ميشيل ميلاد من ضحكة الكوميديا إلى دهشة التمثيل
الإثنين 05-10-2026 14:35
كتب : اسماعيل بدوى
هل خرج «العويل» من عباءة الكوميديان ليكشف عن ممثل من طراز مختلف؟
الكوميديان هو من يستطيع أن ينتزع منك الضحكة أما الممثل الكوميدي الحقيقي فهو من يستطيع أن يضحكك ويبكيك ويدهشك في اللحظة نفسها وهنا تحديدًا يمكن أن نتوقف أمام تجربة الفنان ميشيل ميلاد الذي بدأ في نظر قطاع كبير من الجمهور باعتباره كوميديان يمتلك حضورًا لافتًا وقدرة خاصة على صناعة الضحكة لكنه خلال فترة قصيرة بدأ يكشف عن وجه آخر لموهبته ربما لم يكن واضحًا بالشكل الكافي في بداياته فالتاريخ الفني المصري لا يتوقف عند حدود من يضحك الجمهور بل يحتفي دائمًا بالممثل الذي يستطيع أن يتحول بين الكوميديا والدراما وأن يجعل المشاهد ينسى الفنان ويتعامل مع الشخصية باعتبارها شخصًا حقيقيًا ولعلنا نتذكر الزعيم عادل إمام ورفيق مشواره سعيد صالح في مشاهد جمعت بين الكوميديا والإنسانية حتى جاءت لحظات جعلت الجمهور يضحك ويبكي في العمل نفسه ونتذكر كذلك العظيم عبد المنعم مدبولي في أعماله التي أثبت خلالها أن الفنان الكوميدي يمكن أن يمتلك حسًا إنسانيًا ودراميًا شديد العمق ومحمد صبحي واحد من أبرز النماذج التي جعلت الكوميديا وسيلة للضحك والتفكير والانفعال في الوقت نفسه ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة ميشيل ميلاد
«محمود العويل» نقطة التحول
ربما كانت شخصية «محمود العويل» في فيلم «السادة الأفاضل» واحدة من أهم المحطات التي جعلت الجمهور والصناع يتوقفون أمام ميشيل ميلاد بشكل مختلف فالشخصية لم تكن مجرد مساحة لانتزاع الضحكات وإنما احتاجت إلى تفاصيل دقيقة في اللهجة والحركة وطريقة الكلام والإيماءات وطبيعة الشخصية الريفية واللافت أن ميشيل لم يكتفِ بتقليد اللهجة وإنما كشف في تصريحات صحفية أنه سافر إلى قرية العدوة في الفيوم استعدادًا للدور وتعلم اللهجة من أهل المكان حتى يستطيع تقديم الشخصية بصورة أكثر صدقًا وهنا تظهر قيمة مهمة في تجربته فالممثل الحقيقي لا يكتفي بأن يحفظ الحوار وإنما يبحث عن الشخصية قبل أن يقف أمام الكاميرا وهذا ما جعل «محمود العويل» شخصية لافتة وحققت مشاهدها انتشارًا واسعًا بين الجمهور ولم يكن نجاح الدور قائمًا على الكوميديا وحدها فالشخصية نفسها كانت تحمل تفاصيل اجتماعية وسلوكية جعلت مساحة الأداء أكبر من مجرد إلقاء الإفيه
من «العويل» إلى «معتصم» المسافة التي تكشف الممثل
لكن الاختبار الحقيقي جاء مع شخصية «معتصم» في حكاية «ما لم يُحكَ عن بني مزار» ضمن مسلسل «القصة الكاملة» هنا لم يعد ميشيل أمام شخصية تعتمد على خفة الظل أو الحضور الكوميدي بل أمام شخصية مختلفة تمامًا تحتاج إلى بناء نفسي وحركي ولهجة محلية دقيقة والأهم أن ميشيل نفسه كشف أنه استعان بطبيب متخصص خلال التحضير للشخصية حتى يتعرف بصورة أعمق على الحالة النفسية التي يعاني منها «معتصم» ويفهم أبعادها بشكل أفضل وكانت النتيجة أن الجمهور فوجئ بوجه آخر للفنان فبدلًا من أن يبحث المشاهد عن الضحكة أصبح يبحث عن تفاصيل الشخصية ويتابع انفعالاتها وحركاتها وطريقة كلامها كما لفتت لهجته المرتبطة ببني مزار في المنيا انتباه الجمهور وأصبحت واحدة من التفاصيل التي ساعدت على ترسيخ الشخصية داخل الأحداث ولم تكن ردود الفعل مجرد إشادة عابرة فعدد من التقارير الفنية رصد تصدر اسم ميشيل ميلاد حديث الجمهور بعد عرض الحكاية وتنوع التعليقات التي أشادت بقدرته على تقديم شخصية مختلفة عن أدواره الكوميدية السابقة
موهبة لا تحب أن تعيش داخل قالب واحد
