رئيس التحرير

الكاتبة الفلسطينية د. أحلام محمد أبو السعود تكتب : حربُ السابعِ من أكتوبر… ثلاثُ سنواتٍ من النار والدمار، وغزّةُ تواجه نكبةً جديدة

الأربعاء 07-10-2026 12:23

________________
بقلم: سفيرة الإعلام العربي والباحثة في الشؤون الفلسطينية د. أحلام محمد أبو السعود
________________
في الذكرى الثالثة لحرب السابع من أكتوبر، لا تقف غزة أمام ذكرى حربٍ عابرة، بل أمام واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية والسياسية والعمرانية قسوةً في التاريخ الفلسطيني الحديث؛ حربٌ امتدت آثارها إلى كل بيت وشارع ومدرسة ومستشفى وجامعة ومؤسسة ومَعْلمٍ من معالم الحياة الفلسطينية، ووضعت الشعب الفلسطيني أمام واحدة من أقسى مراحل الفقد والنزوح والدمار، كما وضعت المجتمع الدولي أمام اختبارٍ حقيقي لمصداقية منظومة القانون الدولي وفاعلية مؤسساتها.

فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة مرحلةً غير مسبوقة من المعاناة. وبعد ثلاث سنوات، لم تعد القضية أرقاماً في نشرات الأخبار، ولا صوراً عابرةً على شاشات العالم؛ بل أصبحت مأساةً إنسانية متكاملة الأبعاد، طالت الإنسان والأرض والعمران والتعليم والصحة والاقتصاد والثقافة والذاكرة الوطنية، وخلّفت آثاراً نفسية واجتماعية عميقة يصعب تقدير مداها في جيلٍ كامل.

ووفق أحدث التقديرات المتاحة، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين في غزة عشرات الآلاف، فيما تجاوز عدد الجرحى مئات الآلاف، إلى جانب حوالي عشرة آلاف مفقود ما زالوا تحت الأنقاض، لا تعرف عائلاتهم مصيرهم حتى اليوم، في واحدة من أكثر صور المأساة الإنسانية إيلاماً؛ إذ يعيش آلاف الأسر الفلسطينية على أمل العثور على أبنائها وأفراد عائلاتها الذين غابوا تحت ركام المنازل والمباني التي دمرتها الحرب.

وهنا لا بد من التوقف أمام حقيقةٍ مؤلمة: كل رقمٍ من هذه الأرقام هو إنسان، وكل إنسان وراءه عائلة، وكل عائلة وراءها قصة، وكل قصة وراءها بيتٌ وذكريات وأحلام ومستقبلٌ كان يمكن أن يكون مختلفاً.

لقد دفعت غزة ثمناً هائلاً على مستوى البنية العمرانية. فقد تعرضت نسبة هائلة من منشآتها للدمار أو الأضرار، وتحولت أحياء كاملة إلى أكوام من الركام، فيما دُمّرت أو تضررت آلاف المنازل والمنشآت المدنية، وأصبح إعادة إعمار القطاع تحدياً هائلاً يحتاج إلى سنوات طويلة وإمكانات دولية ضخمة.

ولم يتوقف الدمار عند البيوت. فقد أصابت الحرب منظومة التعليم في الصميم؛ إذ تعرضت المدارس والجامعات لأضرار جسيمة، وحُرم مئات الآلاف من الأطفال والطلبة من حقهم الطبيعي في التعليم، وتحولت بعض المؤسسات التعليمية إلى ملاجئ للنازحين، بينما فقدت أخرى قدرتها على العمل بسبب الدمار أو نقص الإمكانات.

أما القطاع الصحي، فقد تلقى ضربةً بالغة الخطورة، في وقت كان فيه السكان بأمسّ الحاجة إلى المستشفيات والأطباء والأدوية.
وأصبحت المنشآت الصحية تعمل في ظروف استثنائية، وسط نقصٍ حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، فيما اضطر الأطباء والممرضون إلى العمل تحت أقسى الظروف الإنسانية.

