نانسى شاكر تكتب: حين أتممتُ عامي الأربعين
الأربعاء 30-09-2026 20:14
أيقنت أن الحياة رحلة قصيرة، يجب أن نبذل جهدنا للاستمتاع بها؛ وأيقنت أن لين القلب وغني النفس أهم من كنوز الدنيا كلها، وأن حب الناس والسيرة الطيبة هما أثمن وسام أحمله على صدري؛ أيقنت بأن العلم وحده لا جدوى منه إن ظل حبيساً في عقل صاحبه؛ فقيمة ما نتعلمه تكتمل حين ننقله إلى الآخرين، وحين يتحول ما عرفناه إلى ورث مستدام يرتوي منه غيرنا؛ أيقنت بأن الأمومة – كانت وما زالت – أعظم اختبار دنيوي مررت به، فهي لم تعلمني فقط كيف أشارك في صناعة جيل، وإنما علمتني الكثير عن نفسي، عن صبري، عن قوتي، عن الإيثار، عن قدراتي المختلفة على الحب، وعن ذلك القلب الذي لا يشبه أي قلبٍ آخر؛ أيقنت بأن أكبر حلم من أحلامي هو رؤية بناتي يكبرن ويترعرعن كزهور فصل الربيع، وأن أبقى قريبة من قلبي وأنا أكبر، أن أعمل فيما أؤمن به، وأن التزم بالرؤية والفلسفة التي وضعتها لحياتي الشخصية والعملية؛ تعلمت أن المثابرة والإنضباط والإستمرارية أهم من الشغف، وأن الأدب الجم والخُلق الرفيع هما تأشيرة دخول القلوب قبل العقول؛ تعلمت أن أكتب ما أشعر به، وأن أُعبر عما بقلبي وعقلي بمنتهي الحرية والإنطلاق طالما تمسكت بحدودي واحترمت الطرف الآخر، وأن ترك أثراً طيباً في الأشخاص والأماكن التي مررت بها هي غاية وهدف نبيل يزيدني جمالاً.
في الأربعين، لم أعد أريد أن أثبت شيئاً لأحد؛ لم أعد أحتاج إلى أن أكون المرأة التي تُرضي الجميع، ولا الأم التي يجب أن تمتهن المثالية منعاً للفشل، ولا الإنسانة التي تخفي حزنها وراء نظارة شمسية غامقة. أربعون عاماً علمتني أن الإنسان يتغير باستمرار وبلا انقطاع. وأن من حقنا أن نعيد تعريف مفهوم النجاح أكثر من مرة، وأن نغير أحلامنا، وأن نبدأ من جديد، وأن نكتشف أجزاء من أنفسنا في مراحل لم نكن نتوقعها؛ تعلمت أن القوة ليست في أن نتحمل كل شيء، وإنما في أن نعرف ما يستحق أن نتحمله، وما يجب أن نتركه بسلام. أصبحت أكثر تقديراً للأشياء البسيطة التي كنت أعتبرها عادية .. صباح هادئ، كوب قهوة ساخن، ضحكة بناتي التي تملأ قلبي حياة، أو حضن دافئ منهن في منتصف الليل، حين يستيقظن بعيون غارقة في النوم، يبحثن عن رائحتي بأنوفهن الصغيرة، وكأن وجودي بالقرب منهن هو أُكسِچين البقاء؛ أيقنت بأن يوماً عادياً ينتهي بانتهاء التزاماته ومسؤولياته، بعد تحقيق ما خططت له وأستكمال مهامي هو نعمة لا تساوي كنوز الدنيا؛ وأيقنت أن رفاهية الإختيار هي من أعظم نعم الله عليّ – اختيار المأكل والملبس، وتفاصيل قراراتي اليومية، وأن أعيش تفاصيل حياتي بقدر من الحرية لم أكن أدرك قيمته دائماً.
أصبحت أكثر جرأءة تجاه كل شئ، وأكثر يقيناً بأني أخوض الحياة ومعية الله دائماً برفقتي؛ فتعلمت أن أُعامل قلبي بطيبة ورفق. فربما لم يعد المهم أن أصل إلى المكان الذي كنت أخطط له وأنا في العشرين، وإنما أن أعرف إذا كان ذلك المكان ما زال مناسباً للنسخة الحديثة من المرأة التي أصبحتها أنا اليوم؟ فقد كانت رحلة مليئة بكل شيء، كل شئ. فلم أكن أنا أبداً المرأة التي تستكشف الدنيا استكشافاً عابراً أو سطحياً؛ وإنما أتقنت خوض التجارب والإنغماس بداخلها، وتركت لنفسي مطلق الحرية في الغوص في تفاصيل مشاعرها، وفي أن أعيش الأشياء بعمقها، لا بمجرد المرور بها؛ علمت نفسي أن أكون ممتنة علي صحة بدنية ونفسية تسمحان لي بأن أعيش يومي دون أن أفكر فيهما؛ وأصبحت أفهم أن بعض النعم لا نعرف قيمتها حقاً إلا عندما نفقدها، ولو مؤقتاً.
ففي عامي الأربعين، لم أعد أبحث عن حياة مثالية؛ صرت أبحث عن حياة تشبهني، تشبه خصالي، وطباعي، وميولي. ربما لم أصل بعد إلى كل ما تمنيت، لكنني علمت أخيراً أن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في منتصف الطريق، ليس أن يسرع للوصول، وإنما أن يتوقف لينظر حوله، ويتأمل الطريق الذي قطعه، يفخر بنفسه أولاً، ثم يجدد نيته بأن أيامه القادمة سوف تُوهب لابتغاء مرضاه الله، والسعي الدنيوي .. راجين ثبات العقل والقلب، وصلاح الأحوال.
الحمد لله على كل ما كان، وكل ما هو كائن، وكل ما سيكون.


اترك تعليقاً