المثير في تجربة ميشيل ميلاد أنه لا يبدو راغبًا في الاستقرار داخل خانة واحدة فالجمهور عرفه من خلال الكوميديا ومقاطع السوشيال ميديا والشخصيات التي قدمها بخفة ظل واضحة ومن بينها «كابتن جاك الشبراوي» لكن انتقاله بين شخصيات مختلفة يؤكد أن لديه رغبة حقيقية في اختبار قدراته وهذا ظهر أيضًا من خلال مشاركاته في أعمال درامية وسينمائية متعددة خلال عام 2026 فبعد نجاح «السادة الأفاضل» شارك في مسلسل «النص» الجزء الثاني ومسلسل «هي كيميا» كما ظهر في عدد من الأعمال السينمائية وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية هل ميشيل ميلاد كوميديان موهوب فقط؟ الإجابة التي تقدمها أعماله الأخيرة تفتح الباب أمام احتمال أكبر بكثير هو فنان بدأ من منطقة الكوميديا لكنه يثبت تدريجيًا أن أدواته يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى من التمثيل
سر النجاح في التفاصيل
أهم ما يميز ميشيل في الأدوار التي لفتت الجمهور إليه هو اهتمامه بالتفاصيل اللهجة وطريقة الحركة ونبرة الصوت ونظرات العين والإيماءة والتكوين الخارجي للشخصية وحتى البحث قبل التصوير وهذه العناصر قد تبدو صغيرة منفردة لكنها عندما تجتمع تصنع شخصية يستطيع المشاهد تصديقها وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين الفنان الذي يؤدي المشهد والفنان الذي يعيش داخله
شهادة مهمة من داخل الوسط
ولعل من اللافت أن الفنان محمد ممدوح أشاد بأداء ميشيل ميلاد في «السادة الأفاضل» وهو ما قابله ميشيل بامتنان كبير مؤكدًا سعادته بأن يأتي هذا التقدير من فنان كان يتمنى العمل معه وقد يكون تقدير فنان كبير لزميل أصغر سنًا مجرد إشادة فنية في ظاهرها لكنها في حالة ميشيل تعكس شيئًا مهمًا أن الموهبة عندما تظهر بوضوح لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى يلتفت إليها أصحاب الخبرة
من الكوميديا إلى منطقة أوسع
ميشيل ميلاد الآن أمام مرحلة مختلفة مرحلة لم يعد السؤال فيها هل يستطيع أن يضحك الجمهور فهذا الأمر أثبته بالفعل لكن السؤال الأهم أصبح هل يستطيع أن يجعل الجمهور ينسى ميشيل نفسه ويصدق الشخصية التي يقدمها؟ وفي «محمود العويل» ثم «معتصم» قدم إجابة تستحق التوقف أمامها الأول كشف قدرته على صناعة شخصية كوميدية لها تفاصيلها ولهجتها وحضورها والثاني وضعه في مساحة أكثر جدية وأظهر جانبًا تمثيليًا مختلفًا بعيدًا عن الصورة التي اعتادها الجمهور وهنا تصبح المسألة أكبر من نجاح شخصية أو انتشار مشهد إنها رحلة فنان يحاول أن يثبت أن الكوميديا ليست سقفًا لموهبته وإنما واحدة من أدواتها
ميشيل ميلاد أمام اختبار المستقبل
المرحلة القادمة هي الاختبار الحقيقي فنجاح «العويل» ثم «معتصم» يضع أمام ميشيل مسؤولية أكبر لأن الجمهور بعد أن اكتشف قدرته على التنوع لن يكتفي منه بتكرار الشخصية نفسها والتحدي الحقيقي سيكون في اختيار أدوار تكشف مناطق جديدة من موهبته شخصيات درامية وشخصيات إنسانية وشخصيات شريرة وشخصيات مركبة وربما أدوار بطولة كاملة تسمح له بإثبات قدرته على حمل عمل من بدايته إلى نهايته وفي النهاية ربما يكون من الظلم أن نقول إن ميشيل ميلاد مجرد كوميديان فالكوميديان قد يصنع ضحكة جميلة أما الممثل الحقيقي فيستطيع أن يجعلك تضحك في مشهد وتتعاطف معه في مشهد آخر وتندهش منه في مشهد ثالث وهذا تحديدًا ما بدأ ميشيل ميلاد يفعله من «كابتن جاك الشبراوي» إلى «محمود العويل» وصولًا إلى «معتصم» يبدو أننا أمام فنان يحاول أن يقول للجمهور بصوت واضح أنا لا أريد أن أكون مجرد صاحب ضحكة أنا أريد أن أكون ممثلًا تستطيعون أن تنتظروا منه كل شيء


اترك تعليقاً