ولأن غزة ليست حجارةً وإسمنتاً فقط، فقد امتدت الحرب إلى ذاكرتها الثقافية والحضارية. فقد تعرضت مواقع أثرية ودينية وتاريخية ومتاحف ومبانٍ تراثية لأضرار جسيمة، الأمر الذي يعني أن الحرب لم تضرب حاضر غزة فقط، بل أصابت أجزاءً من ذاكرتها الممتدة عبر آلاف السنين.

إنها حربٌ على المكان بقدر ما هي حربٌ على الإنسان.
فحين تُهدم الجامعة، لا يُهدم مبنى فقط، بل تُهدم مساحة للعلم والحلم. وحين تُدمَّر المدرسة، لا تضيع جدرانها فقط، بل ينقطع خيطٌ من خيوط المستقبل. وحين يتضرر المستشفى، فإن الخطر لا يطال البناء وحده، وإنما يطال حق الإنسان في العلاج والحياة.

وحين تُصاب المعالم التاريخية، فإن الضرر يتجاوز الحجر إلى الذاكرة والهوية والوجود الثقافي.
أما أطفال غزة، فهم الجيل الذي حمل الحرب فوق أعمارهم.

أطفالٌ فقدوا آباءهم وأمهاتهم وأشقاءهم وأصدقاءهم، وتركوا مدارسهم وبيوتهم، وعاشوا تجربة النزوح والخوف والقصف والحرمان، حتى أصبحت آثار الحرب النفسية والاجتماعية جزءاً من يومياتهم.

إنها جراحٌ لا تُرى بالعين المجردة.
إنها جراحٌ تسكن في ذاكرة الطفل الذي فقد والديه، وفي قلب الأم التي فقدت أبناءها، وفي نفس الأب الذي أصبح عاجزاً عن تأمين مأوى آمن لعائلته، وفي عيون الطفلة التي اعتادت أن ترى الخيام والركام بدلاً من المدرسة والحديقة والبيت.
لقد أنتجت الحرب مجتمعاً مثقلاً بالفقد والنزوح والانفصال عن المكان. ملايين الفلسطينيين اضطروا إلى النزوح من مناطقهم، وكثير منهم نزحوا مرات متعددة، فيما فقد عدد هائل منهم منازلهم ومصادر رزقهم وممتلكاتهم.

واليوم، ومع اقتراب فصل الشتاء، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: أين سيذهب هذا الإنسان الذي فقد بيته؟ وكيف سيحمي أطفاله من البرد والمطر في خيمةٍ لا توفر شروط الحياة الكريمة؟
إن نحو 90% من سكان غزة أصبحوا يعيشون في ظروف نزوح أو تشرد بدرجات مختلفة، بينما يحتاج القطاع إلى خطة شاملة لإعادة الإسكان وإزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وهنا تتضح الصورة كاملة: الإنسان الذي نجا من القصف قد لا يكون قد نجا من آثار الحرب.

فالفقر والبطالة وفقدان المنزل والتعليم، والإصابات الجسدية، وفقدان أفراد الأسرة، والنزوح المتكرر، والخوف المستمر، كلها عوامل تترك ندوباً نفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات طويلة.
ولم تقتصر آثار الحرب على الشهداء والجرحى والمفقودين والنازحين، بل امتدت كذلك إلى ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، الذين شهدت أعدادهم ارتفاعاً خلال سنوات الحرب، وسط تقارير حقوقية متواصلة حول ظروف الاحتجاز ومعاملة المعتقلين.

وهكذا تتسع دائرة المأساة: شهداء، جرحى، مفقودون تحت الأنقاض، أسرى، نازحون، أيتام، أرامل، أطفال يحملون ذاكرة الحرب، ومدينة تبحث عن ملامحها بين الركام.

ومن المنظور السياسي، فإن حرب السابع من أكتوبر لم تغيّر فقط المشهد الإنساني في فلسطين، وإنما أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القضية الفلسطينية، ومستقبل قطاع غزة، وشكل النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل عملية السلام، ومدى قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وإنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني.
لقد تحولت غزة إلى اختبارٍ حقيقي للنظام الدولي بأكمله؛ فالقانون الدولي لا ينبغي أن يكون نصوصاً محفوظة في الكتب والمواثيق، وإنما قواعد تُطبق لحماية الإنسان، أياً كان دينه أو جنسيته أو مكانه.

إن حجم الدمار الذي أصاب غزة يجعل إعادة الإعمار مسؤولية دولية كبرى، ولا يمكن اختزالها في إعادة بناء المنازل وحدها؛ فغزة تحتاج إلى إعادة بناء المدارس والجامعات والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمؤسسات الاقتصادية والثقافية، وإلى إعادة بناء الإنسان قبل الحجر.

ومن هنا، فإن إعمار غزة ليس منّةً من أحد، ولا ملفاً إنسانياً ثانوياً، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية ودولية.
وعلى المجتمع الدولي أن يفي بالوعود التي قطعها بشأن إعادة إعمار غزة، وأن يتحول الدعم من بيانات وتصريحات إلى برامج عملية ومشاريع حقيقية، تضمن للفلسطينيين الحق في السكن والتعليم والعلاج والعمل والحياة الكريمة.
كما أن حماية المدنيين لا يمكن أن تكون موسمية أو انتقائية، بل يجب أن تكون قاعدة ثابتة، وأن تُحترم أحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وأن يخضع أي انتهاك موثق للتحقيق والمساءلة وفق الآليات القانونية الدولية المختصة.

إن غزة اليوم لا تطلب من العالم أن يبكي عليها فقط؛ غزة تطلب أن تُحمى، وأن تُعمر، وأن تُعاد إليها الحياة.

لقد كانت الحرب لحظةً فارقة في تاريخ المنطقة، لكن تحويل آثارها إلى واقع دائم من الدمار والنزوح واليأس لن يصنع سلاماً مستقراً.

فالسلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال وفق إطار القانون الدولي، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفتح أفق سياسي جدي يقود إلى حل عادل ودائم، وفي مقدمة ذلك إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق القرارات الدولية ذات الصلة.

وبعد ثلاث سنوات من النار، يبقى السؤال الأكبر أمام العالم: هل ستكون غزة عنواناً جديداً لنكبةٍ ممتدة، أم ستكون بدايةً لمرحلةٍ يعاد فيها بناء الإنسان والمكان والحق؟
إن مسؤولية إنقاذ غزة لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، ولا على الدول العربية وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي بأسره.

وعلى الدول التي أعلنت التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان أن تحول بياناتها وتصريحاتها إلى خطوات عملية: حماية المدنيين، ضمان وصول المساعدات، دعم إعادة الإعمار، توفير المأوى للنازحين، إعادة بناء المؤسسات الحيوية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبتها التحقيقات والآليات القضائية المختصة.

فغزة، رغم الركام، لم تفقد ذاكرتها.
ورغم الخيام، لم تفقد وطنها.
ورغم الفقد، لم تفقد حقها في الحياة.

وستبقى فلسطين قضية شعبٍ لم تنجح الحروب في محو هويته، ولن يستطيع الركام أن يدفن ذاكرته، ولن يستطيع النزوح أن يقتلع جذوره.

ثلاث سنوات مرّت على السابع من أكتوبر، وما زالت غزة تنزف، لكن فلسطين ما زالت حاضرة؛ بشهدائها، وجرحاها، ومفقوديها، وأسراها، وأطفالها، ونسائها، وشيوخها، وبكل بيتٍ فلسطيني يتمسك بالأرض والوطن والحق.

رحم الله شهداء فلسطين، وشفى جرحاها، وفك قيد أسراها، وردّ المفقودين إلى ذويهم، وحفظ أطفالها ونساءها وأهلها، وأعاد إلى غزة أمنها وعمرانها وحياتها، وجعل من هذه المأساة نقطة تحوّل نحو عدالةٍ تحمي الإنسان، وسلامٍ يحفظ الحقوق، ومستقبلٍ يليق بفلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *