوصول، تستعد ساندي حسنين لتقديم تحديث موسع لتطبيق Hoga «هوجة»، في محاولة لبناء منصة إجتماعية مصرية قادرة على الدخول إلى سوق تسيطر عليه منذ سنوات شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى.

لا يأتي مشروع Hoga في توقيت تقني عادي؛ فصناعة منصات التواصل الاجتماعي نفسها تمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً رئيسياً من أنظمة التوصية، واكتشاف المحتوى، والإعلانات، ومحاربة الإساءة والمعلومات المضللة، بل وحتى اتخاذ قرارات قد تحدد ما إذا كان منشور ما سيصل إلى ملايين الأشخاص أو يختفي تقريباً من التداول.

وفي قلب هذه التحولات، أصبح السؤال بالنسبة إلى الكثير من المستخدمين العرب يتجاوز: «ما المنصة الأكثر انتشاراً؟»، ليصبح: من يملك القرار بشأن المحتوى الذي نراه؟ ومن يحدد السياق الصحيح للغة والثقافة والقضايا العربية؟

ومن هنا تحاول «هوجة» تقديم نفسها ليس باعتبارها منصة عادية بل مشروعاً يتجاوز فكرة إطلاق تطبيق اجتماعي آخر، إلى محاولة بناء تجربة رقمية تنطلق من المنطقة وتفهم طبيعة مستخدميها، دون أن تغلق الباب أمام المنافسة عالميًا.

من مشروع مصري إلى محاولة دخول المنافسة العالمية

تعمل ساندي حسنين خلال الفترة الحالية على تطوير نسخة موسعة من Hoga بعد مراحل طويلة من البناء والتجربة وإعادة تصميم أجزاء رئيسية من المنصة.

وتستهدف النسخة الجديدة تقديم منظومة اجتماعية متكاملة تجمع أكثر من شكل للتواصل والمحتوى داخل تطبيق واحد، بدلاً من حصر المستخدم في نموذج واحد للنشر أو المشاهدة.

وتدور رؤية المشروع حول بناء مجتمع يستطيع فيه المستخدم إنشاء المحتوى والتفاعل وتكوين العلاقات والمجتمعات الرقمية، مع مساحات للفيديوهات القصيرة والمنشورات والتعليقات والمحادثات والقصص والغرف الصوتية والتفاعلية والبث والتواصل المباشر، إلى جانب أنظمة تخدم صناع المحتوى والمضيفين والمجتمعات التي تتشكل داخل المنصة.

لكن التحدي الحقيقي أمام المشروع لا يتعلق فقط بعدد الخصائص.

فالدخول إلى سوق التواصل الاجتماعي يعني الدخول إلى واحدة من أعقد الصناعات الرقمية في العالم؛ صناعة تمتلك فيها الشركات الكبرى بنية تحتية هائلة، ومليارات المستخدمين، وأنظمة ذكاء اصطناعي يتم تدريبها وتحسينها باستمرار، فضلًا عن ميزانيات ضخمة للتطوير والتسويق والإعلانات.

ولهذا فإن الرهان بالنسبة إلى Hoga يتمثل في بناء هوية مختلفة، وليس مجرد تقليد التطبيقات الموجودة بالفعل.

لماذا يحتاج العالم العربي إلى منصات تنطلق منه؟

لسنوات، اعتمد المستخدم العربي بصورة شبه كاملة على منصات تم تطوير سياساتها الأساسية خارج المنطقة العربية.

وهذا الأمر لا يمثل مشكلة في حد ذاته، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا عندما تتولى الخوارزميات وأنظمة الإشراف الآلي تفسير اللغة والسياق والثقافة والسياسة والتاريخ.

فاللغة العربية شديدة الثراء والتعقيد، والكلمة الواحدة قد تحمل معاني مختلفة جذريًا باختلاف الدولة واللهجة والسياق.

وقد أصبحت هذه الإشكالية أكثر وضوحًا خلال الأزمات السياسية والحروب في المنطقة، وبصورة خاصة مع المحتوى المتعلق بالقضية الفلسطينية.

ففي تقرير موسع أصدرته هيومن رايتس ووتش في ديسمبر 2023، وثقت المنظمة 1,050 حالة قالت إنها تضمنت إزالة أو تقييدًا غير مبرر لمحتوى على فيسبوك وإنستغرام، وشملت الحالات حذف منشورات، وتعليق أو تعطيل حسابات، وتقييد بعض أدوات التفاعل، وانخفاض الوصول إلى المحتوى. وأشارت المنظمة كذلك إلى اعتماد كبير على أنظمة الإشراف الآلي باعتباره أحد العوامل التي ساهمت في المشكلة.

وتحدثت منظمة Access Now أيضاً في 2024 عن مشكلات تتعلق بإزالة محتوى وتعليق حسابات وتقييد الوصول في سياق المحتوى الفلسطيني، ودعت إلى تغييرات أوسع في سياسات الإشراف على المحتوى.

الأمر لم يبقَ فقط في إطار انتقادات المنظمات الحقوقية.

فقد خلص مجلس الإشراف المستقل التابع لمنظومة Meta في دراسة لسياسة التعامل مع كلمة «شهيد» إلى أن النهج السابق كان يفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة على حرية التعبير، خصوصًا في المجتمعات العربية والمسلمة، قبل أن تعلن Meta لاحقاً قبول عدد من التوصيات لتغيير طريقة التعامل مع الكلمة.

وهي أمثلة تكشف مدى صعوبة ترك فهم السياقات الإنسانية واللغوية بالكامل للأنظمة الآلية.

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي «حارس البوابة»

الذكاء الاصطناعي منح منصات التواصل الاجتماعي قدرات لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.

يمكن للخوارزميات اليوم تحليل مليارات المنشورات والفيديوهات، ورصد أنماط الاحتيال والمحتوى العنيف، وترتيب المحتوى، والتنبؤ بما قد يجذب المستخدم، واكتشاف عدد هائل من المخالفات قبل وصولها إلى الجمهور.

لكن القوة نفسها تحمل خطرًا آخر: ماذا يحدث عندما تخطئ الخوارزمية؟

مجلس الإشراف في Meta ناقش هذه المعضلة بصورة مباشرة في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الإشراف على المحتوى، مشيرًا إلى أن Meta خفضت مؤقتًا خلال حرب غزة وإسرائيل حدود الثقة التي تستخدمها بعض أنظمة التصنيف الآلي، وهو ما أدى إلى إزالة أكثر تشددًا للمحتوى المحتمل مخالفته، لكنه أدى أيضًا إلى إزالة محتوى غير مخالف.

وهنا يظهر أحد أكبر تحديات الجيل المقبل من الشبكات الاجتماعية.

فالمشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي أو رفضه، وإنما في من يضع القواعد التي يعمل وفقًا لها؟ وكيف يمكن مراجعة قراراته؟ وهل يستطيع المستخدم الاعتراض؟ وهل يستطيع إنسان بالفعل فهم السياق عندما تفشل الآلة؟

بالنسبة إلى Hoga، تمثل هذه الأسئلة جزءاً أساسيًا من فلسفة بناء المنصة الجديدة.

فالذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى المشروع يجب أن يكون أداة لتحسين التجربة وحماية المجتمع ومساعدة المستخدم، لا سلطة غير مرئية تحكم وجوده الرقمي بالكامل.

غلق الحساب لم يعد مجرد ضغطة زر

إحدى أكثر القضايا حساسية في عالم التواصل الاجتماعي اليوم هي قيمة الحساب نفسه.

بالنسبة إلى مستخدم عادي، قد يحمل الحساب سنوات من الصور والذكريات والعلاقات.

أما بالنسبة إلى صحفي أو فنان أو مؤثر أو صاحب نشاط تجاري، فقد يكون الحساب جزءًا من مصدر رزقه وهويته المهنية وجمهوره الذي بناه خلال سنوات.

ولهذا فإن تعليق الحساب أو حذفه نتيجة قرار آلي خاطئ ليس مجرد مشكلة تقنية.

إنه قرار قد تكون له آثار اجتماعية ومهنية واقتصادية حقيقية.

وتتضاعف المشكلة عندما لا يعرف المستخدم تحديدًا سبب العقوبة، أو لا يجد مسارًا واضحًا للاعتراض، أو يتلقى ردودًا آلية متكررة دون الوصول إلى مراجعة بشرية حقيقية.

وتوثيق منظمات حقوقية لمثل هذه الحالات خلال السنوات الأخيرة أعاد فتح النقاش حول مفهوم يمكن وصفه بـ «العدالة الرقمية»: هل يجب أن يمتلك مستخدم المنصة حقًا حقيقيًا في معرفة سبب العقوبة والدفاع عن محتواه واستعادة حسابه إذا ثبت خطأ القرار؟

بالنسبة إلى أي منصة عربية تطمح إلى المنافسة، لن يكون النجاح مرتبطًا فقط بسرعة التطبيق وجمال التصميم، ولكن أيضًا بمدى الثقة التي يشعر بها المستخدم تجاه النظام الذي يحكم وجوده داخله.

هوجة والقضية التي بدأت معها الفكرة

يحمل المشروع كذلك خلفية مرتبطة بالتحولات التي عاشها المستخدم العربي خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع الحرب في فلسطين والجدل الذي صاحب تعامل بعض المنصات العالمية مع المحتوى المتعلق بالأحداث.

ومن رحم هذه المرحلة بدأت تتبلور رؤية أوسع لدى ساندي حسنين حول ضرورة ألا يظل المستخدم العربي مستهلكًا دائمًا لمنصات الآخرين فقط، بل أن تكون هناك محاولات عربية ومصرية حقيقية لبناء التكنولوجيا نفسها.

ظهرت Hoga في البداية بصورة أصغر كثيرًا من الشكل الذي يجري العمل عليه حاليًا، إلا أن المشروع تطور تدريجيًا من مجرد فكرة لمنصة اجتماعية إلى منظومة تقنية تتطلب بنية خلفية وخدمات تخزين وبث لحظي وإدارة للمحتوى وأنظمة للحسابات والمجتمعات والتفاعل وصناع المحتوى.

والنسخة التي يتم الإعداد لها حاليًا تمثل عمليًا محاولة للانتقال من مرحلة «التجربة» إلى مرحلة بناء منتج يستطيع الوقوف في سوق شديد التنافسية.

ليست حربًا على التطبيقات الأجنبية

طرح منصة مصرية لا يعني بالضرورة التعامل مع المنصات العالمية باعتبارها عدوًا.

فالشركات الكبرى قدمت للعالم ابتكارات ضخمة وغيرت طريقة تواصل البشر، كما أن حجم التعقيدات الأمنية والأخلاقية التي تتعامل معها يوميًا يجعل إدارة مليارات المستخدمين مهمة شديدة الصعوبة.

لكن وجود هذه المنصات لا يعني أن العالم يحتاج إلى خمس أو ست شركات فقط تتحكم بصورة شبه كاملة في المجال الاجتماعي الرقمي.

المنافسة نفسها مفيدة.

وظهور منصات من مناطق وثقافات مختلفة قد يدفع الصناعة بأكملها إلى تطوير سياسات أفضل تجاه اللغة والخصوصية والشفافية وحقوق المستخدمين.

وهنا تحاول Hoga أن تجد مساحتها.

ليس باعتبارها «نسخة مصرية» من تطبيق عالمي بعينه، وإنما كمشروع يريد بناء شخصيته الخاصة تدريجيًا.

تحدي التكنولوجيا قبل تحدي الشهرة

وقد يكون الحصول على أول مجموعة كبيرة من المستخدمين هو الجزء الظاهر من المشكلة، لكن خلف الشاشة توجد معركة أكثر صعوبة.

منصة التواصل الحديثة تحتاج إلى التعامل في الوقت نفسه مع الفيديو والصور والمراسلات والإشعارات والبث اللحظي والملايين من عمليات القراءة والكتابة، مع ضرورة حماية الحسابات والبيانات والتعامل مع محاولات الاحتيال والإساءة والسبام والهجمات الإلكترونية.

وعندما تبدأ المنصة في النمو، تصبح القرارات الهندسية الصغيرة التي لم تكن مؤثرة مع ألف مستخدم قادرة على إسقاط النظام عندما يصل العدد إلى مئات الآلاف أو الملايين.

ولهذا يركز العمل الجاري على Hoga بصورة كبيرة على البنية التي تقف خلف التطبيق، وليس فقط على الواجهة التي يراها المستخدم.

فالهدف النهائي للمشروع هو أن يكون قادرًا على النمو دون أن تتحول زيادة الجمهور إلى عبء يؤدي إلى انهيار الخدمة.

مصر في سباق التكنولوجيا لا على هامشه

القيمة الرمزية للمشروع لا تقل عن قيمته التجارية.

فمصر تمتلك ملايين الشباب ومجتمعًا ضخمًا من المطورين والمصممين وصناع المحتوى، لكنها مثل أغلب المنطقة العربية لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على المنتجات والمنصات التي تم بناؤها خارجها.

نجاح مشروع تكنولوجي مصري في هذه الصناعة لن يعني نجاح شركة أو تطبيق فقط، بل سيقدم مثالًا على إمكانية الانتقال من مرحلة استخدام التكنولوجيا إلى صناعتها.

وهو ما تراهن عليه ساندي حسنين في مشروع Hoga.

فالطموح لا يتوقف عند بناء مساحة للمستخدم المصري، وإنما الوصول إلى منتج يبدأ من مصر ويستطيع بعد ذلك مخاطبة المستخدم العربي ثم المنافسة خارج الحدود.

ولا توجد ضمانات سهلة في صناعة شهدت ظهور واختفاء عشرات الشبكات الاجتماعية خلال سنوات قليلة.

لكن المنافسة لا تبدأ عندما يصبح المشروع بحجم الشركات العملاقة؛ بل تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها فريق صغير أن المشكلة التي يواجهها ملايين المستخدمين تستحق أن يبني لها حلًا.

معركة الثقة ستكون الأصعب

في النهاية، لن يحسم مستقبل منصات التواصل عدد الخصائص وحده.

المستخدم يريد منصة سريعة وممتعة، لكنه يريد كذلك أن يعرف أن صوته لن يختفي نتيجة خطأ في خوارزمية، وأن حسابه لن يتحول إلى رهينة لقرار لا يستطيع فهمه، وأن لغته وثقافته لن يتم تفسيرهما دائمًا من خلال سياق مختلف عن سياقه.

وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنشاء الصور والفيديو والنصوص وتقليد الأصوات ونشر المحتوى بسرعة غير مسبوقة، تصبح المهمة أصعب: حماية المجتمع دون خنق المجتمع.

وذلك تحديدًا هو الاختبار الذي ينتظر Hoga وغيرها من المنصات الجديدة.

فالمنصة المصرية تدخل سوقًا لا يرحم، وتنافس شركات تمتلك خبرة ورأس مال وجمهورًا هائلًا، لكن في المقابل هناك فرصة حقيقية أمام أي منتج يستطيع فهم المستخدم بطريقة أفضل وبناء علاقة مختلفة معه.

وبين هيمنة المنصات العملاقة، وصعود الذكاء الاصطناعي، وأزمات الرقابة الرقمية، وحاجة المستخدم العربي إلى مساحة يشعر فيها بأن لغته وقضاياه وسياقه مفهوم، تراهن ساندي حسنين على أن الوقت قد حان لكي تمتلك المنطقة صوتًا أكبر في صناعة مستقبلها الرقمي.

ويبقى التحديث الجديد لـHoga خطوة حاسمة في اختبار هذا الرهان: هل يستطيع تطبيق بدأ من مصر أن يتحول من مشروع محلي طموح إلى اسم عربي حاضر في سباق شبكات التواصل الاجتماعي؟

الإجابة لن تصنعها الشعارات، بل ما ستقدمه المنصة للمستخدم عندما تصبح بين يديه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *